علاقة الإسلام السياسي بالديمقراطية: تنافر في مصر، ومحاولات بائسة في تونس

78
عدد القراءات

2018-01-15

يبدو أن التجربة المصرية في محاولات الوصول إلى الديمقراطية بعد ثورة 25 يناير، قد أفضت إلى مجموعة من التغيرات التي كان من شأنها زيادة حدة التوترات مع تيارات الإسلام السياسي، التي زادت من اتهاماتها للمجتمع المصري بالتحول إلى الإلحاد والكفر، بعد أن تمكنت من الوصول إلى سدة الرئاسة عبر الانتخابات، أهم معالم الديمقراطية التي نادت بها الثورة الشبابية المصرية التي تخلصت من محمد حسني مبارك.

لقد أسهم استغلال الثورة من قبل تيارات الإسلام السياسي إلى مزيد من الجفاء بين الدولة المصرية والديمقراطية. وقد جاءت هذه الحالة في وضع كان المصريون فيه يهدفون إلى استجلاب الديمقراطية إلى بلادهم بعد أن غابت لسنوات طويلة.

وبعد أن استولت التيارات الدينية من جماعة الإخوان المسلمين، والسلفيين، على مقدرات الثورة، وعلى الدولة المصرية، زادت حدة استغلال الديمقراطية من قبل تلك التيارات، وحولتها إلى ديمقراطية استبدادية تقوم على الاستئثار بمفاصل السلطة، وتحويل مفاهيم الديمقراطية إلى مفاهيم دينية مرتبطة بفهم جماعات الإسلام السياسي لمبادئ الحكم.

أساطير مؤسسة لتيارات الإسلام السياسي

آمنت حركات الإسلام السياسي بأن الديمقراطية تتنافر مع مبادئ الإسلام. وقد تصرفت معظم تلك الحركات، على أن الديمقراطية جزء من المفاهيم الغربية التي ينبغي محاربتها. وبما أنها كذلك، فهي شيء محرم، لأنها صدرت عن العالم “الغربي الكافر”. وقد رأى كثير منهم أن الديمقراطية جسم سياسي واحد، جامد، له حدود وله محددات، وتناسوا أن الديمقراطية هي نظام حياة يمكن أن تشمل كثيرًا من السلوكيات، والتي تتعلق في مجملها بتوزيع عادل للسلطة دون تدخل في الشؤون الفردية. في الواقع، لقد كانت “الشؤون الفردية” تلك نقطة الخلاف بين التيارات الدينية والديمقراطية، فهي ترى أن “استخلاف المسلمين في الأرض” يعطيهم الحق في التدخل في شؤون الأفراد كجزء من حكمهم السياسي، وعلى هذا طور الإسلاميون بعض التصرفات السياسية وفق فهمهم لمبادئ الحكومة، دون الامتناع عن التدخل الكبير في حياة الأفراد.

ورغم أن الإسلاميين وصلوا إلى الحكم في دول مثل مصر وتونس، عبر طرق ديمقراطية، إلا أنهم انقلبوا عليها حين وصلوا إلى الحكم، وتابعوا أساليب حكمهم بعيدًا عن مفاهيم الديمقراطية “المحرمة”.

مصر: تنافر كامل

في مصر تحولت الديمقراطية إلى استبدادية إسلامية، وقد بات من الشائع أن يخرج أحد أعضاء البرلمان، أو أحد الوزراء، لينادي بإقصاء أحد مكونات الشعب المصري، كالأقباط، أو كالمعارضين للنظام الإسلامي. كما بات تعديل القوانين وفقًا لمفاهيم تلك التيارات أمرًا يسيرًا، يحدث في غمضة عين. وقد عانت حركة الإخوان المسلمين من تصلب وانقسامات بين فروعها الداخلية، على إثر الخلافات حول قضية الالتزام بمبادئ الديمقراطية.

وقد وصل التنافر بين صقور الإخوان المسلمين، وحمائمهم إلى اتهامات متبادلة بأن الجماعة فقدت روحها، وفقدت المبادئ التي قامت عليها ولأجلها. كما اتهمها آخرون بأنها غير قادرة على تجديد أدبياتها التأسيسية أو حتى خطاباتها الإعلامية، بشكل يتماشى مع روح العصر الذي تعيش فيه، وأنها ظلت منحصرة في شبكة الأفكار التي نشأت عليها قبل حوالي مئة عام.

لقد عاش الإسلاميون في مصر نظامًا أشبه بالنظام الإيراني، وقد ظل المرشد في الجماعة أشبه بالولي الفقيه، الذي يدير الشؤون العامة في البلاد، عبر تحريك رئيس الدولة، الذي لم يكن له أية صلاحيات فعلية، بدون موافقة المرشد.

تونس: محاولات بائسة

أعجب زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي بمبادئ الدولة المدنية في أوروبا، بعد أن عاش فيها لسنوات طويلة. وقد كتب الغنوشي الكثير من الأفكار المتعلقة بإعجابه بطريقة الحكم الأوروبية وأساليب إدارة الدولة. لقد ظهر ذلك بشكل واضح في كتابه “الحريات العامة في الإسلام” الذي أيد فيه علانية  أساليب علمانية في إدارة شؤون الدولة.

وهكذا ظلت تونس تدور في فلك الحكم “الإسلامي العلماني” الذي اتخذه أردوغان أسلوبًا لحكم تركيا. ومع أن نهضة تونس حاولت أن تتماشى مع السياقات التاريخية والسياسية لتطور الحركة، وأن تتناغم مع التغيرات الحديثة في طرق إدارة الدولة، إلا أنها فشلت هي الأخرى في فهم معاني الديمقراطية بشكل كامل، وحاولت تطويع مفاهيمها لصالح تشريع وتطبيع حكم التيارات الإسلامية لتونس.

لقد كان إخوان تونس أكثر حرصًا على إظهار الاندماج مع القيم السياسية الحديثة، خصوصًا حين أعلن الحزب عن إقرار قانون الأحوال الشخصية في تونس، والذي اعتبره بعض المراقبين بأنه قانون “الأسرة الأكثر حداثة” في عالم المسلمين اليوم. مع ذلك، أخذ الكثيرون على واضعي هذا القانون محاولات فرضه بالقوة على المجتمع، ومحاولات إخضاع السلطة التشريعية من أجل دفعها إلى تمرير القانون بشكل كامل. وهكذا لم تخرج حركات الإسلام السياسي التونسية من طور معتقداتها القديمة لصالح الدخول الكامل في الديمقراطية، رغم أن إشارات كثيرة كانت تدلل على ذلك.

ما الحل؟

إن النتيجة التي يمكن أن تصل إليها كل تلك المعطيات، هي أن حركات الإسلام السياسي، لا يمكن لها أن تتفاعل مع الديمقراطية، وأن الحل الوحيد أمامها لمجاراة الديمقراطية أو الحكم وفق أسسها، هي أن تخرج عن الأسس التي قامت عليها من أجل أن تتحول إلى الديمقراطية. وبغير ذلك، لا يمكن لحركات الإسلام السياسي أن تعيش أو أن تتعايش مع الديمقراطية، أو مع أي من مخرجاتها، لأنها تتنافى مع الأساليب التي يحاول الإسلاميون تمريرها داخل أنظمة الدول الحديثة.

وهكذا، لا يمكن فهم محاولات الإسلاميين للتعامل وفق الأسس الديمقراطية، إلا من خلال المبادئ التي قامت عليها تلك التيارات، والتي تقوم بالأساس على رفض الديمقراطية. ومن هنا، فشلت، كافة المحاولات في تطويع الديمقراطية وفق المفاهيم الإسلام-سياسية، في كل من مصر وتونس.

عن"كيوبوست"

اقرأ المزيد...

الوسوم: