حين تنطفئ النيران.. يبدأ تجديد الخطاب الديني

حين تنطفئ النيران.. يبدأ تجديد الخطاب الديني

حين تنطفئ النيران.. يبدأ تجديد الخطاب الديني


30/09/2026

حسين القاضي

من المهم أن نقرر بكل وضوح وصراحة حقيقة مهمة، وهى أن معركة مواجهة التطرف التى شابها وما زال يشوبها بعض التقصير، ليست من تجديد الخطاب الدينى على فرض نجاحنا الكامل فى هذا المواجهة، وفى القواعد الفقهية يقررون: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ويعبرون عن ذلك بأن الإنسان يغسل ملابسه ويزيل ما بها من بقع، ثم بعد ذلك يلجأ إلى كيها، ويقربون ذلك بمثال: لو أن شخصاً ألقى عليك حجراً وتفاحة، وليس لك إلا يد واحدة، فهل ستبعد بها الحجر أم تأخذ بها التفاحة؟

حين تشتعل النيران تكون الأولوية لإطفائها ومنع امتدادها، فإذا أُطفئت وأصبح المجتمع أكثر أمناً واستقراراً، بدأ الدور الأوسع للخطاب الدينى: بناء الوعى، وإعادة تقديم الدين بوصفه قوة للبناء والعمران وصناعة الإنسان.

ومن هنا فإن مواجهة الغلو والتشدد والتكفير ضرورة لحماية المجتمع، لكنها ليست هى الغاية النهائية من تجديد الخطاب الدينى؛ فالغاية الأوسع هى أن ينتقل الخطاب من إطفاء الحرائق إلى بناء الإنسان القادر على صناعة الخير والنفع والحضارة، وهذا يوضح لماذا لا ينبغى اختزال مشروع تجديد الخطاب الدينى فى مواجهة جماعة أو فكرة متطرفة، وإنما ينبغى أن يمتد إلى بناء رؤية دينية متكاملة تخاطب الإنسان فى فكره ووجدانه وسلوكه ودوره فى المجتمع.

إن وزارة الأوقاف فى عهد وزيرها الحالى الدكتور أسامة الأزهرى، أعلنت فى يوليو 2024م، أن استراتيجيتها لتجديد الخطاب الدينى تقوم على أربعة محاور:

المحور الأول: التصدى للتطرف الدِّينى، كالغلو والتزمت والتشدد والتبديع والتكفير.

المحور الثانى: مواجهة التطرف اللادينى، وهو قسمان: قسم فكرى، كالإلحاد، وقسم سلوكى، كالإدمان والانتحار والتحرش والرشوة والتدخين والغش ومنع المرأة من الميراث.

المحور الثالث: بناء الإنسان، ليكون قوياً شغوفاً بالعلم والعمران والنهضة، يقدم الخير والنفع للناس جميعاً.

فالتصدى للتطرف الدينى، بما يشمله من الغلو والتزمت والتشدد والتبديع والتكفير يأتى ضمن مرحلة إطفاء النيران التى تسبق كل شىء.

ثم مواجهة التطرف اللادينى، وهو لا يقتصر على الإلحاد بوصفه صورة من صور التطرف الفكرى، وإنما يمتد إلى صور من الانحراف السلوكى التى تضر بالإنسان والمجتمع، مثل الإدمان والانتحار والتحرش والرشوة والتدخين والغش ومنع المرأة من حقها فى الميراث، فالتجديد هنا لا ينشغل بنوع واحد من المشكلات، وإنما يتعامل مع كل ما يهدد الإنسان فى فكره أو سلوكه أو كرامته.

ثم بناء الإنسان، وهو المحور الثالث، فالغاية ليست فقط أن نمنع الخطأ، وإنما أن نبنى إنساناً قوياً، شغوفاً بالعلم، محباً للعمل والعمران والنهضة، وقادراً على تقديم الخير والنفع للناس جميعاً، فالدين حين يبنى الإنسان يزرع فيه المسئولية والإتقان، ويجعله عنصراً فاعلاً فى مجتمعه.

ويكتمل هذا المسار بالمحور الرابع، وهو صناعة الحضارة ودفع مسيرة التقدم؛ إذ لا ينبغى أن ينتهى الخطاب الدينى عند معالجة المشكلات، وإنما عليه أن يشارك فى صناعة المستقبل، وتحفيز الإنسان على العلم والعمل والإبداع والعمران، (العمران ثلث الدين)، وبهذا يصبح تجديد الخطاب الدينى مشروعاً يتجاوز مجرد تجديد العبارات، إلى تجديد الوعى، وبناء الإنسان، والإسهام فى صناعة الحضارة، وهذا أمر لا يمكن أن تقوم به مؤسسة منفردة، وإنما يحتاج جهوداً جبارة يتعاون فيها الجميع.

الوطن




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية