
الحبيب الأسود
أثار موقف رئيس دار الإفتاء التابعة لحكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها في ليبيا، الصادق الغرياني، جدلاً واسعاً داخل البلاد وخارجها، وفسح المجال أمام سجال حاد بشأن مواقف سلطات طرابلس من القضايا المحلية والإقليمية والدولية المتصلة سياسياً وعقائدياً بالمفتي العام المعزول من قبل مجلس النواب منذ العام 2014، والذي يواصل تولي مهامه بدعم مباشر من حكومة الوحدة والميليشيات الموالية لها.
وخلال ظهوره هذا الأسبوع على قناة «التناصح»، دعا الغرياني المسلمين إلى دعم سيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب، زاعماً أن ذلك سيزيد الضغط على واشنطن وإسرائيل، معتبراً أن العمليات التي تقودها السعودية ضد الحوثيين لا تستهدف دعم السلطة الشرعية، وإنما تُنفذ، بحسب قوله، بالوكالة عن الولايات المتحدة.
وقال الغرياني إن واشنطن تواجه مأزقاً في مضيق هرمز، وإنها تخشى وصول الحوثيين إلى باب المندب.
وفي تحليله للموقف، قال الغرياني إن سيطرة الحوثيين على باب المندب ستضع الولايات المتحدة تحت ضغط لا تستطيع تحمله، وتكشف ما وصفه بزيف حديثها عن النصر. وهو ما دفعه إلى دعوة المسلمين إلى دعم سيطرة الحوثيين على المضيق «من باب تقاطع المصالح»، معتبراً أن ذلك يخدم الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، ويزيد الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل.
ووصف الغرياني وقوف المسلمين متفرجين على ما يجري في فلسطين بأنه خذلان، وادعى أن علماء أحجموا عن التصريح بموقف مؤيد للحوثيين خشية الهجوم عليهم. وقال إنه يتحدث عن الموقف الراهن، لا عن تاريخ الحوثيين في اليمن، وإن الحوثيين يقفون اليوم إلى جانب الفلسطينيين، وفق تقديره.
وبحسب مراقبين، فإن تصريح الغرياني يعد امتداداً لمواقفه العدائية تجاه المملكة العربية السعودية، التي طالما عبّر عنها منذ سنوات، بما في ذلك ما ورد على لسانه من تحريض للرأي العام العربي والإسلامي ضد الرياض، وفتاوى بمقاطعة مناسك الحج والعمرة، قال فيها إن أموالها تذهب إلى خزينة المملكة وتُستخدم في غير وجه حق، داعياً إلى توجيه تلك الأموال لدعم ما وصفها بفصائل المقاومة بدلاً من ذلك.
وفي العام 2019، دعا الغرياني المسلمين إلى مقاطعة الحج، وذهب بعيداً عندما قال إن أي شخص يؤدي الحج مرة ثانية «يرتكب إثماً وليس عملاً صالحاً»، زاعماً أن دعم الاقتصاد السعودي من خلال الحج يساعد على زيادة صفقات شراء السلاح والهجمات المباشرة على اليمن، وبطريقة غير مباشرة على السودان وليبيا وسوريا وتونس والجزائر. وقال الغرياني إن الاستثمار في الحج «يساعد حكام السعودية على ارتكاب جرائم ضد إخواننا المسلمين»، وفق زعمه.
ويرى مراقبون أن صمت سلطات طرابلس على فتاوى ومواقف الغرياني يعني، في نظرهم، قبولها بما يطرحه وتبني ما ورد فيها من مواقف معادية لدولة عربية كبرى، لم يثبت، بحسب هذا الطرح، أنها أساءت إلى ليبيا أو تآمرت عليها أو طمعت في مقدراتها.
ومنذ سقوط نظام القذافي، أبدى الغرياني دعمه لجماعات متشددة في ليبيا ومختلف دول المنطقة، بما في ذلك مجالس شورى المجاهدين وجماعة أنصار الشريعة في درنة وبنغازي وسرت، واختار أن يكون صوتاً دينياً لتيارات الإسلام السياسي.
وينظر الغرياني بعين العداء إلى التيار السلفي المعروف بالتيار المدخلي، الذي يمتلك حضوراً واسعاً في الشارع الليبي، ويسيطر على مفاصل الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية في ليبيا في طرابلس، وفي المنطقة الشرقية، حيث يعد هذا التيار نصيراً للقيادة العامة للقوات المسلحة، ومشاركاً في عملية الكرامة التي أطلقها المشير خليفة حفتر في ربيع 2014 في مواجهة الجماعات المسلحة والمتشددة.
وبحسب مراقبين، فإن دعم الغرياني للحوثيين يمثل امتداداً لمواقفه السابقة من الجماعات المتشددة، وتعبيراً، وفق قراءتهم، عن انتمائه الفكري إلى التيار السروري، الذي ارتبط بظاهرة الصحوة منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، من خلال الجمع بين بعض المرجعيات السلفية والحركية الإخوانية، ولا سيما الأفكار المرتبطة بسيد قطب.
كما أن مساندة الغرياني للحوثيين، بحسب منتقديه، لا تنطلق من إيمان بمشروع الجماعة بقدر ما تعكس موقفه الرافض لسياسات الرياض، معتبرين أنه يتعامل مع إيران وأذرعها في المنطقة من زاوية الخصومة مع المملكة وحلفائها.
ولم تمر التصريحات دون رد. فقد انتقدت وزارة الأوقاف والإرشاد اليمنية موقف الغرياني، وقالت إن توصيفه للحرب في اليمن يتجاهل، من وجهة نظرها، طبيعة الصراع الداخلي وتاريخ سيطرة الحوثيين على مؤسسات الدولة. ودعت الوزارة إلى التثبت من واقع اليمن والرجوع إلى علمائه قبل إصدار أحكام تتصل بحرب معقدة ودماء وأمن ومقدسات.
واعتبرت الوزارة أن اختزال القضية اليمنية في المواجهة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة يتجاهل آثار الحرب داخل اليمن، بينما شددت على أن الحوثيين يمثلون، بحسب موقف الحكومة اليمنية، جزءاً من مشروع إيراني إقليمي، ويشكلون تهديداً للملاحة وللدول المجاورة. وهذه توصيفات تعكس موقف الحكومة اليمنية وحلفائها، في مقابل رؤية الغرياني التي تنظر إلى الحوثيين أساساً من زاوية مواجهتهم لإسرائيل والولايات المتحدة.
وانضم نائب رئيس هيئة علماء اليمن، محمد بن موسى العامري، إلى الانتقادات، معتبراً أن «أمانة العلم» لا تسمح بقراءة مأساة اليمن من زاوية سياسية واحدة. وقال إن النظر إلى الحوثيين من خلال تحركاتهم في البحر الأحمر ومواقفهم من الحرب في غزة لا ينبغي أن يحجب، بحسب رأيه، طبيعة الصراع الداخلي اليمني وعلاقة الجماعة بمشروعها السياسي والإقليمي.
ويطرح هذا السجال سؤالاً أوسع من الخلاف حول الحوثيين: أين تنتهي الفتوى ويبدأ الموقف السياسي؟ فالغرياني لم يكتف بتوصيف الحرب، وإنما بنى موقفه على حسابات تتعلق بالمصالح والضغط على واشنطن وإسرائيل، وهو ما دفع منتقديه إلى القول إن المسألة تحولت من اجتهاد ديني إلى قراءة سياسية لصراع إقليمي شديد التعقيد.
وفي ليبيا، دخلت اللجنة العليا للإفتاء التابعة للحكومة المنبثقة عن مجلس النواب على خط السجال، مستنكرة تصريحات الغرياني بشأن الحوثيين، ومؤكدة رفضها لأي موقف يمكن أن يُفهم منه تأييد الاعتداء على الحرم. كما أعادت التذكير بأن الغرياني عُزل من منصب المفتي عام 2014 بموجب القانون رقم 8، وأن اللجنة تعتبر نفسها الجهة المخولة بالإفتاء في الدولة الليبية.
وتكشف هذه المواجهة مجدداً عن الانقسام الليبي حول المرجعية الدينية، وهو انقسام يتقاطع مع الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعيشه البلاد. فالغرياني، الذي واصل الظهور والتأثير من طرابلس رغم عزله من مجلس النواب، يمثل منذ سنوات أحد الأصوات الدينية الأكثر حضوراً في المشهد السياسي للمنطقة الغربية، بينما تنظر إليه مؤسسات دينية وسياسية في الشرق باعتباره جزءاً من منظومة دينية وسياسية مختلفة.
كما أن مواقفه السابقة من السعودية تضيف بعداً آخر إلى الجدل الحالي. ففي عام 2019 دعا الغرياني إلى مقاطعة الحج، وربط الإنفاق المرتبط به بسياسات السعودية الإقليمية، وهي مواقف أثارت في حينها انتقادات واسعة. ويستحضر خصومه هذا السجل للقول إن موقفه الحالي من الحوثيين لا يمكن فصله عن خصومة سياسية قديمة مع الرياض.
لكن ربط الموقف الحالي حصراً بهذه الخلفية يبقى قراءة سياسية تحتاج إلى إثبات، خصوصاً أن الغرياني يقدم حجته الحالية باعتبارها قائمة على ما يراه «تقاطعاً في المصالح» بسبب موقف الحوثيين من إسرائيل والولايات المتحدة.
في المقابل، تكشف الردود اليمنية والليبية أن تصريحات الغرياني تجاوزت حدود الجدل المحلي. فقد دخلت وزارة الأوقاف اليمنية وهيئة علماء اليمن واللجنة العليا للإفتاء في ليبيا على خط القضية، ما يحول موقفاً صدر من منبر إعلامي في طرابلس إلى جزء من سجال ديني وسياسي عابر للحدود.
وتبقى النقطة الأكثر حساسية في هذا الجدل هي باب المندب نفسه. فالدعوة إلى تمكين جماعة مسلحة من السيطرة على مضيق استراتيجي لا تتعلق فقط بالخلاف حول الحرب اليمنية، وإنما بأمن الملاحة والتوازنات الإقليمية. ولهذا فإن موقف الغرياني وضعه في مواجهة مباشرة مع مؤسسات دينية يمنية وليبية ترى أن القضية لا يمكن اختزالها في مواجهة الحوثيين لإسرائيل والولايات المتحدة.
وفي المحصلة، أعادت تصريحات الغرياني فتح ملف قديم في ليبيا: استخدام المرجعية الدينية في قراءة الصراعات السياسية والعسكرية خارج الحدود. وبينما يرى الغرياني في الحوثيين طرفاً يمكن دعمه وفق حسابات «تقاطع المصالح»، يرى خصومه أن هذا المنطق يتجاهل تعقيدات الحرب اليمنية وكلفة الصراع على اليمنيين. وبين القراءتين، يتحول باب المندب من مجرد ممر بحري إلى بوابة جديدة لسجال ديني وسياسي يمتد من اليمن إلى ليبيا.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9_0.jpg.webp?itok=ZBWhOYK1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_8.jpg.webp?itok=gqt0XW83)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%82%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_0_1_1_0_0_6_1.jpg.webp?itok=fkNE-DZH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_1.jpg.webp?itok=R4TD66kR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%84_10_5.jpg.webp?itok=JUSiP3gQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_1_0_2.jpg.webp?itok=wG6p25B_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D8%AC%D8%A7%D8%B1_0_3.jpg.webp?itok=mdFuN3xw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_36_0.jpg.webp?itok=wthfD-Fz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_5.jpeg.webp?itok=3mcX84md)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%A4%D8%AA%D9%85%D8%B1_13.jpg.webp?itok=G44T0oHq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22_0_0.jpg.webp?itok=vdd7gMWc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A7%D9%87%D8%A7%D9%8A_0.jpg.webp?itok=HRySDVWB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF_0.jpg.webp?itok=uvW8NOvO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7.png.webp?itok=N2YJ0n5C)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_3.png.webp?itok=4RZXbWir)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9%20%D9%84%D8%AD%D8%B8%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%81%D9%8A%20%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7%20%D8%AA%D9%81%D8%AA%D8%AD%20%D9%85%D9%84%D9%81%20%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D8%A9%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D9%81.jpg.webp?itok=W4C8vfw8)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_13_1_0.jpg.webp?itok=l5Nvq3_z)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%B4%D8%A71.jpg.webp?itok=kuO7Yy_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_38.jpg.webp?itok=jH4JYkNB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
