
رنا أمين
لم تعد أدوات التضليل في عصر السوشيال ميديا تقتصر على خبر كاذب أو صورة مفبركة، فكل ما يظهر أمام المستخدم يمكن أن يتحول إلى وسيلة لصناعة رواية معينة، من فيديو قصير إلى عنوان مثير، ومن صورة قديمة إلى تعليق مضلل، ومن تصريح مبتور إلى قصة يتم تداولها وكأنها حقيقة مكتملة، وتستغل جماعة اهل الشرهذا الفضاء الرقمي في نشر محتوى يستهدف التأثير على الجمهور، مستفيدة من سرعة انتشار منصات التواصل الاجتماعي وقدرتها على نقل أي مقطع أو منشور إلى أعداد كبيرة من المستخدمين خلال دقائق، دون أن يملك كل من يشاهده الوقت أو الرغبة في البحث عن أصل القصة أو التأكد من تفاصيلها.
كل شيء يمكن أن يتحول إلى أداة للتأثير
تبدأ الحكاية أحيانًا من فيديو حقيقي، لكن إعادة تقديمه بطريقة مختلفة قد تمنحه معنى آخر، وقد تكون الصورة حقيقية، لكن استخدامها مع واقعة لا علاقة لها بها يصنع قصة مضللة، وقد يكون التصريح قد قيل بالفعل، لكن حذف ما سبقه وما تلاه يجعل المتلقي يفهمه في اتجاه مختلف، وهنا تكمن خطورة الأمر، لأن التضليل لا يحتاج دائمًا إلى اختراع مادة من الصفر، بل يمكن أن يبدأ من معلومة حقيقية ثم يعاد ترتيبها، أو من صورة قديمة يعاد تقديمها باعتبارها جديدة، أو من قصة يتم تداولها بكثافة حتى تبدو وكأنها حقيقة لمجرد أن الجميع يتحدث عنها، وتتحول صفحات التواصل إلى حلقة لإعادة تدوير هذه المواد، فينتقل المحتوى من حساب إلى آخر، ومن صفحة إلى أخرى، ويعاد نشره بعناوين مختلفة، حتى يجد المستخدم نفسه أمام المقطع نفسه أكثر من مرة، فيعتقد أن كثرة ظهوره دليل على صحته، بينما الانتشار لا يساوي الحقيقة.
القنوات والمنصات.. ثم السوشيال ميديا
لا يتوقف الأمر عند المحتوى الذي يظهر مباشرة على مواقع التواصل، بل تمتد الدائرة إلى المقاطع التي يتم اقتطاعها من القنوات والمنصات الإعلامية وإعادة نشرها عبر الحسابات والصفحات، بحيث يصبح الفيديو القصير هو الرسالة الأساسية، بينما يختفي السياق الكامل الذي قيلت فيه المعلومة، وقد يتحول برنامج كامل إلى ثوانٍ معدودة، وحوار طويل إلى جملة واحدة، وتصريح له تفاصيل متعددة إلى عنوان مختصر ومثير، ثم يبدأ تداول المقطع باعتباره دليلًا على رواية معينة، رغم أن المشاهد لم يرَ المادة الأصلية كاملة، ومع كثرة إعادة النشر، قد ينسى المستخدم أصل الفيديو، ويتعامل مع النسخة المنتشرة أمامه باعتبارها المصدر، رغم أن ما شاهده لم يكن سوى جزء صغير من القصة.
التأليف لا يقل خطورة عن التضليل
الأخطر أن مساحة السوشيال ميديا تسمح بتأليف روايات كاملة من مجموعة مواد متفرقة؛ صورة هنا، وفيديو هناك، وتعليق يحمل ادعاءً، ثم يأتي عنوان يجمع كل ذلك في قصة واحدة تبدو متماسكة.
ولا يعني تماسك القصة أنها صحيحة، فالمحتوى المصمم بعناية قد يكون أكثر قدرة على التأثير من الخبر الكاذب الواضح، لأنه يمنح المستخدم تفاصيل كثيرة تجعله يشعر بأنه أمام معلومات حقيقية، بينما قد تكون هذه التفاصيل قد جرى تركيبها بطريقة تخدم الرسالة المراد توصيلها، ولهذا يجب ألا يسمح المواطن لعناوين المنشورات أو الفيديوهات المثيرة بأن تدفعه إلى تكوين موقف سريع، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأخبار تمس الدولة أو الاقتصاد أو الأمن أو الخدمات أو حياة المواطنين.
لا تجعل السوشيال ميديا مصدرك الوحيد
وهنا تأتي المسؤولية الأهم على المواطن نفسه، فالتعامل الواعي مع مواقع التواصل لا يعني الابتعاد عنها، وإنما يعني عدم اعتبارها المصدر الوحيد للحصول على المعلومات، عندما يرى المواطن خبرًا مهمًا أو فيديو يثير القلق أو منشورًا يحمل ادعاءً خطيرًا، عليه أن يبحث عن المعلومة من الموقع الرسمي للجهة المختصة بالخبر، فإذا كان الأمر متعلقًا بوزارة أو هيئة أو مؤسسة رسمية، فالأصل أن يبحث عن بيانها أو صفحتها الرسمية، وإذا كان الخبر يتعلق بواقعة أو قرار أو خدمة معينة، فعليه الرجوع إلى الجهة المسؤولة عنها بدلًا من الاكتفاء بما تنقله الصفحات والحسابات، فالمصدر الرسمي لا يلغي الحاجة إلى التفكير والتحقق، لكنه يمنح المواطن نقطة بداية أكثر دقة لمعرفة ما حدث بالفعل، بعيدًا عن القصص التي قد تكون جرى تركيبها على مواقع التواصل.
اسأل أولًا: من قال هذا؟، فقبل تصديق أي معلومة، يجب أن يكون السؤال الأول: من صاحب المعلومة؟ ومن أين جاءت؟
فإذا كان الفيديو يتحدث عن قرار رسمي، فابحث عن القرار من الجهة التي أصدرته، وإذا كان المنشور يتحدث عن أزمة أو خدمة أو واقعة، فابحث عن بيان الجهة المختصة، وإذا كان الفيديو ينقل تصريحًا، فحاول الوصول إلى التصريح كاملًا بدلًا من الاكتفاء بالثواني التي اختارها ناشر المقطع، كما يجب الانتباه إلى تاريخ الصورة أو الفيديو، لأن إعادة استخدام محتوى قديم باعتباره حدثًا جديدًا واحدة من الطرق التي يمكن أن تغير فهم الجمهور للواقعة.
لا تصدق كل ما تشاهده
لا يحتاج المواطن إلى أن يخاف من كل فيديو يراه، ولا إلى أن يتعامل مع الإنترنت باعتباره مساحة مليئة بالأكاذيب، لكن المطلوب هو أن يفصل بين المشاهدة والتصديق، يمكنك أن تشاهد الفيديو، لكن لا تشاركه قبل أن تعرف مصدره، ويمكنك أن تقرأ المنشور، لكن لا تعتبره حقيقة قبل أن تبحث عن المعلومة من الجهة المختصة. ويمكنك أن تسمع رواية معينة، لكن اترك لنفسك فرصة لمعرفة الصورة الكاملة قبل أن تكون موقفك، فالمشكلة لا تبدأ عندما يصل المحتوى إلى هاتفك، وإنما عندما تنتقل المعلومة من شاشة الهاتف إلى عقلك باعتبارها حقيقة دون أن تمر على بوابة التحقق.
الوعي أقوى من أي حملة تضليل
تستطيع أي جماعة أو صفحة أو حساب أن يعيد نشر مقطع عشرات المرات، لكن انتشار الفيديو لا يحوله إلى حقيقة، وكثرة التعليقات لا تعني أن الرواية المطروحة صحيحة، وارتفاع المشاهدات لا يمثل وحده دليلًا على أن الجمهور اقتنع بما شاهده، ويبقى وعي المواطن هو خط الدفاع الأول، وكلما اعتاد أن يبحث عن الحقيقة من المصادر الرسمية والجهات المختصة، ويشاهد المحتوى في سياقه الكامل، ويفكر قبل المشاركة، أصبح من الصعب أن يتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة إعادة نشر معلومات مضللة.
قبل «شير».. ابحث عن الحقيقة
تستغرق مشاركة المنشورات في ثوانٍ، لكن تصحيح معلومة خاطئة بعد انتشارها قد يحتاج إلى وقت طويل، وقد تصل المعلومة الكاذبة إلى أشخاص أكثر بكثير ممن وصلتهم الحقيقة بعد ذلك، لذلك، فإن أبسط خطوة يستطيع المواطن القيام بها هي أن يتوقف لحظة قبل الضغط على «شير»، ويبحث عن أصل المعلومة، ويراجع الموقع الرسمي للجهة المعنية، ويتأكد من تاريخ الصورة أو الفيديو، ولا يعتمد على عنوان المنشور وحده، فالسوشيال ميديا ليست جهة رسمية لإصدار الحقائق، وإنما مساحة يتداول فيها الناس المحتوى بمختلف أشكاله، وبين الحقيقة والرواية المصنوعة، يظل الفارق الحقيقي هو التحقق.
وفي النهاية، لا يحتاج التضليل دائمًا إلى اختراع واقع جديد؛ أحيانًا يكفي أن يأخذ جزءًا من الحقيقة، ويضعه في سياق مختلف، ثم يترك السوشيال ميديا تقوم بالباقي، ولهذا، لا تجعل الفيديو هو من يحدد لك ما تصدقه، ولا تجعل المنشور هو من يصنع لك الحقيقة، فقط ابحث بنفسك عن المصدر، وارجع إلى المواقع الرسمية والجهات المختصة، واقرأ القصة كاملة قبل أن تصدق أو تشارك، لأن ما يظهر أمامك على الشاشة قد يكون جزءًا من الحقيقة وليس الحقيقة كلها.
اليوم السابع

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_13.jpg.webp?itok=F7crQRMb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_5.jpg.webp?itok=fQ7K9UFg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_4.jpg.webp?itok=2RRiRBF7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A74_0_1_1.jpg.webp?itok=KCqrLm1I)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_36_2.jpg.webp?itok=xF6fvhqn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_11.jpg.webp?itok=UtDk0GlP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84_6.jpg.webp?itok=eSfdrlGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A70_0.jpg.webp?itok=pVX3ecu_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B4%D9%8A%D9%83_0.jpg.webp?itok=QyIoPlYz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A7_1_0_0_0.jpg.webp?itok=5mo65lfc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_46.jpg.webp?itok=GedD_6a2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_86.jpg.webp?itok=_c0O7obq)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%88%D9%83%D9%88_7.jpg.webp?itok=DHjHljD0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A9_2.jpg.webp?itok=LGVwvYZl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B1%D8%B6%D8%A7%D9%88%D9%8A_15_0_0_4.jpg.webp?itok=6X3JWcbO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D9%86%D8%AF.png.webp?itok=pxUkFuXY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_29.jpg.webp?itok=8UXP-Yn-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2_4.jpg.webp?itok=t1TsOP4-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%B5%D8%A7%D9%85.png.webp?itok=yvnstWJC)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9_6.jpg.webp?itok=W3HmVWTo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_4.jpg.webp?itok=hVI6UEOO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%AA%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=Kmx-TQ6p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0_1.jpg.webp?itok=lu1dAWax)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)