بين جشع الإخوان ومقصلة الحرب... انهيار النظام الصحي يرهن أرواح السودانيين للغلاء والموت

بين جشع الإخوان ومقصلة الحرب... انهيار النظام الصحي يرهن أرواح السودانيين للغلاء والموت

بين جشع الإخوان ومقصلة الحرب... انهيار النظام الصحي يرهن أرواح السودانيين للغلاء والموت


20/08/2026

في ظل تنصل طرفي الصراع عن مسؤولياتهما الإنسانية، تظل الاستجابة الصحية قاصرة، لتستمر المأساة كإحدى أسوأ الكوارث التي يتلاحم فيها السلاح مع المرض والغلاء. فالسودانيون فقدوا ما تبقى لهم من أمل في الحصول على رعاية صحية أدنى، بعدما حوّل انهيار القطاع الصحي الممتد لأكثر من 39 شهراً من الصراع الدامي بين الجيش وقوات "الدعم السريع" الأمراض والأوبئة إلى "حرب ثانية" تحصد أرواح العزّل، وسط استغلال فج من شبكات ورموز النظام السابق "جماعة الإخوان المسلمين" التي وضعت أيديها على المنشآت الطبية الخاصة، ليُحاصر المواطن بين الموت في انتظار الدواء أو دفع مبالغ خيالية في مؤسسات استثمارية تابعة للتنظيم.

ومع خروج أكثر من 60% من المرافق الصحية في مناطق النزاع عن الخدمة كلياً أو جزئياً، تحوّلت المستشفيات الكبرى في العاصمة الخرطوم والولايات إلى أطلال ومبانٍ مهجورة تفتقر للكهرباء والمياه والمستلزمات الأساسية. ولم تتوقف الكارثة عند تدمير البنية التحتية، بل تفاقمت جراء نزوح وهجرة الآلاف من الكوادر الطبية والملازمين، ممّا خلق عجزاً تشغيلياً هائلاً حتى في المنشآت التي جرت محاولات لإعادة ترميمها، كما هو الحال في مستشفى مدينة "بابنوسة"، حيث تقف عقبة غياب الكوادر المؤهلة والاعتماد القانوني حائلاً دون تشغيلها، لتتحول المباني إلى "مجرد جدران فارغة" لا تقدّم أدنى خدمة علاجية، وفق "الإندبندنت" البريطانية.

وفي مقابل هذا الشلل التام في القطاع العام، برزت هيمنة نفوذ رموز النظام السابق من قيادات الإخوان على القطاع الطبي الخاص؛ فوفق مصادر لـ "حفريات" عمدت شبكاتهم إلى احتكار الخدمات الاستثمارية ورفع أسعار العلاج والدواء إلى مستويات قياسية مستغلة تدهور العملة الوطنية وغياب الرقابة الحكومية. وبات الخيار الوحيد أمام المرضى الذين يعانون من الأمراض المزمنة أو الأوبئة هو استنزاف أموالهم وطاقاتهم المالية لصالح مؤسسات تتبع لرموز العهد البائد، أو مواجهة الموت البطيء على أعتاب المستشفيات الحكومية المتهالكة.

وعلى وقع النقص الحاد في الأدوية المنقذة للحياة واختلال سلاسل التوريد، وجدت الأوبئة بيئة خصبة للانتشار السريع. وكشفت تقارير إدارة الأمراض السارية عن تسجيل أكثر من 13 ألف إصابة بفيروس نقص المناعة البشري (الإيدز)، ونحو 55 ألف حالة إصابة بالتهاب الكبد الفيروسي ("ب" و"ج")، فضلاً عن الانتشار المتواصل لمرض الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والتهابات الكبد الوبائي، ولا سيّما في ولايات غرب وشمال كردفان والنيل الأزرق ومعسكرات النازحين التي تفتقر لأبسط مقومات صحة البيئة والمياه الصالحة للشرب، بحسب ما أوردت "مداميك".

في السياق، قال الباحث في النظم الصحية محمد عبد الرحيم: "في العاصمة الخرطوم، التي كانت تمثل مركز الخدمات الصحية المتقدمة، تحولت المستشفيات إلى مبانٍ مهجورة أو نقاط إسعاف أولية تفتقر إلى أبسط الإمكانيات. أمّا في الولايات الأخرى، فالوضع لا يقلّ تعقيداً، حيث تعاني المرافق الصحية من نقص حاد في الكهرباء والمياه والوقود، ممّا يعيق تشغيل الأجهزة الطبية الأساسية".

وتابع عبد الرحيم في تصريح صحفي: "أدى نزوح آلاف الأطباء والممرضين إلى خارج مناطق النزاع، أو حتى خارج البلاد، إلى تفاقم الأزمة، إذ باتت الكوادر المتبقية تعمل تحت ضغط هائل، من دون دعم كافٍ". ورأى أنّ "ما يحدث في السودان هو انهيار شبه كامل للنظام الصحي، إذ لم تعد المؤسسات قادرة على أداء وظائفها الأساسية". ولفت إلى أنّ "تدمير البنية التحتية الصحية، إلى جانب هجرة الكوادر، أدى إلى فجوة كبيرة في تقديم الخدمات، في حين أنّ المستشفيات التي ما تزال في الخدمة تعمل بطاقة محدودة، وغالباً من دون توافر الأدوية أو المعدات اللازمة". وأشار الباحث في النظم الصحية إلى أنّ "غياب التنسيق المركزي أدى إلى تشتت الجهود.

وفي ظل تنصل طرفي الصراع ـ الجيش والإخوان من جهة وقوات الدعم السريع من جهة أخرى ـ من مسؤولياتهما الإنسانية وعدم اتخاذ أيّ إجراءات جادة أو حقيقية لتحسين الأوضاع، تظل الاستجابة الصحية الدولية والمنظمات الإنسانية قاصرة ومكبوتة بفعل التدهور الأمني ونقص التمويل؛ لتستمر المأساة الصحية في السودان كإحدى أسوأ الكوارث البشرية التي يتلاحم فيها السلاح مع المرض والغلاء للاقتصاص من أجساد المواطنين العزّل.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية