نيران صديقة... الإعلام المصري والمواجهة مع الإخوان

نيران صديقة... الإعلام المصري والمواجهة مع الإخوان

نيران صديقة... الإعلام المصري والمواجهة مع الإخوان


21/09/2026

لم يتوقف الإعلام المصري، بمكوناته المختلفة سواء الرسمي منه أو غير الرسمي، عن تناول القضايا والأحداث المتعلقة بجماعات الإسلام السياسي، وخاصة جماعة الإخوان، وذلك منذ سقوطها من الحكم في العام 2013م، ولا شك أنّ قضية الإسلام السياسي من القضايا المهمة في المجتمع المصري، نظرًا لتأثيرها الكبير فكريًا وسياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، لكنّ الأزمة تتمثل في طريقة التناول لقضية شائكة مثل هذه، حيث ربما يؤدي التناول بطريقة خاطئة إلى نتائج عكسية تزيد من التعاطف الشعبي مع الجماعة وتمهد الأرض لعودتها مرة أخرى بدلًا من أن تسهم في ارتفاع درجة الوعي بعيوبها ومخاطرها.

مرتكزات الخطاب الإعلامي

يركز الخطاب الإعلامي المصري، في غالبيته، على بعض القضايا في إطار مواجهة جماعة الإخوان وباقي التنظيمات والتيارات الدينية التي تتخذ مساراتها ومواقفها نفسها؛ فخلال السنوات الماضية منذ 2013م حتى الآن، يتركز هذا الخطاب حول أمرين رئيسين؛ الأوّل ممارسة الجماعة للعنف، والثاني تجربة الجماعة في الحكم وأسلوب أدائها السياسي والاقتصادي وما نتج عنه من أزمات.

وفيما يتعلق بالأمر الأوّل الخاص بممارسة الجماعة للعنف بعد 2013م، فإنّ هذه السردية تواجه مشكلة لدى شريحة من الجمهور لا يستطيع الإعلام إقناعهم بها ومن ثم تؤدي إلى مزيد من التعاطف مع الجماعة؛ ومن أسباب عدم الاقتناع أنّ الإعلام في نظر البعض يُعبّر عن السلطة، ومن ثم تتراجع معدلات الثقة فيه وفي كل ما يطرحه من معلومات وتحليلات، وربما هذا يعود في جزء منه إلى فكرة راسخة منذ عقود لدى الجمهور، وفي جزء منه إلى غياب الحرية الإعلامية خاصة في ظل الصراع الدائر منذ 2013م وما تتعرض له الدول من مخاطر وتهديدات داخلية وخارجية، والسبب الآخر يتمثل في قدرة الجماعة على ترسيخ صورة ذهنية عن نفسها بأنّها تمثل الدين وتنتج العمل السياسي والدعوي لتحقيق أهدافها، كما أنّها تنفي عن نفسها دومًا أنّها مارست العنف في أيّ مرحلة من تاريخها، حيث تتسم الجماعة بقدرتها على المراوغة وإظهار صورة لا تُعبّر بالضرورة عن حقيقتها.

وفيما يتعلق بالأمر الثاني الخاص بتركيز الإعلام على تجربة الحكم وأداء الجماعة السياسي والأزمات الاقتصادية الناتجة عنه، فإنّ هذا الأمر من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى إحداث نتيجة عكسية؛ حيث يركز الإعلام على بعض الأزمات التي واجهها المجتمع المصري خلال عام حكم الإخوان مثل ارتفاع الأسعار ونقص البنزين ونقصان بعض السلع وانقاطاع الكهرباء وغيرها، وهذه الأزمات على الرغم من وقوعها بالفعل وتسببها في إحداث حالة من السخط الشعبي تجاه الجماعة خاصة بعد وعودها الكثيرة بإحداث إصلاحات وتقديم حل لأزمات المجتمع وتحقيق نهضة شاملة، بصورة بدت كأنّ الجماعة سوف تنقل مصر إلى مكانة متقدمة في فترة وجيزة، وهو ما لم يحدث لأسباب مختلفة أهمها افتقاد الجماعة ذاتها للإمكانات اللازمة لتحقيق ذلك، لكن على الجانب الآخر يؤدي هذا التناول إلى مقارنة فورية وسريعة بين عام حكم الإخوان وما بعده حتى اللحظة الحالية، التي ازدادت خلالها الأزمات الاقتصادية بشكل كبير، ممّا يجعل هذا التناول يصبّ في صالح الجماعة، حيث يرى البعض أنّه إذا كان السبب في إزاحة الإخوان عن الحكم هو سوء الإدارة للدولة، فإنّ هذا السبب قائم الآن كذلك، كما أنّ هذا التناول يعطي الفرصة للجماعة بتوظيفه لصالحها، حيث تطرح نفسها كبديل للنظام الحاكم مرة أخرى، وتقدم رؤية لإدارة الدولة وبرنامج لحل أزماتها ومشكلاتها كما فعلت من خلال ما أطلقت عليه "المؤتمر الوطني الأول" الذي عقدته في هولندا خلال الشهر الجاري.

غياب الجانب الفكري

في ظل هذا التركيز على هذين العنصرين يغيب الجانب الفكري بشكل كبير عن التناول الإعلامي لجماعة الإخوان وحلفائها، على الرغم من أنّ هذا الجانب هو الأهم في المسألة، وهو الذي يمثل العامل الحاسم في المواجهة مع الجماعة وتحصين المجتمع من أن يكون هو الرافد الذي يمدها بالعناصر التي تساعدها على البقاء والاستمرار.

يمثل مشروع الجماعة السياسي ومنطلقاته الفكرية الناتج عنها المعضلة الرئيسية لديها، التي ينتج عنها كل الأزمات والصراعات التي تدخل فيها، وكل الممارسات السلبية والأخطاء التي تقع فيها الجماعة، فالجماعة تنطلق من فكرة ثورية رافضة للمجتمع بكل ما فيه حيث تراه مخالفًا للنموذج الإسلامي الراسخ في مخيلتها، ومن ثم تسعى إلى إيجاد نموذج بديل يتمثل في دولة كبرى متجاوزة لحدود الدولة الوطنية التي تراها مجرد حلقة في سلسلة تمثل تلك الدولة؛ من هنا تأتي خطورة هذا المشروع وخطورة الجماعة الذي تتبناه حيث يمثل تهديدًا لهوية الدولة وحدودها، فهذا الهدف يجعل من مفهوم الوطن مفهومًا ثانويًا في عقل الجماعة، من الممكن في سياق ما أن تعمل ضد مصلحته المباشرة وأن تعقد التحالفات الخارجية والصفقات لخدمة أهداف ومصالح أخرى ترى أنّها تصبّ في مصلحة الدولة الكبرى المنشودة، وبالتالي يوجد خطر وتهديد مباشر من وجود تنظيمات تحمل هذه الأفكار وهذا المشروع على رأس السلطة.

الأمر الآخر هو أنّ طبيعة الشخصية التي تصنعها الجماعة من خلال مناهجها ووسائلها التربوية تسهم في إنتاج أفراد يتمتعون بسمات سلبية عديدة، أبرزها افتقادهم للقدرة على الحركة الذاتية والتفكير النقدي بسبب تنشئتهم على السمع والطاع والثقة المطلقة، ممّا يفقدهم الإرادة والقدرة على التفكير وإعمال العقل ويجعل منهم قطيعًا يمكن تحريكه في أيّ اتجاه، كما أنّ الجماعة تنتج نمطًا من التدين به العديد من السلبيات يسهم في إصابة الدين بالجمود والعجز عن مواكبة تطورات الحياة، ويجعل من التدين أداة للسيطرة والرقابة والتدخل في شؤون الآخرين، وهو ما ينتج عنه العديد من الظواهر والسلوكيات السلبية في المجتمع.

هذا الجانب الفكري هو العامل المهم في المواجهة، حيث الجوانب الأخرى السياسية والاقتصادية يمكن للجماعة الرد عليها والمجادلة في أنّها أخفقت لأسباب خارجة عن إرادتها، وأنّ الأوضاع في فترة حكمها كانت أفضل من الوقت الحالي، وهي في النهاية جوانب متغيرة وخاضعة للتجربة والإنجاز والإخفاق، والتركيز عليها من جانب الإعلام وإهمال الجانب الفكري يمثل نيرانًا صديقة يضر بها الإعلام الدولة أكثر ممّا يفيد، لكنّ العيوب الفكرية وآثارها وخطورة المشروع الفكري للجماعة على الدولة ينبغي أن يكون هو المرتكز الأساسي الذي يقوم عليه التناول الإعلامي في إطار المواجهة مع الإخوان، والتأكيد على أنّه هو السبب الرئيس في رفض تنظيم الإخوان وكلّ التنظيمات المشابهة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية