سياسة شد الحبل... إخوان باكستان ولعبة المفاوضات مع الحكومة

سياسة شد الحبل... إخوان باكستان ولعبة المفاوضات مع الحكومة

سياسة شد الحبل... إخوان باكستان ولعبة المفاوضات مع الحكومة


10/09/2026

دخلت احتجاجات الجماعة الإسلامية "الذراع السياسية للإخوان في باكستان" يومها الخامس والعشرين، وكثيراً ما تتحدث الجماعة عن تصعيدات من إضراب عام، ومسيرة إلى إسلام أباد، وكان هذا بموجب خارطة قدّمها أمير الجماعة.

ولم يكن العصيان المدني والإضراب العام ووقف مفاصل الدولة الخطوة الأخيرة في خارطة الجماعة، وأوضح حافظ نعيم الرحمن أنّ الجماعة لن تتردد في إسقاط الحكومة بخطة فورية في الشارع من أجل إغاثة الناس، وأنّ الاحتجاج سيتصاعد تدريجياً إذا لم تُلبَّ المطالب، مؤكداً: "لم نأتِ لنرحل، والناس مستعدون لنضال كبير، وستستمر الاعتصامات حتى تُلغى الجباية البترولية وتُخفَّض أسعار المشتقات".

وقد دخلت الحكومة الباكستانية والجماعة الإسلامية جولة جديدة من شدّ الحبل السياسي، بعدما انتهت أولى جلسات التفاوض بين الطرفين دون التوصل إلى اتفاق يحسم الخلاف حول ضريبة البترول وأسعار الوقود وتكاليف المعيشة.

وبينما حاولت الحكومة كسب مزيد من الوقت لدراسة مطالب الحزب، وكيفية تنفيذها ومدى تأثيرها على الدولة، وإمكانية تفادي الضغوط على المواطن في وقت يُعاني فيه العالم من أزمة الطاقة، أبقت الجماعة الإسلامية على اعتصاماتها ورفضت تعليق احتجاجاتها، في خطوة أبقت الشارع ورقة ضغط على طاولة المفاوضات.

وعقد الطرفان، الإثنين 7 أيلول/سبتمبر، أوّل جولة رسمية من المفاوضات في مقر وزارة التخطيط بالعاصمة إسلام آباد، برئاسة نائب أمير الجماعة الإسلامية لياقت بلوش عن جانب الحزب، ووزير التخطيط أحسن إقبال عن الحكومة، بمشاركة وزير البترول علي برويز ملك، ورانا ثناء الله، ووزير الدولة للشؤون المالية بلال أظهر كياني.

ستة مقترحات على الطاولة

دخلت الجماعة الإسلامية الاجتماع وهي تحمل ستة مقترحات قالت إنّها تستهدف تخفيف العبء عن المواطنين ومعالجة أزمة ضريبة البترول، مؤكدة أنّها طرحت أمام الوفد الحكومي جميع مطالبها المتعلقة بالرسوم المفروضة على الوقود وارتفاع أسعاره.

وبحسب لياقت بلوش، جرت المفاوضات في أجواء إيجابية، إلا أنّ الحكومة طلبت مهلة لبحث المقترحات مع الوزارات والمؤسسات المختصة، قبل استئناف الحوار الخميس 10 أيلول/سبتمبر. وترى الجماعة أنّ ضريبة البترول تحولت إلى عبء مباشر على المواطنين والاقتصاد، وأنّ معالجة الأزمة لا تتطلب فرض مزيد من الأعباء، بل إعادة ترتيب نفقات الدولة ومصادر الإيرادات.

وحسب آليات العمل المؤسسي والحكومي المُختلف عن منطق عمل الجماعات والعشائر، تجنبت الحكومة تقديم تعهد بإلغاء الضريبة قد لا يُمكنها تنفيذه، مكتفية بالتأكيد أنّها ستدرس المقترحات المطروحة، وستقبل ما تراه قابلاً للتنفيذ، بينما ستقدم مبرراتها بشأن المطالب التي تعتبرها غير قابلة للتطبيق.

ورأت الجماعة في هذا الموقف فرصة لتبقي الخلاف قائماً، خصوصاً أنّ الجماعة لا تطالب بمجرد الاستماع إلى مبررات الحكومة، وإنّما بإجراءات عملية لتقليص الأعباء المفروضة على المواطنين، دون أن تنظر إلى آليات تنفيذ مطالبها وفق جهاز إداري وما يتطلبه من إجراءات ووقت. 

وبالتوازي مع التفاوض، حرصت الجماعة على عدم التخلي عن ورقة الضغط في الشارع، إذ رفض لياقت بلوش طلب الحكومة تأجيل الاعتصامات إلى حين انتهاء المباحثات، مؤكداً أنّ الاحتجاجات ستستمر حتى تحقيق نتائج ملموسة. وتبدو الاستراتيجية واضحة: إبقاء باب التفاوض مفتوحاً من جهة، مع الاحتفاظ بقدرة التصعيد من جهة أخرى، لتملك الجماعة السيطرة على الشارع.

ومن جهته، شدد أمير الجماعة الإسلامية حافظ نعيم الرحمن على أنّ ضريبة البترول مرفوضة، مؤكداً أنّ الحزب قد ينتقل إلى خطوات تصعيدية أوسع إذا لم تستجب الحكومة لمطالبه.

التصعيد هو الهدف وليس التهدئة

لم تقتصر أدوات الضغط التي لوحت بها الجماعة على الاعتصامات، إذ أبقت على خيارات تشمل مسيرة بالقطارات، وإضراباً شاملاً بوقف حركة المركبات، ثم مسيرة باتجاه إسلام آباد، واستعدادها التام للإطاحة بالحكومة، لتكون هي الخيار البديل بطبيعة الحال. 

وتأتي هذه التهديدات في وقت دخلت فيه الاحتجاجات يومها الرابع والعشرين، ممّا يكشف أنّ الجماعة لا تتعامل مع التفاوض باعتباره بديلاً عن الشارع، بل كمسار موازٍ له. فكلما طال أمد الاحتجاجات، ازدادت الضغوط على الحكومة، وكلما تعثرت المفاوضات، أصبح التصعيد أكثر حضوراً في حسابات الجماعة.

بدأت مطالب الجماعة بإلغاء ضريبة البترول، ولكنّها أخذت تتزايد للّي ذراع الحكومة وإثبات فشلها، وتشمل مطالبها إعادة النظر في المدفوعات والعقود المرتبطة بمنتجي الطاقة المستقلين، وخفض أسعار الخبز، إضافة إلى معالجة أزمة الكهرباء.

وفي مقترحاتها الجديدة، طرحت الجماعة خفض الإنفاق الحكومي، وإنهاء الامتيازات والنفقات التي تصفها بغير الضرورية، ورفع كفاءة المصافي، وإعادة التفاوض بشأن عقود منتجي الطاقة المستقلين، إلى جانب مراجعة أوجه الدعم والإنفاق في عدد من القطاعات.

وتقول الجماعة إنّ هذه الإجراءات يمكن أن توفر للحكومة مئات المليارات من الروبيات، بما يسمح بتخفيف العبء عن المواطنين بدلاً من اللجوء إلى زيادة الضرائب والرسوم. والجماعة بذلك تكسب الشارع وتؤلبه على الحكومة الباكستانية، ليكون لها الحضور القوي في الشارع الذي يمكنها من ليّ ذراع الدولة. 

المفاوضات والشارع... معادلة واحدة

تكشف الجولة الأولى أنّ الجماعة الإسلامية لا تريد التخلي عن نفوذ الشارع في الوقت الذي تتحرك فيه على طاولة التفاوض. فالحوار بالنسبة إليها فرصة لاختبار استعداد الحكومة لتقديم تنازلات، بينما تمثل الاعتصامات والتهديد بخطوات تصعيدية وسيلة لمنع المفاوضات من التحول إلى مسار بلا نتائج.

وفي المقابل، تحاول الحكومة استخدام المفاوضات لكسب مساحة زمنية لدراسة المطالب وتحديد ما يمكن الاستجابة له دون الالتزام مسبقاً بإلغاء ضريبة البترول، كي يكون التزامها مبنيّاً على دراسة مؤسسية للوضع وممكناته. 

وبذلك انتهت الجولة الأولى دون تسوية، لكن مع تثبيت معادلة جديدة: الحكومة تريد التفاوض قبل تقديم تنازلات، والجماعة تريد التفاوض تحت ضغط الشارع. وستكشف جولة الخميس 10 أيلول/سبتمبر ما إذا كانت هذه المناورة المتبادلة ستقود إلى اتفاق، أم ستفتح الطريق أمام موجة جديدة من التصعيد الذي تسعى إليه الجماعة الإسلامية. 
 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية