أسباب التطورات في عدن ومآلاتها

صورة عمر الرداد
كاتب أردني وخبير بالتحليل الأمني الاستراتيجي
1828
عدد القراءات

2018-02-02

بدّدت زيارة وفد مشترك سعودي إماراتي، يضم نخبة من قادة عسكريين وأمنيين إلى عدن، ونجاحه بوقف الاقتتال بين قوات الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، برئاسة الرئيس منصور هادي، والمجلس الانتقالي بقيادة محافظ عدن المقال عيدروس الزبيدي، مزاعم أطراف كثيرة ذهبت إلى أنّ أحداث عدن، تمثل قمة الصدام بين المشروعين السعودي والإماراتي في اليمن، وأنّ لدى الإمارات إستراتيجية تتعارض مع إستراتيجية السعودية في الحل النهائي للقضية اليمنية، مضمونها أنّ للإمارات "مطامع" في اليمن الجنوبي، وتعمل على انفصاله عن اليمن وتتخذ موقفاً من قيادة منصور هادي للحكومة الشرعية، فيما تتركز إستراتيجية السعودية على إعادة إنتاج اليمن بإنهاء سيطرة الحوثي قبل وبعد مقتل علي عبدالله صالح، بما يضمن وقف التهديد، خاصة بعد ثبوت التحاق الحوثي بالمشروع الإيراني في المنطقة واليمن، وتهديد السعودية بإبقائها تحت رحمة الصواريخ الإيرانية التي يطلقها الحوثيون.

أحداث عدن تعكس توافقاً سعودياً إماراتياً يعيد إنتاج الحرب لتحقيق الأهداف الإستراتيجية المتمثلة في القضاء على الحوثي ووقف تهديده

أحداث عدن، تعكس توافقاً سعودياً إماراتياً وفهماً لسياقات الأزمة اليمنية، يعيد إنتاج الحرب في اليمن، بما يضمن تحقيق الأهداف الإستراتيجية المتمثلة في القضاء على الحوثي ووقف تهديده، باعتباره ذراعاً إيرانياً، في ضوء ثلاثة تطورات وهي:
الأول: قناعات متزايدة بأنّ الحكومة الشرعية بقيادة منصور هادي غير قادرة على إدراة المعركة مع الحوثيين، وأنّ خمسة أشهر بعد اغتيال صالح كانت كافية لاستثمار المشهد لاستقطاب اليمنيين أو-على الأقل غالبيتهم- ضد المشروع الحوثي الإيراني، وهو ما لم تحقق حكومة هادي الحد الأدنى من أي نجاحات فيه؛ إذ إنّ الجهد الحربي ضد الحوثيين يقتصر على الضربات الجوية السعودية والإماراتية، وفصائل موالية لهما في الشمال والجنوب وتحديداً في تعز والحديدة.

جانب من تظاهرة في عدن لمواطنين يمنيين يثمنون دعم دولتي السعودية والإمارات

الثاني: ظهور لاعبين جدد، يمكن أن يسهموا بالمعركة ضد الحوثي، وهم أقارب الرئيس المغدور علي صالح وتحديداً ابنه أحمد، المقيم في الإمارات، والعميد طارق ابن شقيق الرئيس، الذي تمكن من الهروب إلى مناطق الجنوب، إضافة لبعض كوادر المؤتمر الشعبي، خارج صنعاء والذين لم تطلهم قبضة الحوثي، وتغيرت مواقفهم بعد اغتيال صالح، ويبدو أنّ محاولات السعودية والإمارات للوصول إلى صيغة توافق بين أقارب الرئيس صالح ومعهم كوادر المؤتمر الشعبي مع الحكومة الشرعية بقيادة منصور هادي وصلت إلى طريق مسدود؛ حيث انتصرت حسابات موازين القوى بين الجانبين، والمتضمنة أن قدرة العميدين أحمد وطارق صالح على تعزيز مسارات المعركة وتحقيق مزيد من الانتصارات ضد الحوثيين أكبر وأعمق من قدرة منصور هادي "المتردد" ونائبه "محسن الأحمر" وحكومتهما، ارتباطاً بصلات عائلة صالح مع قبائل الشمال وكوادر المؤتمر الشعبي، خاصة في محيط طوق صنعاء، والمجاميع الرافضة لسيطرة الحوثيين على اليمن، خاصة بعد مقتل الرئيس صالح.

تستطيع إيران في ظل علاقاتها الوثيقة مع القاعدة والحوثيين أن تدير بكفاءة حرباً  مذهبية في اليمن

الثالث: وقف المراهنة على الإخوان المسلمين، ممثلين في الإصلاح؛ إذ وخلافاً لعلاقات الإمارات والسعودية مع تنظيمات الإخوان المسلمين، أقدمت السعودية والإمارات على خطوة تستهدف إقناع الإصلاح بالوقوف إلى جانب الشرعية ضد الحوثيين، ويبدو أن الإصلاح في إطار انتهازية تاريخية للإخوان، وعداوة للسعودية والإمارات، أكثر ميلاً للتعاطي بإيجابية مع المشروع الحوثي، في إطار صفقات سرية بين الجانبين، وبصورة مطابقة لسياسات الإخوان المسلمين في العراق بالتحالف مع الأمريكان، ثم التحالف مع إيران والتعاطي مع مشروعها في العراق، من خلال الحزب الإسلامي.

انطلاقاً من عدن، حان الوقت لوقف التدمير والتدخل الإيراني

ورغم تعقيدات المشهد في عدن ومناطق الجنوب، إلا أنّ المعيار الرئيس في إنهاء حالة التشرذم سيبقى مرتبطاً أولاً وأخيراً بمدى توافق الفاعلين في المشهد اليمني، والقدرة على تعظيم القواسم المشتركة بين اليمنيين، وهناك ثلاثة سيناريوهات للمستقبل على ضوء تطورات ومالآت الأوضاع في عدن، الأول: تحقيق المجلس الانتقالي الجنوبي نجاحات على حساب سلطة منصور هادي بما يضمن المزيد من إضعافه واستيلاء المجلس على السلطة. والثاني: إفشال المجلس الانتقالي الجنوبي وهو ما سيبرز خلافاً تجاه حكومة هادي ومستقبلها، والثالث: تقاسم السلطة بين حكومة هادي والمجلس الانتقالي بما يبعد فكرة الانفصال، المطروحة من قبل أوساط في الجنوب، وخاصة من قبل بعض قيادات الحزب الاشتراكي، ويبرز هنا سيناريو مطروح في أوساط محللين مفاده أنّ مخرجات تطورات عدن ستكون بفدرالية يمنية، تضمن وحدة اليمن بشماله وجنوبه، بإقليمين؛ شمالي بقيادة أحمد علي عبدالله صالح وجنوبي بقيادة مشتركة بين المجلس الانتقالي والحراك المسلح، ورئاسة صورية يقودها الرئيس منصور هادي.

المشهد في اليمن يسير باتجاه المزيد من التعقيد، وليس هناك من حل حتى بالحد الأدنى في المدى المنظور، إلا الحسم العسكري، خاصة وأنّ هناك مشروعين إقليميين في اليمن وهما؛ المشروع التوسعي الإيراني، وعنوانه الحوثيون، والمشروع السعودي الإماراتي، الذي يتطلع لانتشال اليمن من السيطرة الإيرانية، لا سيما بعد أن أبرزت مرحلة ما بعد اغتيال علي عبدالله صالح حجم الاختراق الحوثي للمكونات اليمنية، وخاصة بين قبائل محيط صنعاء، بما فيها قبيلة الرئيس المغدور، بعد أربعة أعوام من تحالفهم مع صالح ضد الشرعية، وتسليمهم مفاصل الدولة كافة، خاصة الأمنية والعسكرية والاقتصادية، وربما ستزداد الأمور تعقيداً بالمسكوت عنه الذي يتمدد في اليمن، وخاصة في الجنوب، والمتمثل في تنظيم القاعدة، الذي يؤكد كثير من الخبراء أنّ اتخاذه اليمن قاعدة انطلاق بديلة لسوريا والعراق أصبح احتمالاً مرجحاً وبقوة، في ظل مالآت الحرب في اليمن، التي تؤكد الكثير من المعطيات، أنه يذهب باتجاه أن يكون "دولة فاشلة"؛ حيث تنشئ القاعدة قواعدها، وفي حال استمرار سيطرة الحوثي في الشمال، فمن المؤكد إعادة إنتاج صور الحرب المذهبية في العراق، بنسخة يمنية جديدة، تستطيع إيران إدراتها بكفاءة، في ظل علاقات وثيقة مع الطرفين.

اقرأ المزيد...

الوسوم: