من البيعة إلى السمع والطاعة.. أسرار البناء التنظيمي لجماعة الإخوان

من البيعة إلى السمع والطاعة.. أسرار البناء التنظيمي لجماعة الإخوان

من البيعة إلى السمع والطاعة.. أسرار البناء التنظيمي لجماعة الإخوان


03/11/2026

تتجاوز آليات السيطرة داخل التنظيمات المغلقة حدود الأوامر المباشرة والتكليفات الصادرة عن القيادات، إذ ترتبط بمنظومة متكاملة من التأثير الفكري والتنظيمي، تتشكل عبر مراحل متتابعة في حياة العضو. فمنذ اتصاله الأول بالجماعة، يمر الفرد بمسارات مختلفة من الارتباط والتكوين، تتسع معها دائرة الانتماء، وتتزايد الالتزامات، حتى يصبح التنظيم حاضرًا في طريقة تفكيره وتقييمه للأحداث وتحديد مواقفه من القضايا المحيطة به.

وتكشف الشهادات التي يقدمها الدكتور ثروت الخرباوي، القيادي الإخواني السابق، في كتابيه «سر المعبد» و«قلب الإخوان»، عن جوانب من البناء الداخلي لجماعة الإخوان الإرهابية، وما يرتبط به من نظام الأسر والبيعة والتراتبية التنظيمية والدوائر المغلقة وثقافة السمع والطاعة. ومن خلال هذه الرواية، يمكن رصد سبع أدوات مترابطة تشكل خريطة التأثير داخل الجماعة، وتوضح كيف ينتقل الفرد من مجرد التعارف إلى الالتزام التنظيمي، ثم إلى علاقة تتداخل فيها الهوية الشخصية مع الولاء للكيان.

1- التنشئة الأولى.. مدخل الارتباط بالجماعة

يمثل التعارف والتقارب نقطة الانطلاق في تشكيل علاقة الفرد بالتنظيم، إذ قد لا يكون الشخص في بداية ارتباطه على دراية كاملة بطبيعة الهيكل الداخلي أو الالتزامات التي قد تترتب على انضمامه. وقد تنشأ العلاقة من خلال نشاط اجتماعي أو ديني أو فكري، قبل أن تتسع دائرة المشاركة والتواصل تدريجيًا.

وفي هذا الإطار، يسلط الخرباوي الضوء على مراحل التكوين داخل الجماعة الإرهابية باعتبارها مدخلًا لفهم انتقال الفرد من دائرة التعارف إلى الالتزام التنظيمي. فالأمر لا يرتبط فقط بالمهام والتكليفات التي يتلقاها العضو، وإنما يشمل بناء علاقة متنامية بينه وبين الكيان، مع انتقاله إلى مستويات أكثر ارتباطًا بتفاصيل الحياة الداخلية للجماعة.

ومع مرور الوقت، تتشكل لدى الفرد مساحة من الارتباط النفسي والفكري بالتنظيم، الذي قد ينظر إليه باعتباره إطارًا للصحبة والهوية والعمل المشترك، حتى قبل أن تتضح أمامه جميع تفاصيل البنية التنظيمية التي أصبح جزءًا منها.

2- نظام الأسر.. حضور التنظيم الإرهابي في تفاصيل الحياة اليومية

داخل البناء التنظيمي للجماعة، يحتل نظام الأسر موقعًا مهمًا في تنظيم العلاقة بين الأعضاء، فهو لا يقتصر على اللقاءات الدورية أو جمع مجموعة من الأفراد في إطار واحد، وإنما يمتد إلى التواصل والتكوين وتبادل الأفكار ومتابعة الالتزامات، بما يضمن استمرار حضور التنظيم في حياة العضو.

ويتناول الخرباوي في كتاب «سر المعبد» طبيعة الدوائر التنظيمية والمستويات المختلفة التي يتحرك من خلالها الأعضاء، وما يرتبط بها من تفاوت في المعرفة والالتزام، وفي هذا السياق، تمثل الأسرة مساحة تتشكل داخلها العلاقات التنظيمية، ويتعرف العضو من خلالها على المسؤولين عنه، وعلى طبيعة المهام والتكليفات المنتظرة منه.

وتتحول العلاقة مع تكرار اللقاءات والأنشطة من مجرد انتماء فكري إلى شبكة متواصلة من الروابط والمواعيد والالتزامات، وهو ما يجعل جماعة الإخوان الإرهابية حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، ويعزز ارتباط الفرد بالمجموعة التي يتحرك داخلها.

3- صناعة الهوية.. عندما يتداخل الانتماء مع شخصية العضو

تتجاوز عملية التكوين داخل التنظيم الإرهابي حدود التعريف بالأفكار والقواعد، لتصل إلى تشكيل هوية العضو وطريقة تعريفه لنفسه. وهنا يبرز تساؤل أساسي حول مدى احتفاظ الفرد بمساحة مستقلة خارج الجماعة، وقدرته على التمييز بين قناعاته الشخصية وما يفرضه الانتماء من متطلبات.

وتشير شهادات الخرباوي إلى الدور الذي يؤديه الولاء التنظيمي في تحديد علاقة العضو بالقيادة وبمختلف المستويات داخل الجماعة. فكلما أصبح الانتماء جزءًا محوريًا من هوية الفرد، ازدادت حساسية تعامله مع الانتقادات الموجهة إلى التنظيم، وربما تحول الاختلاف مع أحد مواقفه إلى شعور بأن هذا الاختلاف يمس انتماءه الشخصي.

وبذلك، لا يظل التنظيم مجرد إطار يجمع الأعضاء حول أفكار مشتركة، وإنما يصبح جزءًا من الصورة التي يرى الفرد نفسه من خلالها، وهو ما قد ينعكس على قدرته على تقبل الاختلاف أو مراجعة المواقف التي يتبناها الكيان.

4- احتكار المعرفة.. تفاوت المعلومات داخل الدوائر المغلقة

يكشف الحديث عن الدوائر المغلقة داخل الجماعة عن جانب آخر من أدوات التأثير، يتمثل في تفاوت المعلومات التي يحصل عليها الأعضاء بحسب مواقعهم ومستوياتهم التنظيمية. وقد توقف الخرباوي في كتابيه عند طبيعة هذا البناء، وما يرتبط به من اختلاف في حجم المعرفة المتاحة لكل عضو.

وفي ظل هذا التفاوت، لا يمتلك الفرد بالضرورة صورة كاملة عن الهيكل التنظيمي أو خلفيات القرارات أو طبيعة الملفات التي تتعامل معها القيادة. فالموقع الذي يشغله داخل التراتبية يحدد إلى حد كبير ما يعرفه، وما يشارك فيه، وما يتلقاه من معلومات وتوجيهات.

وتطرح هذه الآلية تساؤلات بشأن قدرة العضو على اتخاذ موقف مستقل؛ إذ كيف يمكنه تقييم تكليف أو قرار لا يعرف جميع خلفياته؟ وكيف يستطيع مراجعة موقف إذا كانت المعلومات التي تساعده على فهمه محصورة في نطاق لا يملك تجاوزه؟

ومن خلال روايته، يلفت الخرباوي إلى أهمية السرية وتفاوت المعرفة في فهم البناء الداخلي للجماعة، والعلاقة بين امتلاك المعلومات والقدرة على التأثير والمشاركة في صناعة القرار.

5- البيعة والولاء.. رابطة تتجاوز مجرد الانضمام

تحتل البيعة مكانة بارزة في فهم طبيعة الارتباط بين العضو والتنظيم، إذ يعرضها الخرباوي في كتاب «سر المعبد» باعتبارها رابطة تتجاوز إعلان الانضمام إلى الجماعة، وترتبط بمفهوم الالتزام والولاء للكيان.

وفي شهاداته، يتحدث الخرباوي عن اختلاف مستويات البيعة وطبيعة الالتزامات المرتبطة ببعض الدوائر المغلقة، بما يوضح تعدد صور الارتباط التنظيمي، واختلاف ما يرتبط بها من مسؤوليات والتزامات.

ومن هذه الزاوية، تصبح البيعة إحدى الأدوات التي تعزز استمرار العلاقة بين العضو والجماعة، وتنقل الانتماء من مجرد ارتباط فكري أو اجتماعي إلى التزام ممتد تحكمه قواعد ومحددات تنظيمية.

6- السمع والطاعة.. حدود الاعتراض وحرية التفكير

تتضح حساسية البناء التنظيمي بصورة أكبر عند الانتقال إلى ثقافة السمع والطاعة، وما تطرحه من تساؤلات حول حدود الانضباط، وحق العضو في مناقشة القرارات أو إبداء الاعتراض على التوجيهات الصادرة من المستويات القيادية.

وفي كتاب «قلب الإخوان»، يتناول الخرباوي طبيعة التراتبية التي تنتقل من خلالها التوجيهات إلى القواعد، والآليات التي تحكم العلاقة بين القيادة والأعضاء، متوقفًا عند المساحة المتاحة للفرد في مناقشة ما يُطلب منه أو مراجعة القرارات.

وهنا يظهر الفارق بين الانضباط باعتباره ضرورة للعمل الجماعي، وبين الطاعة التي تتحول إلى التزام لا يتيح السؤال أو المراجعة، ففي الحالة الأولى، يكون العضو على دراية بأسباب التكليف، ويمتلك مساحة لمناقشة تفاصيله في إطار المسؤولية، بينما تتراجع هذه المساحة عندما تصبح سلطة الأمر مقدمة على حق الفرد في الفهم والتقييم.

وبحسب رواية الخرباوي، لا تقتصر الطاعة داخل بعض الدوائر التنظيمية على تنفيذ المهام، وإنما قد تمتد إلى المواقف والاختيارات المرتبطة بالقرار الجماعي. ومن هنا يبرز التساؤل عن مدى استقلال العضو في الاحتفاظ برأيه المختلف، أو قدرته على تبني موقف لا يتطابق مع توجه الجماعة.

7- العلاقة بالمجتمع.. اختبار استقلال الفرد خارج التنظيم

تمتد آثار التكوين التنظيمي إلى علاقة العضو بالمجتمع المحيط به، خاصة عندما تصبح الجماعة الإطار الأساسي الذي يستمد منه الفرد هويته ومعلوماته وتوجيهاته، وفي هذه الحالة، يبرز التساؤل حول مدى استقلال علاقاته ومواقفه خارج حدود الكيان الذي ينتمي إليه.

وتفتح شهادات الخرباوي عن طبيعة التكوين الداخلي والدوائر التنظيمية مجالًا لمناقشة هذه العلاقة، فالعضو يعيش داخل مجتمع متعدد الأفكار والانتماءات والمصالح، ويتعامل مع أشخاص قد تختلف رؤاهم ومواقفهم عن توجهات الجماعة.

ويظل التحدي الأساسي في هذه المرحلة مرتبطًا بقدرة الفرد على الاحتفاظ بمساحة مستقلة للحكم على الأحداث، والتعامل مع المختلفين معه، ومراجعة المواقف التي يتبناها التنظيم، دون أن يصبح الانتماء هو المحدد الوحيد لطريقة تفكيره أو علاقاته بالمحيط الاجتماعي.

منظومة مترابطة.. من تشكيل الانتماء إلى توجيه المواقف

تقدم المحاور السبعة التي تناولتها شهادات ثروت الخرباوي صورة مترابطة لأدوات التأثير داخل جماعة الإخوان الإرهابية؛ فالتنشئة الأولى تضع أساس الارتباط، ونظام الأسر يعزز حضور التنظيم في الحياة اليومية، بينما تسهم صناعة الهوية في ربط صورة الفرد بانتمائه، ويحدد تفاوت المعرفة حدود ما يطلع عليه العضو من معلومات وتفاصيل.

وتكتمل هذه المنظومة بالبيعة التي ترتبط بالولاء والالتزام الممتد، وثقافة السمع والطاعة التي تطرح تساؤلات حول استقلال التفكير وحدود الاعتراض، وصولًا إلى طبيعة علاقة الفرد بالمجتمع خارج التنظيم، ومن خلال ما أورده الخرباوي في «سر المعبد» و«قلب الإخوان»، تتضح أهمية هذه الأدوات في قراءة البناء الداخلي للجماعة وفهم طبيعة العلاقة التي تنشأ بين العضو والكيان، وما تثيره من قضايا تتعلق بالمعرفة والولاء وحرية الاختيار والتفكير المستقل.

صوت الأمة




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


الصفحة الرئيسية