
لم تعد القارة الأسترالية بمعزل عن ارتدادات الصراع الغربي المتصاعد مع شبكات الإسلام السياسي؛ ففي الثامن عشر من أيلول (سبتمبر) عام 2026، انتقل الجدل حول جماعة الإخوان المسلمين إلى قلب الساحة السياسية في كانبيرا، إثر مطالبة حزب "الأسرة أوّلاً" (Family First) الحكومة الفيدرالية بحظر الجماعة رسمياً، وفتح تحقيقات استخباراتية موسعة في شبكاتها التمويلية ومنظماتها المدنية وأذرعها الإعلامية الناشطة داخل البلاد.
وجاءت المبادرة السياسية التي أعلنها لايل شيلتون، المدير الوطني للحزب والمرشح للمجلس التشريعي في ولاية نيو ساوث ويلز، لتدعو حكومة رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي إلى تكليف جهاز الاستخبارات الأمنية الأسترالي (ASIO) والجهات القضائية المختصة بفحص أنشطة الإخوان وتقييم مدى استيفائها المعايير القانونية اللازمة لتصنيفها جماعة محظورة.
واستند الحزب في مذكرته إلى الأطروحة التي قدمها المؤرخ البريطاني وعضو مجلس اللوردات، أندرو روبرتس، خلال العشاء السنوي لـ "مركز الدراسات المستقلة" في سيدني، التي حذر فيها من خطورة ترك شبكة الشركات والجمعيات الخيرية والمدارس التابعة للإخوان تعمل دون تدقيق، واصفاً إيّاها بالبنية الفكرية الحاضنة للتطرف ومعاداة السامية في الديمقراطيات الغربية.
التحول التشريعي... سابقة حظر "حزب التحرير" تفتح الباب
تكتسب هذه الدعوة زخماً استثنائياً بالنظر إلى التحولات الجذرية التي طرأت على المنظومة التشريعية الأسترالية؛ ففي كانون الثاني (يناير) عام 2026 أقر البرلمان حزمة قوانين جديدة استحدثت إطاراً قانونياً لتصنيف "الجماعات المحظورة بسبب الكراهية"، وهو الإطار الذي سمح بتجريم الانتماء، والتجنيد، والتمويل، والتدريب، والترويج لأيّ منظمة تسعى لتقويض التماسك المجتمعي وبث العداء.
وقد ترجمت الحكومة هذه الصلاحيات عملياً في مطلع آذار (مارس) من العام ذاته حين أدرجت رسمياً "حزب التحرير" على قوائم الحظر، معتبرة أنّ خطابه الراديكالي المنادي بإسقاط الدولة المدنية وإقامة الخلافة يشكل تهديداً للأمن القومي والسلم الأهلي. ومثّل ذلك الإجراء سابقة قضائية وأمنية فارقة أسقطت الحصانة التي لطالما تذرعت بها حركات الإسلام الحركي في الغرب بحجة "حرية التعبير"، ممّا مهّد الطريق لفتح ملف الإخوان المسلمين بوصفهم الحاضنة الإيديولوجية الأوسع لكافة تيارات الإسلام السياسي.
طبيعة الحضور الإخواني في القارة البعيدة... نفوذ مقنّع خلف الجاليات
على غرار تموضعها في أوروبا، لم تبنِ جماعة الإخوان في أستراليا فرعاً حزبياً يحمل اسمها الصريح، بل انتهجت استراتيجية "التغلغل الناعم" والتستر خلف لافتات المجتمع المدني؛ إذ ركزت منذ عقود على تشييد شبكة عنكبوتية معقدة في كبريات المدن، لا سيّما سيدني وملبورن، تضم جمعيات خيرية وإغاثية، ومجالس إسلامية محلية، وهيئات لمنح شهادات الحلال، ومدارس تعليمية خاصة، فضلاً عن مراكز شبابية وطلابية.
وتستغل هذه الشبكات المساحة الديمقراطية والتعددية الثقافية الأسترالية لاحتكار تمثيل الجاليات المسلمة والحديث باسمها أمام المؤسسات الرسمية، مع توجيه برامج التنشئة نحو عزل المسلمين في "غيتوهات" فكرية تحول دون اندماجهم الحقيقي في المجتمع الأسترالي. ولعبت بعض المؤسسات الإغاثية المرتبطة بالجماعة دوراً مريباً في جمع التبرعات وتمريرها عبر قنوات عابرة للحدود لصالح كيانات إقليمية، مستغلة غياب الرقابة المالية الصارمة على تدفقات المنظمات غير الحكومية خلال الفترات السابقة.
استنفار مضاد... لافتات الحريات ومظلومية "الإسلاموفوبيا"
أثارت تحركات حزب "الأسرة أوّلاً" ودعوات مراجعة الملف الإخواني حالة استنفار واسعة وغير مسبوقة في صفوف الكوادر والمؤسسات المحسوبة على التنظيم في عدة ولايات أسترالية؛ حيث رُصدت لقاءات مكثفة داخل عدد من المراكز والمساجد الكبرى لتنسيق خطة مواجهة مشتركة وإجهاض أيّ مسار رسمي قد يقود إلى الحظر.
ولجأت الماكينة الدعائية للجماعة إلى استدعاء ترسانتها الكلاسيكية من خطابات المظلومية؛ إذ سارعت المنصات الرقمية التابعة لها إلى إطلاق حملات منسقة تدّعي أنّ ملاحقة شبكاتها تمثل "استهدافاً للوجود الإسلامي برمته" و"اعتداءً على الحريات الدينية المكفولة بالدستور". ويعكس هذا التكتيك نزوعاً متأصلاً لدى الإخوان لابتزاز السلطات الغربية عبر دمج التنظيم الحركي بهوية الجالية المسلمة، وتصوير أيّ إجراء رقابي أو أمني مشروع ضد شبكات الإسلام السياسي بوصفه وجهاً من وجوه "الإسلاموفوبيا" والعنصرية الممنهجة، بهدف شلّ يد المشرع الأسترالي وتخويف النخب السياسية من اتخاذ قرارات حاسمة.
مسارات الحظر... بين الحذر الأمني وتعقيدات الإثبات
رغم تصاعد الضغط البرلماني والشعبي، فإنّ انتقال ملف الإخوان في أستراليا من دائرة السجال السياسي إلى الإجراءات العقابية الفعلية يواجه حزمة من التعقيدات القانونية والإجرائية؛ فجهاز الاستخبارات الأمنية الأسترالي ملزم بالاستناد إلى أدلة مادية دامغة تثبت تورط الكيانات المستهدفة في التحريض المباشر على العنف أو دعم أنشطة إرهابية، وهو ما تجيده الجماعة في التخفي عنه عبر الفصل الظاهري بين خطابها الموجه للداخل الأسترالي وأجندتها الحركية الحقيقية.
إلا أنّ المقاربة الأمنية الحديثة في الديمقراطيات الغربية باتت تدرك أنّ خطورة الإخوان لا تكمن في ممارسة العنف المسلح بأيديهم، بل في إشاعة التطرف غير العنيف، وزرع الانقسام المجتمعي، وتوفير الملاذات المالية واللوجستية للحركات الراديكالية؛ الأمر الذي يمنح الأجهزة الأسترالية مبررات كافية لتتبع مصادر التمويل الخارجي، وتفتيش المناهج التربوية في المدارس الإسلامية الخاصة، وفرض معايير شفافة وصارمة على تراخيص الجمعيات الخيرية.
نهاية مرحلة "الملاذ الهادئ" في أقصى الجنوب
تؤكد التطورات المتسارعة في كانبيرا أنّ أستراليا تودع تدريجياً مرحلة التسامح الساذج مع أذرع الإسلام الحركي؛ فالبلاد التي ظلت لسنوات طويلة بمثابة الملاذ الخلفي الهادئ لقيادات الإخوان وأموالهم بعيداً عن أعين الرقابة الأوروبية والأمريكية، تجد نفسها اليوم مدفوعة لمواكبة اليقظة الدولية تجاه هذا الاختراق الناعم.
وسواء أفضت هذه الدعوات الحزبية إلى إدراج فوري للتنظيم على قوائم الحظر، أو اكتفت بتشديد الخناق الرقابي والمالي على واجهاته، فإنّ النتيجة الجوهرية تتمثل في كسر جدار الصمت المحيط بنفوذ الجماعة في القارة؛ ممّا يؤسس لمرحلة جديدة تصبح فيها كل مؤسسة ومسجد وجمعية تابعة للإخوان خاضعة للتمحيص والمحاسبة تحت سقف سيادة القانون والدفاع عن هوية المجتمع الأسترالي وتماسكه المدني.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A.jpg.webp?itok=HVw9b6Sx)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_35.jpg.webp?itok=0F9uR4sA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_14.jpg.webp?itok=DuOi0h5s)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_1.jpeg.webp?itok=cK_ZrK4K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D8%AF%D9%88%D9%83_5_1_1_0.jpg.webp?itok=Bvcv0WWZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A_7.jpg.webp?itok=hx0OkFIn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1_1.jpg.webp?itok=wyB-p77t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_3.jpg.webp?itok=nXDaLee7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_36.jpg.webp?itok=EYrCzj58)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_5.jpg.webp?itok=mn-Cvwhm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B11_2.png.webp?itok=ad1NcYSs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_6.jpg.webp?itok=9rB8crnR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%860_1.jpg.webp?itok=-BlCfjCM)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1_0_1.jpg.webp?itok=EfTkqtIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%88%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=FeYSSO0T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B40.jpg.webp?itok=0wwydxPI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_1.jpg.webp?itok=xJV_iVmx)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%B5%D8%A7%D9%85.png.webp?itok=yvnstWJC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2_4.jpg.webp?itok=t1TsOP4-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A9_2.jpg.webp?itok=LGVwvYZl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B1%D8%B6%D8%A7%D9%88%D9%8A_15_0_0_4.jpg.webp?itok=6X3JWcbO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_4.jpg.webp?itok=hVI6UEOO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9_6.jpg.webp?itok=W3HmVWTo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)