النظام الثيوقراطي الإيراني ورواية "ثم لم يبقَ أحد"

النظام الثيوقراطي الإيراني ورواية "ثم لم يبقَ أحد"

النظام الثيوقراطي الإيراني ورواية "ثم لم يبقَ أحد"


09/09/2026

حميد المنصوري

بينما كنت أتجوّل بين أرفف إحدى المكتبات، وقعت عيني على رواية «ثم لم يبقَ أحد» للكاتبة البريطانية "أغاثا كريستي" (1890-1976)، ملكة أدب الجريمة.

فأنا أعرف الرواية جيدًا، وكنت قد قرأتها في وقت سابق، لكنني هذه المرة توقفت أمامها بعين مختلفة؛ بعين المحلل السياسي، الذي قد يجد في الأدب أحيانًا ما يفسر السياسة، وفي الرواية ما يفتح بابًا لفهم نظام سياسي. 

فبعض الروايات لا تنتهي في إطار أحداثها وشخصياتها، وإنما تبقى تماثل واقعًا آخر يمكن أن تُقرأ من خلاله. وهذا ما حدث معي وأنا أستعيد رواية «ثم لم يبقَ أحد»، وأربطها بالنظام الثيوقراطي الإيراني.

الجزيرة المغلقة والدخول إليها

في الرواية، يصل عشرة أشخاص إلى جزيرة ويقيمون في القصر، بدعوات مختلفة من العمل، والراحة، وقضاء العطلة، والخدمة في القصر، إلى دعوة مرتبطة بالأمن والتحقيق في قضية وأخرى بدعوة العلاج. لكنهم سرعان ما اكتشفوا أنهم عالقون فيها، وأن مغادرتها لم تعد ممكنة.

كانت الجزيرة في البداية مجرد وجهة، ثم تحولت إلى عالم مغلق. وهنا تبدأ أولى نقاط التشابه مع النظام الإيراني. فإيران لم تبدأ بوصفها نظامًا مغلقًا في وعي أنصارها. جاءت الثورة الإيرانية عام 1979 محملة بوعود سياسية وأخلاقية ودينية، ورفعت شعارات الاستقلال والعدالة ومواجهة الاستبداد. وكان النظام الجديد يقدم نفسهُ باعتباره مشروعًا لتحرير إيران من حكم الشاه وإقامة نظام أكثر عدالة واستقلالًا.

لكن مع مرور الوقت، تطورت إلى منظومة سياسية شديدة التعقيد، تتداخل فيها المؤسسات المنتخبة مع سلطة دينية عليا، ويصبح الخروج عن قواعد النظام أصعب من مجرد تغيير حكومة أو حزب.

الجزيرة استعارة سياسية

الجزيرة في رواية كريستي ليست مغلقة منذ اللحظة الأولى، وإنما يكتشف من دعوا وذهبوا إليها عزلتهم عندما يحاولون المغادرة والهروب من قاتل بينهم أو في الجزيرة. وكذلك الأنظمة السياسية الدينية المغلقة قد لا تبدو مغلقة في لحظة تأسيسها ووصولها للسلطة، وإنما تكشف طبيعتها عندما يصبح تغيير قواعدها ومعتقداتها وأيدولوجياتها مستحيلاً، كما أن هذه المعتقدات والسياسات تتصادم مع سيادة وأمن الدول وحتى الشرعية الدولية.

بين الانتخابات وسلطة المرشد

في الواقع، توجد في إيران انتخابات ورئيس وبرلمان، لكن هذه المؤسسات تعمل داخل إطار دستوري وسياسي يجعل سلطة المرشد والمؤسسات غير المنتخبة حاسمة في رسم الحدود التي تتحرك داخلها المؤسسات المنتخبة. وهنا يصبح السؤال الإيراني شبيهًا بالسؤال الذي تطرحه الجزيرة: هل يستطيع سكان الجزيرة تغيير قواعدها، أم أن عليهم فقط أن يتحركوا داخلها؟

تأتي «ولاية الفقيه» والعقيدة المذهبية الثورية العابرة للأقطار بوصفها حجر الأساس في هذه المنظومة، إذ لا تكمن المسألة في وجود مؤسسات منتخبة فحسب، وإنما في طبيعة توزيع السلطة وحدود قدرة هذه المؤسسات على تغيير قواعد النظام نفسه، ووجود مشروع متصادم مع سيادة الدول والشرعية الدولية.

ثمن المشروع الإقليمي

لم يبقَ أثر النظام الثيوقراطي داخل حدود إيران. فالمشروع الإيراني الإقليمي استند إلى توظيف البعد المذهبي وبناء شبكة من القوى والحلفاء المسلحين في عدد من الدول العربية. وفي لبنان، أصبح حزب الله أحد أبرز أدوات النفوذ الإيراني. وفي العراق، تمددت فصائل مسلحة مرتبطة بطهران داخل المشهد السياسي والأمني. وفي اليمن، أصبح الحوثيون ذراعًا رئيسية للنفوذ الإيراني، بما انعكس على أمن البحر الأحمر وباب المندب ووحدة الدولة اليمنية، والقضية الفلسطينية ومسار السلام دمرت جسوره عبر دعم حماس والصراع مع منظمة التحرير الفلسطينية-فتح.

أما سوريا، فكانت لسنوات إحدى أهم ساحات النفوذ الإيراني. فقد دعمت طهران نظام بشار الأسد وحافظت على وجودها ونفوذها من خلال شبكة من القوى والمليشيات. لكن سقوط نظام بشار الأسد شكّل ضربة كبيرة لهذا الامتداد الإقليمي.

عندما تصبح العدالة جزءًا من الصراع

الرواية تقدم لنا مفارقة أخرى أكثر عمقًا. فالأشخاص الموجودون في الجزيرة ليسوا أبرياء تمامًا؛ لكل واحد منهم ماضٍ وذنب لم ينل عليه العقاب. ولذلك تبدأ سلسلة العقوبات تحت عنوان العدالة. يمكن فهم جانب آخر من التجربة الإيرانية. فالنظام الثيوقراطي، في نظر منتقديه، ارتكب انتهاكات واسعة داخل إيران وخارجها، واستنزف موارد الدولة في مشاريع إقليمية، بينما عانى المجتمع من مشكلات اقتصادية واجتماعية متراكمة مثل العوز والفقر والدعارة والمخدرات وتقييد الحريات وحتى تزايد الملحدين بهذا المذهب. كما أن سياسة التمدد الإقليمي ساهمت في تعميق الصراعات المذهبية والسياسية في عدد من الدول.

القاضي جزء من القضية

وتكشف لنا الرواية في النهاية أن من يقيم العدالة ليس قادمًا من خارج الجزيرة؛ إنه واحد منهم. يعرفهم، ويعرف أسرارهم، ويعرف ماضيهم، لكنه يخفي حقيقته، بل يدعي الموت، ثم يتبين أنه العقل الذي يقف وراء ما يحدث. 

وهنا تبرز واحدة من أكثر نقاط التشابه إثارة للاهتمام. فالأنظمة المغلقة قد تواجه أخطر أزماتها من داخلها، لا من خارجها. وقد يأتي التغيير من أشخاص كانوا جزءًا من النظام أو من مؤسساته، ثم يكتشفون أن استمرار المنظومة أصبح أكثر كلفة من تغييرها. وقد يكون هؤلاء من العسكريين أو من رجال المؤسسة الدينية أو من النخب السياسية أو من عامة الشعب؛ أي من أولئك الذين يعرفون النظام من الداخل، ويعرفون نقاط قوته وضعفه. عندها يصبح «القاضي» في الرواية استعارة سياسية لمن كان جزءًا من القضية ثم تحول إلى طرف في الحكم عليها.

الجزيرة والنظام.. عندما تصبح السلطة هي المكان

المشكلة ليست أن هناك سلطة داخل الجزيرة، وإنما أن الجزيرة نفسها أصبحت هي النظام. كل شيء يحدث داخلها: القانون، والعقاب، والشرعية، وتحديد المسموح والممنوع. وكلما حاول أحد سكان الجزيرة تغيير قواعدها، اكتشف أن القواعد نفسها صُممت بحيث تحمي النظام الذي وضعها.

فالجزيرة معزولة جغرافيًا عن العالم، لكن عزلة النظام الإيراني ليست جغرافية فقط؛ إنها عزلة سياسية وأيديولوجية أيضًا. ومنذ الثورة، تشكلت علاقة متوترة بين إيران والغرب ودول الخليج وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وإسرائيل، وتفاقمت مع المشروع الإقليمي الإيراني التوسعي والملف النووي والصراعات التي ارتبطت بالنفوذ الإيراني في عدد من الدول العربية. وفي الداخل الإيراني، ظهرت أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة، إلى جانب فجوة متزايدة بين قطاعات المجتمع وشعوب إيران، ولا سيما الأجيال الشابة، وبين الخطاب الثوري الذي تأسس عليه النظام.

الجزيرة والخوف

في الرواية، لم يكن الخطر فقط في أن الأشخاص لا يستطيعون مغادرة الجزيرة، وإنما في أنهم أصبحوا خاضعين لقواعد لا يعرفون مصدرها الحقيقي.

وفي النظام الثيوقراطي، تكمن المعضلة في الجمع بين شرعية انتخابية محدودة ومرجعية دينية مركزية. فالمواطن يصوت، لكن المجال الذي تجري داخله المنافسة السياسية تحدده مؤسسات لها سلطة واسعة على العملية السياسية، وفي مقدمتها مجلس صيانة الدستور، بينما يحتفظ المرشد بموقع مركزي في بنية النظام. وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بمن يحكم فقط، وإنما بمن يحدد قواعد الحكم.

فكل شخص في الرواية يعرف أن هناك قاتلًا بينهم، لكنه لا يعرف من هو. وهذا يقود إلى حقيقة الأنظمة المغلقة عندما تعاني من فقدان الثقة والشرعية والقدرة على الإقناع، وتحقيق مطالب شعبها، يصبح الخوف جزءًا من آلية الحكم، إلا أن نهاية النظام السياسي السقوط.

وهذه ليست مسألة إيرانية فقط؛ فالأنظمة السياسية كلها تحتاج إلى شرعية، وإن اختلف مصدرها. فالنظام الديمقراطي يستمدها من الانتخابات والدستور والمؤسسات، والنظام الملكي من التاريخ والتقاليد والدستور والقبول الشعبي، والنظام الثيوقراطي من مزيج من المرجعية الدينية والسياسية. لكن جميعها تواجه القاعدة نفسها: الشرعية تحتاج إلى أن تتجدد مع مستويات مقبولة من التأييد الشعبي.

متى يبدأ السقوط الحقيقي؟

تبدو رواية «ثم لم يبقَ أحد» شديدة الدلالة مرة أخرى. الأشخاص دخلوا الجزيرة لأسباب مختلفة، ولم يتوقعوا أنهم لن يستطيعوا الخروج منها. ثم وجدوا أنفسهم في نظام مغلق، تحكمه قواعد لم يختاروها، ويعيشون تحت عدالة يفرضها شخص بينهم يخفي حقيقته. وفي السياسة، قد يكون أخطر شيء على النظام عندما يتحول السؤال من: «هل هذا النظام شرعي؟» إلى «لماذا يجب أن أؤمن بشرعيته وأقدم الولاء له؟». وقد لا يحدث الانهيار في لحظة واحدة، بل يبدأ عندما تتراكم الخسائر: شرعية تتآكل، واقتصاد يضعف، ونخب تنقسم، ونفوذ إقليمي يتراجع، ومجتمع يفقد ثقته وتتزايد مطالبه، وقوة أمنية وبشرية تجد نفسها أمام سؤال الولاء، وأجيال جديدة لم تعد ترى في الماضي ما يكفي لتبرير المستقبل.

ثم لم يبقَ أحد

تتساقط الشخصيات واحدة تلو الأخرى في رواية أغاثا كريستي حتى لا يبقى أحد. أما في السياسة، فلا تسقط الأنظمة بالضرورة بالطريقة نفسها، لكنها قد تمر بالمسار ذاته: تتآكل عناصر القوة واحدًا تلو الآخر، ثم يجد النظام نفسه أمام لحظة يصبح فيها البقاء أصعب من التغيير. ومن هنا يمكن قراءة مقتل حسن نصر الله، وتراجع حزب الله، وسقوط نظام بشار الأسد، وضعف حماس، وتراجع النفوذ الإيراني الإقليمي، بالتزامن مع الأزمات الداخلية، بوصفها حلقات في مسار أوسع من انكشاف المشروع الإيراني المتصادم مع أمن الدول العربية والشرعية الدولية.

فالحرب والضربات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على النظام الثيوقراطي كانت قوية ومدمرة منذ البداية، وقادرة على إضعاف القوة الصلبة للنظام وإسقاطه، لكنها لا ترغب في فوضى داخلية تقسم إيران إلى شعوب ومناطق جغرافية. لذا تبدو واشنطن راغبة بالسقوط الحقيقي المربح لها وللمنطقة، عندما يبدأ النظام الثيوقراطي وحشوده تتآكل قوتها، وتذوب شرعية النظام، وينقسم الداخل، وتصل العقوبات الاقتصادية ومقاطعة النظام درجة قاسية من الإفلاس المادي والسياسي والمعنوي، ويصبح النظام عاجزًا عن إعادة إنتاج نفسه أو تغيير معتقداته وسلوكه، فيحدث السقوط الكامل.

الخاتمة:

لقد حوّلت المعتقدات والتحركات الجيوبوليتكية للنظام الثيوقراطي الإيراني، في نظر الجوار الجغرافي له وأيضًا مع خصومه، إيران تدريجيًا إلى ما يشبه «الجزيرة» في رواية كريستي: عالمًا مغلقًا تحكمه قواعده الخاصة، محاطًا بصراعاته ومتوهم بمعتقداته الميتافيزيقية بأن الله معهم والمهدي قادم ونهاية العالم ترتسم، ولعل النظام الثيوقراطي سيجد نفسه في النهاية أمام سؤال لم يعد يستطيع تأجيله: ماذا سيحدث عندما لا يبقى أحد مستعدًا للدفاع عن معتقدات وسلوك النظام الذي كان الجميع يخشى بطشه أو مؤمن بمعتقداته؟

العين




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية