غزة بين النفايات والمياه العادمة... انهيار بيئي يهدد الصحة العامة

غزة بين النفايات والمياه العادمة... انهيار بيئي يهدد الصحة العامة

غزة بين النفايات والمياه العادمة... انهيار بيئي يهدد الصحة العامة


20/09/2026

على بُعد خمسة أمتار من قناة رئيسية لمياه الصرف الصحي في مواصي خان يونس نصب أمير حسن خيمة لعائلته بعد نزوحهم من مدينة غزة في أيلول/سبتمبر 2025. لم يكن اختيار المكان ترفًا فالمساحات المتاحة محدودة والبدائل شبه معدومة، لكنّ قرب الخيمة من المياه العادمة جعل حياة الأسرة محكومة بالروائح والذباب والبعوض والخوف على الأطفال.

يقول حسن، وهو أب لثلاثة أطفال، في حديثه إلى "حفريات": إنّ أسرته تعيش في "مستنقع للأمراض والأوبئة ممزوج بالخوف على الأطفال من السقوط في قناة الصرف الصحي"، مشيرًا إلى أنّ أفراد العائلة يعانون بصورة متكررة من التهابات في الجهاز الهضمي وأمراضًا جلدية.

قصة حسن نافذة على أزمة تمتد عبر قطاع غزة؛ حيث تتقاطع المياه العادمة مع أكوام النفايات وندرة المياه النظيفة، وسط انهيار البنية التحتية وتراجع القدرة على تلبية احتياجات السكان.

وفي أيلول/سبتمبر 2026 أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأنّ محطات معالجة مياه الصرف الصحي الست في غزة أصبحت جميعها خارج الخدمة، وتوقفت 70% من محطات ضخ الصرف. وكانت النتيجة تدفق أكثر من 150 ألف متر مكعب من المياه العادمة غير المعالجة إلى البيئة يوميًا.

حين تصبح القمامة جزءًا من الحي

على الجانب الآخر من الأزمة، تتراكم النفايات الصلبة في الأماكن التي يعيش فيها الناس. ففي مأوى غير رسمي غرب مدينة غزة، يعيش "يحيى خالد"، البالغ من العمر 43 عامًا، مع زوجته وأطفاله بالقرب من نقطة عشوائية لتجميع القمامة.

ويروي خالد لـ "حفريات" أنّ النفايات تُلقى قرب خيمتهم يوميًا، ولا تُرفع إلا بعد مرور أيام، موضحًا أنّ محاولات السكان نقل نقطة التجميع بعيدًا عن الخيام فشلت، لعدم وجود مكان بديل يمكن نقل النفايات إليه.

في هذه المواقع لم تعد القمامة مشكلة مرتبطة بالرائحة فحسب؛ فهي تجذب القوارض والحشرات، وتضع السكان في احتكاك يومي مع مخلفات يصعب التخلص منها.

وفي آذار/مارس 2026 قدّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" حجم النفايات الصلبة المتولدة في غزة بنحو خمسة آلاف متر مكعب يوميًا. وأظهر تقييم أجرته المنظمة أنّ القوارض وغيرها من ناقلات الأمراض كانت تُشاهد بصورة متكررة في 80% من مواقع النزوح التي شملها الرصد، بينما أُبلغ عن انتشار أمراض جلدية في 48% منها.

وبحلول حزيران/يونيو أفادت بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بوجود أكثر من 140 مكبًا عشوائيًا بالقرب من المناطق السكنية ومخيمات النزوح، وكان القطاع يولّد نحو 1400 طن من النفايات يوميًا. وتقيس بعض الجهات النفايات بالحجم وأخرى بالوزن، لكنّ التقديرين يكشفان عبئًا هائلًا في منطقة مكتظة تراجعت فيها قدرة البلديات على تشغيل المعدات والوصول إلى المكبات.

وفي مدينة غزة وحدها تراكم في موقع سوق فراس المؤقت نحو 370 ألف متر مكعب من النفايات، بعد تعذر استخدام مكب جحر الديك الرئيسي، وفقًا لبلدية غزة.

وفي 16 تموز/يوليو أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأنّ نحو 75% من نفايات سوق فراس أُزيلت ونُقلت إلى موقع مؤقت جديد في منطقة ممر نتساريم.

لكنّ عمليات الجمع والنقل كانت تغطي نحو 80% فقط من الكمية اليومية المقدرة، ممّا أبقى فجوة تتراكم آثارها. وحتى عندما يُزال مكبّ مؤقت، تنتقل النفايات غالبًا إلى موقع آخر في انتظار حل مستدام.

شبكة مدمرة تحت الأرض

تظهر الأزمة فوق الأرض في أكوام القمامة وبرك المياه الملوثة، لكنّها تمتد إلى شبكة واسعة من الأنابيب والمضخات والمنشآت المدفونة تحتها.

وبحسب التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في غزة لعام 2026، بلغت قيمة الأضرار التي لحقت بقطاع المياه والصرف الصحي والنظافة نحو 1.7 مليار دولار. وتعرض قرابة 88% من الأصول الموجودة فوق الأرض و76% من الشبكات تحت الأرض لأضرار جزئية أو كلية.

وتضررت 88% من منشآت تصريف مياه الأمطار، وتلوثت أحواض أُنشئت أساسًا لاستيعاب مياه الأمطار بمياه صرف صحي غير معالجة، ممّا جعل منشآت الحماية من الفيضانات جزءًا من أزمة التلوث نفسها.

وفي مدينة غزة، قال المتحدث باسم البلدية، "حسني مهنا"، في تصريح للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان: إنّ نحو 220 ألف متر طولي من شبكات الصرف الصحي دُمّر خلال الحرب، إضافة إلى تدمير ثماني محطات ضخ أو تضررها.

وأوضح مهنا أنّ فرق البلدية تمكنت من إعادة تشغيل بعض المنشآت بصورة مؤقتة، لكنّها ما تزال تواجه نقصًا حادًا في الكهرباء والوقود والزيوت والبطاريات ومواد الصيانة؛ وهي احتياجات كفيلة بإبقاء مضخة أو مركبة خارج الخدمة.

وفي أيلول/سبتمبر 2026 عملت "اليونيسف"، بالتعاون مع شركائها، على إعادة تشغيل محطة الشيخ عجلين لمعالجة مياه الصرف الصحي، التي كانت تخدم قبل تضررها نحو 700 ألف شخص. ومع توقف المحطة أخذت المياه العادمة تتجه إلى بركة الشيخ رضوان، وهي منشأة صُممت في الأصل لاستيعاب مياه الأمطار، لا مياه الصرف الصحي.

الماء النظيف يتحول إلى سلعة نادرة

لا تقتصر الأزمة على تدفق المياه الملوثة إلى البيئة؛ ففي الجهة المقابلة، أصبحت المياه النظيفة أكثر ندرة داخل المنازل والخيام.

وفي أيار/مايو 2026 قالت "اليونيسف": إنّ 82% من الأسر في غزة تعاني من انعدام الأمن المائي، وإنّ ما يصل إلى 70% منها لا يستطيع الحصول على الحد الأدنى البالغ ستة لترات للفرد يوميًا لأغراض الشرب والطّهو.

وتراجع إنتاج محطات تحلية مياه البحر من 20 ألف متر مكعب يوميًا في آذار/مارس إلى 16 ألف متر مكعب، بسبب نقص المواد الكيميائية وقطع الغيار والمواد اللازمة للتشغيل. 

وبالنسبة إلى العائلات، تتحول هذه الأرقام إلى رحلة يومية للبحث عن الماء، وإلى مفاضلة بين ما يُخصص للشرب والطهو وما يتبقى للنظافة وغسل الملابس والأواني.

وفي نيسان/أبريل أدى تضرر خط الكهرباء الرئيسي المغذي لمحطة تحلية جنوب غزة إلى خفض إنتاجها بنحو 80%. وحذّر جوناثان فيتش، الممثل الخاص لـ "اليونيسف" في دولة فلسطين، حينها، من أنّ الأطفال "غالبًا ما يكونون أوّل من يعاني عندما تجف الأنابيب."

ونجحت "اليونيسف"، بالتعاون مع شركائها، في إعادة ربط المحطة بالشبكة خلال أيام، لكنّ الحادثة أظهرت هشاشة منظومة يعتمد عليها مئات الآلاف، وكيف يمكن لعطل واحد أن يقلص إمدادات المياه سريعًا.

من البيئة المنهارة إلى العيادة

لا تسمح الأدلة المتاحة بإرجاع كل حالة مرضية في غزة مباشرة إلى مياه الصرف أو النفايات المتراكمة؛ فانتقال الأمراض يتأثر بعوامل متداخلة تشمل نقص المياه النظيفة، وسوء التغذية، والاكتظاظ، وضعف شروط النظافة، وتضرر الخدمات الصحية، والنزوح المتكرر.

لكنّ بيانات عام 2026 تكشف تزامنًا مقلقًا بين انهيار البيئة الصحية وارتفاع أعداد الإصابات بأمراض معدية يمكن أن تتفاقم في ظروف التلوث وشح المياه.

فبين 10 و30 آب/أغسطس، مثّلت التهابات الجهاز التنفسي الحادة قرابة نصف الأمراض المعدية المبلغ عنها، تلتها الأمراض الجلدية بنسبة 29.5%، ثم الإسهال المائي الحاد بنسبة 21%، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، استنادًا إلى بيانات مجموعة الصحة.

وفي الفترة نفسها ارتفعت الحالات المبلغ عنها من متلازمة اليرقان الحاد من 52 حالة خلال الأسبوع الممتد من 27 يوليو/تموز إلى 2 آب/أغسطس، إلى 74 حالة في الأسبوع الممتد من 24 إلى 30 آب/أغسطس.

وبدأ شركاء مجموعة الصحة تحقيقات ميدانية لتقييم احتمال انتقال التهاب الكبد "أ"، شملت فحص المناطق التي ظهرت فيها الحالات ومصادر المياه في مدينة غزة. ولا تعني هذه الأرقام أنّ جميع الحالات تأكدت مخبريًا بوصفها إصابات بالتهاب الكبد "أ"، كما أنّها لا تثبت بمفردها مصدر العدوى، لكنّها تثير القلق في بيئة تعاني انهيار شبكات الصرف وندرة المياه النظيفة وتكدس السكان.

ويواجه الأطفال وكبار السن والحوامل وذوو الإعاقة والمصابون بأمراض مزمنة مخاطر أكبر عندما تتقاطع العدوى المحتملة مع سوء التغذية ونقص الأدوية وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية.

معدات صغيرة تشل مرافق كبيرة

خلف كل مضخة متوقفة أو شاحنة نفايات معطلة تقف احتياجات تشغيلية قد تبدو صغيرة أمام مشهد الدمار: زيت محرك، أو بطارية، أو قطعة غيار، أو مادة كيميائية، أو كمية من الوقود.

وفي 11 أيلول/سبتمبر 2026 أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، استنادًا إلى آلية الأمم المتحدة المنشأة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2720، بأنّه منذ الأول من آذار/مارس لم توافق السلطات الإسرائيلية إلا على إدخال 13445 لترًا من زيوت المحركات، وظلّ 92778 لترًا في انتظار الموافقة.

وكان 43288 لترًا، أي 47% من الكمية المعلقة، مخصصًا لأنشطة المياه والصرف الصحي والنظافة وإدارة النفايات الصلبة.

وتقول "اليونيسف": إنّ القيود المفروضة على إدخال مصادر الطاقة والمواد الكيميائية وقطع الغيار والمواد التشغيلية تعطل إنتاج المياه والخدمات المرتبطة بها. وتقول بلدية غزة ومسؤولو إدارة النفايات إنّ القيود على دخول المعدات والحاويات وقطع الغيار، إلى جانب تعذر الوصول إلى المكبات الرئيسية، قلصت قدرتهم على إدارة الأزمة.

في المقابل، تقول السلطات الإسرائيلية إنّ المساعدات الإنسانية تدخل قطاع غزة، وإنّها تنسق عمليات الإغاثة مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، مؤكدة أنّ بعض السلع والمعدات تخضع لإجراءات موافقة خاصة باعتبارها مواد "مزدوجة الاستخدام" لأسباب أمنية.

وفي موقف سابق لا يتصل مباشرة بالأرقام الواردة في هذا التقرير، رفض الجيش الإسرائيلي في شباط/فبراير 2026 اتهامات عامة بمنع دخول المساعدات، وقال إنّ القيود وإجراءات التسجيل تهدف إلى منع تحويل مسارها أو تدخّل حركة حماس في توزيعها. وتوضح إجراءات "منسق أعمال الحكومة في المناطق" أنّ إدخال بعض المعدات إلى غزة يتطلب موافقة مسبقة وتنسيقًا خاصًا.

لكنّ الفجوة بين الإجراءات والاحتياجات تظهر ميدانيًا في صورة مضخات متوقفة، وشاحنات محدودة، ومكبات مؤقتة، وخدمات تعمل بأقلّ ممّا تتطلبه الكثافة السكانية المرتفعة.

الشتاء يفتح بابًا لخطر جديد

مع اقتراب فصل الشتاء، يضيف المطر خطرًا جديدًا إلى الأزمة. فشبكات التصريف المتضررة، وأحواض مياه الأمطار الملوثة بمياه الصرف، والمخيمات المنخفضة والمكتظة، تجعل الفيضانات أكثر من مجرد مشكلة موسمية.

وقد حذّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في أيلول/سبتمبر من أنّ الأمطار قد تؤدي إلى مزيد من تدهور الظروف المعيشية، وبدأت الجهات الإنسانية تحديد المواقع الأكثر عرضة للخطر، التي تحتاج إلى تحسين تصريف المياه والاستعداد لمواجهة الفيضانات.

فإذا هطلت أمطار غزيرة، فقد تختلط مياهها بمياه الصرف والنفايات في مناطق يعيش فيها آلاف النازحين داخل خيام لا توفر حماية كافية، ممّا يوسع نطاق التلوث ويصعّب الحركة والوصول إلى المياه والخدمات الصحية.

بالنسبة إلى "أمير حسن"، لا تحتاج الأزمة إلى تقرير يشرحها؛ فهي تبدأ على بعد خمسة أمتار من خيمته. وبالنسبة إلى "يحيى خالد"، تتجسد في كومة نفايات لا يجد السكان مكانًا آخر لنقلها إليه.

أمّا العاملون في البلديات والقطاع الصحي، فيواجهون حلقات أزمة واحدة مترابطة: فحين تتوقف شاحنات الجمع، تتسع المكبات العشوائية؛ وحين تتعطل المضخات، تتجمع المياه العادمة؛ وحين تشح المياه النظيفة، تتراجع قدرة العائلات على غسل أيديها وطعامها وملابسها، وعندما يمرض السكان، لا يجدون أمامهم سوى نظام صحي يعمل أصلًا تحت ضغط شديد.

في غزة عام 2026 لم تعد النفايات ومياه الصرف مجرد أزمة خدمية على هامش الوضع الإنساني؛ فالبيئة نفسها أصبحت جزءًا من الخطر اليومي. وبين الخيمة وقناة الصرف، وبين كومة القمامة وصهريج الماء، يحاول نحو مليوني إنسان حماية أبسط شروط الحياة: ماء صالح للشرب، ومكان يمكن تنظيفه، وطفل يستطيع الخروج من خيمته من دون أن تكون المياه العادمة جزءًا من طريقه.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية