هل يستطيع الأزهر تجديد الخطاب الديني؟

1003
عدد القراءات

2018-01-29

على الرغم من خروج تيار إصلاحي، من داخل الأزهر، نجح أوائل القرن الماضي، في تحريك المياه الراكدة داخل المؤسسة العريقة، إلّا أنّ هذا التيار لم يستطع الخروج من سياقات التراث وإملاءاته، فكانت هناك حالة من التعالق النصي وثيق الارتباط، بين مخرجات عملية الإصلاح الديني، وجذور الموروث الفكري والعقدي، الذي شكّل ينبوعاً رئيساً، نهل منه الإصلاحيون، والذين خرجوا من عباءة المدرسة الدينية التقليدية، أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين،  فجاءت الأفكار والمنطلقات، لتعبّر عن هذا الموروث، على شكل أطروحات، أفصحت عن بنيتها الداخلية، التي وظّفها دعاة التجديد، لإعادة تقديم نظريات السلف وتطويعها، في ضوء متغيرات الواقع.

والتجديد، بهذا المعنى، يبدو شديد التمركز حول النصوص، بحيث لا يمكن فصل نتاجاته المعرفية عن معطياته الممتدة إلى التراث، بكلّ ما يؤدي إليه ذلك من حجب لرؤية أوسع؛ حيث تقوم تلك المعطيات بإحاطة نفسها بغلاف عازل من التأويلات القديمة، التي تحيل دوماً إلى نصّ مقدّس أو حامل مقدس.

من قبل، انطلق جمال الدين الأفغاني من معطيات التراث، محاولاً التوفيق بين المثال الذي يراه ينبوعاً لا ينضب، والواقع الذي يتطلب طروحات جديدة، للفكاك من رؤية تجاوزها التاريخ، فاعتنق الأفغاني فكرة الجامعة الإسلامية، كحركة سياسية لمواجهة الغرب الاستعماري، وبناء منظومة حضارية حديثة، تستلهم التراث، وتنطلق وفق معطيات الواقع. صحيح أنّ الأفغاني لم ينادِ بمواجهة دينية مع الغرب، إلّا أنّه لم يجد حرجاً في اللجوء الحاد إلى الماضي، لتأسيس منظومة فكرية تتجذّر فيه.

انطلق الأفغاني من معطيات التراث محاولاً التوفيق بين المثال الذي يراه ينبوعاً لا ينضب والواقع المتطلب لطروحات جديدة

والأفغاني يدعو صراحة إلى إقامة الدولة القائمة على العصبية الدينية؛ حيث يقول: "يجب على المسلمين أنْ يرفضوا كلّ ولاء وطني، وكلّ انتماء، وكلّ إخلاص للوطن الأصلي، لينضووا تحت لواء الدين الإسلامي، بوصفه المصدر الوحيد للقوة والوحدة. وربما وُجد بينهم أفراد يتشدّقون بألفاظ الحرية والوطنية والجنسية، ويطلقون على أنفسهم (زعماء الحرية)".

هذا الارتباك بين ثنائية التجديد /استدعاء التراث، الواضح في طروحات الأفغاني،  يؤكد عدم إمكانية فصل العقلية الدينية كمحصلة للمدرسة الفقهية عن نتاجاتها؛ ففي تلك النتاجات النظرية تتجلى كافة الطروحات القديمة، في أشكال نظرية حديثة، تفصح من خلال ما تطرحه، عن دواخلها وبنيتها الأصولية، عبر محاولة  تقديم إرث الماضي بشكل جديد، يحتوي المضمون القديم ذاته، وهو ما يعكس وجود صبغة اتفاقية، تتكرّر في سائر الحركات، ذات السمة الدينية، في شتى القضايا التشاركية، فيخضع الموروث لمحاولات التطويع دون الانطلاق بعيداً عنه .

والأمر نفسه، ينطبق على محمد عبده، الذي نجده يتأثر بمنهج علماء الكلام في تناوله للعقيدة الإسلامية، ويعتنق مذهب الأشاعرة في التوحيد، ومذهب المعتزلة في العدل، والذين جاراهم في عدم الأخذ بأحاديث الآحاد، لكنّه ظلّ مخلصاً للتراث الأشعري بشكل عام، فيقول: "إنّ هناك مناطق لا يستطيع العقل أن يصل إليها بمفرده، ويحتاج فيها إلى وصيّ، وهذا الوصي هو النّبي". ويذكر تلميذه، حافظ وهبة، أنّ أستاذه كان يثني على الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ويلقّبه بــ "المصلح العظيم"، ويرى دعوته إصلاحية تهدف إلى إحياء الإسلام. وهو ما يعني أنّنا بصدد صيغة منهجية وتطبيقية، تهدف إلى إعادة إحياء الفلسفة الإسلامية القديمة، وتجديد الخطاب وفق هذا النسق الجامع بين دليلي العقل والنقل، بناء على معطيات توفيقية، تبدو عسيرة الانطلاق للوهلة الأولى، في لحظة كان المسلمون فيها خارج نطاق الحضارة الإنسانية، فكان خيار التحصّن بالتراث الديني والفكر الفقهي، واستحضاره في ثوب جديد، لوضع التراث أمام متغيرات العصر؛ من علمٍ، وتكنولوجيا، وفلسفةٍ، ونظرياتٍ اقتصاديةٍ وسياسيةٍ. وكان الرهان هو التوفيق بينهما، والبحث بين طيّات الماضي عن معطيات لطروحات الحاضر، في محاولة لإثبات قدرة الماضي على الحياة في غير عالمه.

محمد عبده تأثر بمنهج علماء الكلام في تناوله للعقيدة واعتنق مذهب الأشاعرة في التوحيد ومذهب المعتزلة في العدل

ولعلّ المعركة التي نشبت بين محمد عبده وفرح أنطون، خير دليل على حالة التردد الفكري عند الإمام، كان فرح أنطون قد نشر كتابه "ابن رشد وفلسفته"، وهو ما أثار حفيظة رشيد رضا، الذي اتّخذ من مجلة "المنار" منبراً لمهاجمة الكتاب، وأخذ يحثّ أستاذه، محمد عبده، على الانضمام للمعركة المحتدمة، وبالفعل أعلن محمد عبده الحرب على أنطون، مؤكداً عدم إمكانية فصل الدين عن الدولة، لأنّ الحاكم، في رأيه، "لا يمكنه التحرّر من دينه، ثمّ إنّ الأجسام التي يدبّرها الحاكم، هي الأجسام نفسها التي تسكنها الأرواح التي يدبرها رؤساء الدين، فكيف يمكن الفصل بين السلطتين؟".

ويمثل رشيد رضا، مرحلة الارتداد عن التجديد، بشكلٍ حاد؛ ففي كتابه "الوحي المحمدي"، تبدو النزعة التقليدية شديدة الحضور؛ بل ويستخدم المنهج الدائري، لتبرير آرائه، ويعدّ رشيد رضا إفرازاً طبيعياً للتيه في دوائر التراث.

الأمر نفسه ينطبق على الشيخ علي عبدالرازق، الذي تعرّض لهجوم حادّ، بسبب كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، ونشر الأزهر تقريراً ضخماً، أكّد فيه أنّ المؤلف يشطر الدين الإسلامي إلى شطرين، فيلغي شرط الأحكام المتعلق بالدنيا، ويضرب بآيات الكتاب والسنة عرض الحائط، وتحت وطأة الهجوم تراجع علي عبد الرازق، فبعد أن قال في كتابه: إنّ "ولاية الرسول على قومه ولاية روحية، منشؤها إيمان القلب، وولاية الحاكم ولاية مادية، تلك زعامة دينية، وهذه زعامة سياسية"، عاد ليقول، في مقال نشره بمجلة "رسالة الإسلام": "زعم الباحثون أنّني قد جعلت الشريعة الإسلامية شريعة روحانية محضة، ورتبوا على ذلك ما طوعت لهم أنفسهم أن يفعلوه، أمّا أنا فقد ردّدت عليهم أنّني لم أقل ذلك مطلقاً، لا في هذا الكتاب ولا في غيره. إنّ فكرة روحانية الإسلام لم تكن لي رأياً!".

بنية الأزهر لا تسمح له بالتحرّر الموضوعي  من سياقات الماضي ومساءلته، وكلّ ما تستطيع أن تصل إليه، هو إعادة تقديم قراءات دائرية

وبنظرة إلى محاولات تجديد الخطاب الديني، التي تمارسها المؤسسة الأزهرية، على استحياء، الآن، تحت وطأة ضرورة الانتقال إلى مرحلة إعادة التكييف، والاستجابة لما يسميه عبد الجواد ياسين "سؤال التطور"، الموجه بالأساس إلى الشقّ الاجتماعي، المتغيّر بطبيعته، وهو الشقّ الذي صنعه تاريخ التدين. يتّضح إصرار الأزهر على الحضور الكبير لمضامين "التراث" في المجال التداولي، في العديد من الحقول المعرفية، وبشكل جعل بناءه أشبه بالأيديولوجيا ثقيلة الوطأة، وهو ما يمكن وصفه بنوع من "الفهم التراثي للتراث"، ثم محاولة تكييف هذا الفهم مع الواقع، في ظلّ الاستلهام والاستدعاء الدائم للماضي، مع بذل جهد متواضع لتطويعه، وفق ارتهانات الحاضر، وبناء أطر مرجعية تبدو جديدة شكلاً، لكنّ مضمونها يبدو محاطاً بكلّ القيود المعرفية التي من شأنها إعاقة تحقيق إصلاح حقيقي، والتعاطي الفعّال مع متغيرات الواقع.

ويمكن القول، إنّ بنية الأزهر، كمؤسسة دينية تقليدية، لا تسمح له بالتحرّر الموضوعي  من سياقات الماضي ومساءلته، وكلّ ما تستطيع أن تصل إليه، هو إعادة تقديم قراءات دائرية، وتأصيل اتجاه جديد يمكنه معايشة المتغيرات الاجتماعية، لبعض الوقت، مع بقاء الإشكاليات المزمنة نفسها، وبدل أن يرتدي الحاضر عباءة الماضي، كما تفعل الحركات السلفية، يتم استدعاء الماضي لمعايشة الواقع، وإعادة إنتاج هذا الماضي، بشكل يغلق المشهد الفكري، ويمنع اكتشاف زوايا جديدة للرؤية من شأنها المساعدة في القيام بمقاربات سليمة للأفكار والمواقف، خارج نطاق أية أيديولوجيا، تدّعي قدرتها على تقديم كافة الحلول، لمقاربات تعتمد على خطّ نقلي، يفتقد الوعي التاريخي، والإدراك الكلي لقوانين التطور الاجتماعي.

اقرأ المزيد...

الوسوم: