
لم تعد الصفعة في منافسات الصفع المتبادل Power Slap مجرد وسيلة لإهانة الخصم أو التعبير عن الغضب، بل تحولت إلى منتج ترفيهي قائم على توجيه ضربات قوية ومباشرة إلى الوجه، بينما يقف المتلقي عاجزًا عن تفاديها أو صدّها. وبينما تجذب المنافسات المشاهدين بمقاطع الإغماء والسقوط والوجوه المتورمة، تتصاعد التحذيرات الطبية من مخاطر الارتجاج والنزيف الدماغي وكسور الفك والأضرار العصبية طويلة الأمد، وصولًا إلى احتمال الوفاة.
وتكمن المفارقة في أنّ هذه اللعبة لا تجعل تفادي الضربة هدفًا أساسيًا، كما يحدث في الرياضات القتالية التقليدية، بل تشترط على المتنافس الوقوف ثابتًا وتلقي الصفعة، مع معاقبة بعض الحركات الدفاعية باعتبارها مخالفات. وهكذا تتحول قدرة الإنسان على حماية رأسه ووجهه إلى عائق داخل المنافسة نفسها، في مقابل منح الأفضلية للضربات الأكثر تأثيرًا وردود الفعل التي تثير الجمهور.
باور سلاب دوري احترافي للمنافسة في توجيه الصفعات، أطلقه رئيس بطولة القتال النهائي UFC دانا وايت عام 2023، مستفيدًا من الانتشار الواسع لمقاطع هذا النوع من المنافسات على الإنترنت. وتقوم قواعده على تبادل المتنافسين الأدوار، بحيث يوجّه أحدهما صفعة بكف مفتوحة إلى وجه الآخر، ثم يتبادلان الأدوار وفق نظام الجولات.
وخلافًا للملاكمة والفنون القتالية المختلطة، لا يستطيع المتلقي التحرك بحرية لتجنب الضربة أو رفع يديه لصدها، بل يتعين عليه الثبات أثناء تلقيها. وتُقيّم المنافسة وفق فاعلية الضربة، إلى جانب رد فعل المتلقي وقدرته على التعافي والاستمرار.
وتسمح اللوائح بحظر بعض المخالفات، مثل ضرب الخصم بحركة جانبية غير قانونية أو توجيه الضربة خارج المنطقة المستهدفة، بينما تظل الضربات المباشرة إلى الوجه جوهر المنافسة.
وتُظهر مقاطع المباريات متنافسين يفقدون توازنهم أو يسقطون أرضًا عقب الصفعة، فيما يندفع الحكام وأفراد الطاقم الطبي لفحصهم. وفي بعض الحالات، يظهر المتلقي مشوشًا أو عاجزًا عن النهوض سريعًا، وهي علامات دفعت باحثين في طب الإصابات الرياضية إلى مراجعة تسجيلات المنافسات وتقييم مؤشرات الارتجاج المحتملة.
دراسة طبية تكشف مؤشرات مقلقة لإصابات الدماغ
في دراسة نُشرت في مجلة جاما سيرجري JAMA Surgery عام 2024، حلل باحثون تسجيلات 78 مواجهة للصفعات، شملت 56 متنافسًا و333 صفعة، بحثًا عن علامات مرئية تشير إلى احتمال حدوث ارتجاج في المخ.
وأظهرت النتائج أنّ 44 متنافسًا من أصل 56، أي 78.6%، ظهرت عليهم علامة مرئية واحدة على الأقل تتوافق مع مؤشرات الارتجاج. كما رصد الباحثون علامات مشتبه بها عقب 97 صفعة، بما يعادل 29.1% من الضربات التي خضعت للتحليل، وسجلوا 20 حالة تعرض فيها المتنافس لضربة أخرى بعدما ظهرت عليه بالفعل علامة ارتجاج محتملة.
وشملت العلامات الأكثر شيوعًا اضطراب التناسق الحركي، والتأخر في النهوض، والنظرات الشاردة أو الخالية من التركيز.
ولم تتوقف المخاوف عند هذه النتائج. ففي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة برين إنجري Brain Injury، راجع باحثون تسجيلات 164 مواجهة للصفعات، تضمنت 766 ضربة، وحددوا 231 حالة اشتباه في الارتجاج، بمتوسط 1.4 حالة لكل مواجهة. والأكثر إثارة للقلق أن الحكام قيّموا 223 من الحالات المشتبه بها، ومع ذلك استمرت المنافسة في 124 حالة منها، أي بنسبة 55.6%. ووثقت الدراسة أيضًا حالات استمرت فيها المواجهة رغم ظهور علامة واحدة أو علامتين على الأقل تتوافقان مع احتمال الإصابة بالارتجاج.
وفاة صادمة ترقى إلى القتل
في تشرين الأول (أكتوبر) 2021، تعرض البولندي أرتور فالشاك، أحد المشاركين في منافسات الصفعات في بولندا، لضربة أفقدته الوعي وتسببت في إصابته بنزيف دماغي. ونُقل إلى المستشفى، لكنه توفي بعد أسابيع متأثرًا بمضاعفات مرتبطة بالإصابة الدماغية. وأصبحت الواقعة واحدة من أبرز الحالات التي يستشهد بها معارضو هذا النوع من المنافسات عند التحذير من أنّ الضربة المفتوحة باليد ليست بالضرورة أقل خطورة من الضربات التي تستخدم فيها أدوات أو قفازات قتالية.
كسر الفك وجراحة متكررة وتلف دائم في الأعصاب
لا تقتصر الإصابات المحتملة على الدماغ، إذ يمكن أن تتسبب القوة الموجهة مباشرة إلى الوجه في كسور عظام الفك وإصابات الأسنان والأعصاب ومشكلات السمع.
وفي تقرير طبي نُشر عام 2025 في مجلة كيوريوس Cureus، وصف أطباء حالة رجل يبلغ 20 عامًا نُقل إلى قسم الطوارئ عقب مشاركته في منافسة صفعات غير مرخصة. وعانى المصاب ألمًا شديدًا وتورمًا في الوجه وصعوبة في فتح الفم، وأظهر التصوير المقطعي كسرًا في الفك السفلي.
وخضع الرجل لعملية جراحية لتثبيت الكسر، لكن مشكلات إطباق الأسنان استمرت، ما استدعى إجراء جراحة تصحيحية أخرى. وبعد شهرين من المتابعة، بقي يعاني فقدانًا للإحساس في مناطق يغذيها العصب الفكي السفلي على جانبي الوجه، ورجح الفريق الطبي أن يكون الضرر العصبي في الجانب الأيسر دائمًا.
وأشار الأطباء إلى أن إصابات الفك قد تنطوي أيضًا على مضاعفات أخطر، بينها تهديد مجرى التنفس في بعض حالات الكسور، إلى جانب مخاطر إصابات الأسنان والأذن والأعصاب.
ومن الحالات التي أثارت مخاوف بشأن الآثار العصبية للمنافسات، ما روته اللاعبة السابقة كورتني أولسون عن تعرضها لفقدان الوعي خلال فعالية استعراضية مرتبطة بباور سلاب. وقالت أولسون إنها فقدت الوعي، ثم استعادت قدرتها على الوقوف، قبل أن تفقد الوعي مجددًا، مشيرة إلى أنها لا تتذكر بعض ما حدث أثناء الواقعة، وأن اضطرابات الذاكرة استمرت لأشهر.
أزمة أخلاقية
تتجاوز الانتقادات الجانب الطبي إلى سؤال أخلاقي يتعلق بطبيعة المنافسة نفسها؛ هل يمكن اعتبار النشاط رياضة تنافسية مقبولة عندما يتعمد أحد طرفيه توجيه ضربة قوية إلى رأس منافسه، بينما يُطلب من الطرف الآخر ألا يتحرك لتفاديها؟
في الملاكمة والفنون القتالية المختلطة، يتعرض اللاعبون بدورهم لضربات خطيرة، لكنهم يمتلكون وسائل دفاعية وحركية لتقليل الضرر، وتقوم المنافسة على مزيج من الهجوم والدفاع والمهارة التكتيكية. أما في باور سلاب، فإنّ المتنافس مطالب باستقبال الضربة مباشرة، وقد يتحول تحركه الانعكاسي لحماية وجهه إلى مخالفة تؤثر في نتيجة المواجهة.
كما أنّ الإصابة المحتملة ليست نتيجة جانبية غير مقصودة فحسب، بل إنّ توجيه ضربة قوية إلى الوجه يمثل جوهر المنافسة، فيما تصبح ردود الفعل الناجمة عن الألم والصدمة جزءًا من المنافسة. كما أنّ نجاح المشهد الترفيهي يرتبط بالمقاطع الأكثر صدمة، بما فيها السقوط المفاجئ والتشوش وفقدان التوازن، وهو ما يفتح باب التساؤل حول استغلال معاناة المتنافسين لتحقيق المشاهدات والرعاية التجارية، في مقابل المخاطر التي يتحملونها.
من جهتها، لخّصت جمعية جراحة الأعصاب الأميركية ومؤتمر جراحي الأعصاب الأميركي موقفهما في بيان مشترك صدر في حزيران (يونيو) 2025، بإدانة مشاركة البالغين والأطفال في منافسات الصفعات، ودعوة السلطات إلى إعادة النظر في التوصيات التي تسمح بالترويج لها، بسبب خطر إصابات الدماغ الدائمة والمدمرة.
كما حذرت الجمعيتان من سهولة تقليد هذا النشاط لدى الأطفال، نظرًا إلى أنه لا يحتاج إلى معدات معقدة، وهو ما يجعل انتشاره عبر المقاطع القصيرة ومواقع التواصل مصدر قلق إضافيًا.
ويدافع منظمو باور سلاب عن المنافسات بالإشارة إلى الفحوص التي يخضع لها المتنافسون قبل المشاركة، والاستعانة بأطقم طبية ومسعفين خلال الفعاليات، ووجود قواعد تحدد موضع الضربة والحركات المخالفة.
وتشير المعلومات المنشورة عن قواعد المسابقة إلى اشتراط فحوص تشمل التصوير الطبي للدماغ وفحوصًا أساسية أخرى للمشاركين المرخصين، مع توفير حد أدنى من وسائل الحماية مثل واقيات الفم وحماية الأذن.
لكن منتقدي اللعبة يرون أن هذه التدابير لا تعالج المشكلة الأساسية؛ فتعريض الرأس لضربات متعمدة لا يستطيع المتلقي تجنبها، مع محدودية البيانات المنشورة بشأن الإصابات طويلة الأمد لدى المشاركين، كلها تثير المخاوف. كما أنّ وجود طبيب في موقع المنافسة لا يضمن وحده اكتشاف كل إصابة عصبية، ولا يمنع بالضرورة حدوث الضرر منذ لحظة الصدمة.
وفي شباط (فبراير) 2023، دعت جمعية إصابات الدماغ الأميركية لجنة نيفادا الرياضية إلى إنهاء منافسات الصفعات، محذرة من مخاطر الإصابة الدماغية الرضية، ومن الرسائل التي قد توحي بها المقاطع الترفيهية بشأن خطورة هذه الإصابات.
وتكمن المشكلة الكبرى في أن بعض الإصابات لا يمكن تقدير خطورتها من شكل السقوط أو قدرة المصاب على النهوض وحدهما. فقد يقف المتنافس مجددًا رغم تعرضه لإصابة دماغية، بينما يحتاج الكشف عن بعض مضاعفاتها إلى فحص طبي ومتابعة لاحقة.
في نهاية المطاف، تضع باور سلاب الرياضة والترفيه والأخلاق في مواجهة مباشرة؛ فكل صفعة قد تمنح صاحبها الفوز وتحقق للمسابقة ملايين المشاهدات، لكنها تحمل أيضًا احتمال إحداث ضرر لا يمكن عكسه. وهنا يصبح السؤال أكبر من مدى تحمل اللاعب للألم؛ إنه يتعلق بما إذا كانت صناعة الترفيه تستطيع تبرير تعريض الدماغ البشري لضربات متعمدة، ثم تحويل آثارها المرئية إلى مادة للتسلية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%88%D8%B1%D8%AA%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_0_3.jpg.webp?itok=L7rfYgOp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_16.jpg.webp?itok=fsYQqBqU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D8%BA%D9%84%D9%8A_4.jpg.webp?itok=UjZdLLZJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D9%88%D9%841.png.webp?itok=nwq8Wzqq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_14.jpeg.webp?itok=KAY4rmTp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_8.jpg.webp?itok=BHvtNmN2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86_3.jpg.webp?itok=KZZ588Io)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_3.jpg.webp?itok=6htzJ3Po)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B4%D8%A7%D9%84_4.jpg.webp?itok=dZftQp7U)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA_2.jpg.webp?itok=sHPL2DbK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_10.jpg.webp?itok=n1QF3bgu)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D9%88%D9%843.png.webp?itok=DQdyvsNz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D9%88%D9%842.png.webp?itok=qg4TXCst)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85.jpeg.webp?itok=ZrkL3mfV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_22.jpg.webp?itok=MSXkqIkV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84%200_3.jpg.webp?itok=3OqZRePk)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%88%D8%B2%D9%8A_2.png.webp?itok=zIM7ZHbc)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_3.jpg.webp?itok=nAqwYt3Q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_11.jpg.webp?itok=XKFZ_04A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_7.jpg.webp?itok=wRDX_4Wm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_21.jpg.webp?itok=7QoqemGI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D8%A7%D9%8A_0.jpg.webp?itok=SXMpXSdR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_19.jpg.webp?itok=tsPUuxGM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
