حزب الدعوة: من دعاوى المثالية إلى مهاوي التبعية والطائفية

1616
عدد القراءات

2018-02-04

عشية إسقاط النظام الملكي واستلام القوات المسلحة السلطة في العراق، في تموز من العام 1958، وفي أجواء غلب عليها الصراع السياسي والأيديولوجي بين مختلف القوى والتيارات السياسية والفكرية المتنافسة، اجتمع مجموعة من طلبة الحوزة في النجف للعمل على تشكيل حركة إسلامية، يُطرح من خلالها الإسلام ومشروع الدولة الإسلامية، وتخلق حالة توازن فكري مع الشيوعية، والقومية العربية، والعلمانية.
الأفكار والتأسيس

كان السيد محمد باقر الصدر من أهم الأسماء المؤسسة للحزب، بالإضافة إلى السيد طالب الرفاعي، والسيد مرتضى العسكري، والشيخ عارف البصري. وقد تأثر المؤسسون بفكر الإخوان وحزب التحرير عموماً، وخصوصاً كتب حسن البنا، وعبد القادر عودة، وسيد قطب وكتابه "معالم في الطريق"، فضلاً عن مجلة "المسلمون" و"التنظيم الدولي"؛ حيث اعتقدوا بأهمية وضرورة إقامة حكومة إسلامية رشيدة، تحكم بما أنزل الله، وقد جاءت كتب محمد باقر الصدر: "اقتصادنا"، و"فلسفتنا"، "البنك اللاربوي في الإسلام"، وغيرها.. لإثبات ذلك على الصعيد النظري.

محمد باقر الصدر بين طلبته في حوزة النجف

أما المنهاج الأول للحزب فكان كتاب "الحكومة الإسلامية" للإمام محمد باقر الصدر، وبحسب الصدر فإنّ معنى اعتناق الدولة للإسلام هو: "ارتكازها على القاعدة الإسلامية واستمدادها من الإسلام تشريعاتها ونظريتها للحياة والمجتمع".

الصدام مع حزب البعث
وصل حزب البعث إلى السلطة في العراق مع انقلاب عبد السلام عارف في الثامن من شباط (فبراير) العام 1963، ومع تلاشي الأحزاب والتيارات الأخرى المنافسة، من القوميين والشيوعيين، بدأت إرهاصات الصدام تلوح بالأفق؛ ففي حزيران (يونيو) 1969 بدأت الحكومة العراقية بالخوف من ازدياد نفوذ حزب الدعوة، فبدأت هجوماً إعلامياً عليه، فشعر الحزب بأنّه مستهدف من قبل الحكومة، فقرّر الردّ باتخاذه قراراً بالخروج بتظاهرات سياسية تنادي بإسقاط الحكومة العراقية وحزب البعث، وتدعو إلى إقامة دولة إسلامية، ما حدا بالحكومة إلى اتخاذها إجراءات مضادة؛ حيث قامت باعتقالات في صفوف الحزب، وفي عام 1974 قامت محكمة الثورة العراقية بإصدار أمر الإعدام على مجموعة من قياديي الحزب، في مقدمتهم: الشيخ عارف البصري، والسيد عماد الدين الطبطابائي، والسيد عز الدين القبنجي، وكانت هذه الضربة موجعة لصفوف الحزب؛ حيث أدى إلى قطع الاتصال بين أعضائه لفترة مؤقتة.

عبد السلام عارف (يسار) إلى جوار عبد الكريم قاسم قبل أن ينقلب عليه العام 1963

وفي العام 1975 قامت الحكومة العراقية بحظر أحد الطقوس الدينية الشيعية، وهو المسير من النجف إلى كربلاء، وفي العام 1977 قام حزب الدعوة وكتحدّ منه للحكومة العراقية بتنظيم هذا الطقس؛ فحصلت في ذلك العام ما يطلق عليه حزب الدعوة "انتفاضة صَفَر"؛ حيث قام النظام باستخدام الدروع والمشاة والطائرات المقاتلة لتنفيذ قرار المنع، وقد انتهت تلك الأحداث بمقتل وجرح العديدين، وباعتقال أحد عشر ألفاً من أبناء النجف والمناطق المحيطة وزجهم بمعسكرات الجيش للتحقيق.
الثورة الإسلامية في إيران
وفي ذروة القمع والاضطهاد، كان هناك عامل جديد قد دخل على معادلة الصراع القائمة بين الحركة الإسلامية في العراق والنظام الحاكم، تمثّل باندلاع لهيب ثورة شعبية عارمة في الجارة إيران، يقودها مرجع شيعي كبير، هو آية الله الخميني، الذي سبق أن اتخذ من مدينة النجف الأشرف بالعراق مقراً له بعد نفيه من إيران، وقبل مغادرته إلى فرنسا.

تفاعل الحزب مع الثورة الإسلامية في إيران وأيدها بشكل كامل، وأعلن مبايعته للإمام الخميني. وكان أكثر من أبدى دعمه وتأييده بشكل واضح هو الإمام الصدر، الذي أنجز عشية انتصار الثورة بحثه (لمحة فقهية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية)، الذي ترجم إلى الفارسية واستفاد منه المشرعون الإيرانيون في صياغة دستور الجمهورية الإسلامية في حزيران (يونيو) 1979.
أحداث 17 رجب وإعدام الصدر
وفي تطور لاحق أصدر الصدر فتاوى اعتبرها البعث غاية في الخطورة، وهي: حرمة الصلاة خلف أئمة الجوامع الذين لا يملكون وكالة شرعية من مراجع النجف، وحرمة دخول الطالبات إلى الجامعات بدون حجاب، وذلك بعد قرار السلطة بعدم السماح بارتداء الحجاب في الجامعات، وحرمة الانتماء إلى حزب البعث الحاكم، حتى لو كان ذلك الانتماء شكلياً، وكانت تلك هي أخطر فتاواه وأشدها وقعاً على النظام.

خلال الحرب العراقية الإيرانية قاتل عناصر الحزب بجانب القوات الإيرانية خاصة بعد تأسيس معسكر "الشهيد الصدر" في الأهواز

وفي تصعيد آخر، تم الاتفاق بعد اجتماع الصدر مع عدد من الوجهاء والشيوخ من لجان الدعوة في المحافظات على أن تتوجه وفود من مختلف أنحاء العراق إلى مقر الإمام الصدر لمبايعته قائداً للثورة الإسلامية في العراق، فبدأت وفود البيعة للصدر بالتقاطر على مقر إقامته في النجف.
قرّرت السلطة اعتقال محمد باقر الصدر، وتم إرساله إلى بغداد، وفي اليوم التالي بدأت حشود من المتظاهرين في التجمع في الحرم الحيدري وانطلقت المظاهرة لتطوف شوارع المدينة، ولكن كانت أجهزة الأمن والحزب لهم بالمرصاد فتم اعتقال أكثر من ألفي متظاهر.
وبدأت المحافظات الشيعية تغلي وتفور لإطلاق سراح الصدر، فتم ذلك مع وضعه تحت الإقامة الجبرية في حزيران (يونيو) 1979، وفي آذار (مارس) 1980 قامت الحكومة العراقية بإصدار قرار نص على إعدام كل من ينتمي إلى حزب الدعوة الإسلامية، وكان في طليعة من أعدم بهذا القرار محمد باقر الصدر وأخته نور الهدى في 8 نيسان (أبريل) 1980، حيث صدر أمر قضائي بتقديمه للمحاكمة بتهمه العمالة والتخابر مع دوله أجنبية وحُكم عليه بالإعدام، وتم إعدامه مساء يوم 9 نيسان (أبريل) 1980 رمياً بالرصاص.

محمد باقر الصدر أهم مؤسسي حزب الدعوة وقادته أعدمته السلطات العراقية العام 1980

التحول إلى حركة مسلحة

تأسس حزب الدعوة بالأساس على أن يكون حزباً يمارس السياسة بطرق سلمية، وهو ما تغير بعد ذلك نتيجة لاستمرار الصدام العنيف مع حزب البعث، الذي تضاعفت حدّته بعد قيام الثورة الإسلامية ووصول صدام حسين إلى سدة الحكم العام 1979؛ حيث تأسس الجناح العسكري للحزب العام 1979، وأطلق عليه اسم "الجناح الجهادي"، ومثلت ولادته تبلور التيار الجهادي الشيعي، وتزامن ذلك مع صعود حركة أمل، وحزب الله في أجواء الحرب الأهلية في لبنان.
وخلال الحرب العراقية الإيرانية، قاتل عناصر حزب الدعوة الإسلامية إلى جانب صفوف القوات الإيرانية، خاصة بعد تأسيس معسكر "الشهيد الصدر" في الأهواز، وقد تمكن هذا المعسكر من تدريب 7000 مقاتل، لغرض تنفيذ عمليات داخل العراق.

مقاتلون في معسكر "الشهيد الصدر" في الأهواز

عمليات إرهابية ومحاولات اغتيال
وبعد تأسيس الجناح العسكري لحزب الدعوة وتلقيه تدريبات في لبنان وإيران، بدأ بتنفيذ اعتداءات مسلحة، فاقتحم أفراد منه السفارة البريطانية في بغداد العام 1980، بالإضافة إلى القيام بعمليات تفجير سينما النصر وسط بغداد العام 1981، وتفجير مبنى وزارة التخطيط العراقية العام 1982، ومبنى الإذاعة والإعلام العام 1983 وغيرها من العمليات الإرهابية.

لم تنحصر عمليات الحزب الإرهابية في الثمانينيات داخل العراق بل اتجهت نحو الساحة اللبنانية المنفلتة آنذاك والكويت

وكانت الاغتيالات في طليعة أهداف اللجنة العسكرية؛ ففي الأول من نيسان (أبريل) 1980 قام الحزب بمحاولة اغتيال فاشلة استهدفت نائب رئيس الوزراء آنذاك طارق عزيز، وذلك في الجامعة المستنصرية ببغداد، ولكنها أدت إلى مقتل عدد من الطلاب.
ووصلت محاولات الاغتيال إلى الرئيس صدام حسين، وقد تحدث برزان التكريتي رئيس المخابرات العامة للنظام (1979 - 1983) عن عشر محاولات لاغتيال صدام حسين حتى العام 1982، وذلك في كتابه (محاولات اغتيال الرئيس صدام حسين)، كان العديد منها من تدبير حزب الدعوة.
لم تنحصر عمليات الحزب داخل العراق، فاتجهت أنظاره نحو الساحة اللبنانية المنفلتة آنذاك، ومن أوائل العمليات التي نفذها الحزب في لبنان اغتيال عدنان سنّو، عضو القيادة القطرية لحزب البعث في لبنان العام 1981، وبلغت العمليات ذروتها بتفجير السفارة العراقية ببيروت في كانون الثاني (يناير) العام 1981.

ركام مبنى السفارة العراقية ببيروت بعد تفجير الدعوة عام 1981

ومن أشهر العمليات في الخارج تلك التي ضربت دولة الكويت؛ حيث استهدف حزب الدعوة منشآت حكومية وأجنبية (من بينها السفارتان الأمريكية والفرنسية) في العام 1983، ثم قام باختطاف طائرة ركاب كويتية العام 1984، قبل أن تصل العمليات إلى ذروتها مع هجوم بسيارة مفخخة على موكب الشيخ جابر آل الصباح ومحاولة اغتياله العام 1985، وذلك عقاباً من الحزب للكويت لمساندتها للعراق في حربه مع إيران.
حرب الخليج الثانية والانتفاضة الشعبانية
كانت قدرات الحزب السياسية والعسكرية قد استنزفت بشكل كبير مع نهاية الحرب العراقية الإيرانية في نهاية الثمانينيات، وبينما كان النظام يشيع أجواء الانتصار بالحرب، اتخذ صدام حسين قرار غزو الكويت في 2/8/1990، الذي تبعه تشكيل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وقيام حرب الخليج الثانية لإخراج القوات العراقية التي انتهكت سيادة دولة الكويت. وبعد قبول صدام حسين قرار وقف إطلاق النار، وفي أجواء الهزيمة والشعور بأنّ القوة العراقية العسكرية انتهت وأنهكت، انطلقت الانتفاضة الشعبانية، وكان بداية شرارتها في شهر شعبان بالبصرة، على يد سائق دبابة عائد من الكويت، قام بإطلاق قذيفة على صورة جدارية كبيرة لصدام في المدينة.

عاد حزب الدعوة من الخارج تحت المظلة الأمريكية وتحالف مع حكومة بريمر منذ يومها الأول

تميزت الانتفاضة بالطابع العفوي وافتقادها للقيادة المركزية، وكان دعاة ومنتسبو حزب الدعوة من أهم المشاركين في الانتفاضة، وكادت أن تنجح في تحقيق أهدافها، خاصة مع تشتت القوات العسكرية العراقية المنهكة مع انطلاق انتفاضة متزامنة في إقليم كردستان شمال البلاد. إلا أنّ النظام تدارك الأمر وحرّك قوات كبيرة، كما استعان بمجاهدي خلق، واستخدم الدبابات في قمع الانتفاضة، ليتمكن بذلك من القضاء عليها.

استخدم الجيش الدبابات للقضاء على الانتفاضة

من المنافي إلى سدة الحكم
بقي الحزب منهكاً خلال التسعينيات، وتشتتت قياداته في المنافي، إلى أنْ جاءت الحرب الأمريكية على العراق العام 2003، فبعد الإطاحة بنظام صدام حسين فتح الحزب أول مكتب له في الكوفة، وبدأ بالمشاركة في جميع العمليات السياسية، وفي اتخابات العام 2005 شارك ضمن ائتلاف العراق الموحد وفاز بـ128 مقعداً من أصل 275 مقعداً في البرلمان، وشغل نوري المالكي القيادي في الحزب منصب رئاسة الوزراء سنة 2006.

نوري المالكي تولى رئاسة الوزراء العام 2006

وبالمقارنة مع التوجهات والرؤى التي حملها الحزب في مرحلة التأسيس، من السعي إلى نشر الثقافة والوعي الإسلامي، وصولاً إلى إقامة الحكومة الإسلامية، فإنّه شهد تحولات كبيرة خلال مسيرته، ولكن أشدّها كان في فترة ما بعد 2003.؛ فقد عاد حزب الدعوة من الخارج تحت المظلة الأمريكية، وتحالف مع حكومة بريمر منذ يومها الأول، وذلك خلافاً لتراث الحزب الذي كان دائماً ما يرى العداء المطلق للولايات المتحدة؛ حيث كان يعتبرها حليفاً داعماً لنظام صدام حسين وعدواً للثورة الإسلامية.
هذا بالإضافة إلى اتجاهه نحو الطائفية حيث نسّق مع حكومة الاحتلال الأمريكي في تشكيل وإدارة هيئة اجتثاث البعث، التي تم من خلالها تصفية الكثير من المواطنين بشكل تعسفي حمل بعداً طائفياً، كما نفذ المالكي سياسات طائفية، ومن ذلك قمع الاعتصامات والاحتجاجات السلمية التي شهدتها المحافظات السنية في الفترة (2011 – 2013).
وهكذا، ومنذ الوصول إلى الحكم العام 2005، تجاوز الحزب مشروع إقامة الدولة الإسلامية الذي وجد من أجله، واتجه نحو التبعية للولايات المتحدة وإيران، والطائفية والانغماس في الفساد الذي أغرق الحياة السياسية العراقية.

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: