المال الحرام.. كيف تحولت شبكات الإخوان المالية إلى أداة لبناء النفوذ وتمويل الواجهات؟

المال الحرام.. كيف تحولت شبكات الإخوان المالية إلى أداة لبناء النفوذ وتمويل الواجهات؟

المال الحرام.. كيف تحولت شبكات الإخوان المالية إلى أداة لبناء النفوذ وتمويل الواجهات؟


18/08/2026

لم يكن المال بالنسبة إلى جماعة الإخوان المسلمين مجرد وسيلة لتغطية النفقات أو تمويل النشاط التنظيمي، بل تحول عبر عقود إلى أحد أهم مفاتيح بناء القوة والانتشار والمحافظة على شبكات النفوذ خارج الحدود. 

فالجماعة التي عملت منذ بداياتها على إنشاء هياكل تنظيمية واجتماعية وتعليمية واسعة احتاجت إلى موارد مالية مستمرة تتيح لها إدارة الجمعيات والمؤسسات والمراكز والأنشطة الإعلامية والسياسية، وهو ما جعل قضية مصادر التمويل وطرق تحريك الأموال واحدة من أكثر الملفات حساسية في تاريخ التنظيم. 

ومع توسع النشاط الإخواني خارج الدول العربية، اتسعت كذلك الحاجة إلى إنشاء شبكات مالية أكثر تعقيدًا، بعضها ارتبط بأعمال تجارية واستثمارات وشركات، وبعضها اتخذ شكل جمعيات ومؤسسات خيرية، فيما ظهرت لاحقًا قنوات غير رسمية لتحويل الأموال ونقلها بعيدًا عن الرقابة.

وتكشف التجربة الدولية في مكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال أن خطورة الأموال غير المشروعة لا تكمن فقط في مصدرها الأول، وإنما في قدرتها على الدخول إلى الاقتصاد الرسمي ثم إعادة تدويرها عبر شركات أو حسابات أو مؤسسات تبدو في ظاهرها قانونية.

 وفي ملف الإخوان، ظهرت على مدار سنوات قضايا ارتبطت بأسماء وشبكات مالية اتخذت من الأعمال التجارية والاستثمارية والهياكل الخيرية غطاءً لتحريك الأموال.

 وكانت شبكة يوسف ندا وأحمد نصر الدين من أبرز الأمثلة التي تعاملت معها السلطات الأمريكية والدولية منذ مطلع الألفية، بعدما قالت وزارة الخزانة الأمريكية إن شبكة الرجلين اعتمدت على مجموعة واسعة من الشركات والمصالح التجارية، وربطت بنك التقوى بشبكات تمويل لأنشطة اعتبرتها مرتبطة بالإرهاب.

ومع مرور السنوات، لم تعد القضية مرتبطة ببنك أو شركة محددة، بل أصبحت تتعلق بنمط كامل من العمل المالي يقوم على تعدد الواجهات وتوزيع الأدوار والفصل بين الجهة التي تجمع الأموال والجهة التي تنقلها والجهة التي تستخدمها. 

وتزداد خطورة هذا النموذج عندما تتقاطع الأموال مع الخطاب الديني والعمل الخيري، لأن المتبرع قد يعتقد أنه يقدم مساعدة إنسانية، بينما يمكن أن تتولى شبكة وسيطة إعادة توجيه الأموال أو استخدامها في دعم بنية تنظيمية أو سياسية. 

وفي أحدث تحركاتها خلال 2026، قالت وزارة الخزانة الأمريكية إن شبكات مرتبطة بالإخوان وحماس استخدمت واجهات خيرية وقنوات مالية سرية لنقل الأموال وإخفاء مساراتها عبر دول مختلفة، ما يعيد ملف التمويل إلى واجهة المواجهة الدولية.

 

المال.. العمود الفقري لشبكة الإخوان

 

من الصعب فهم قدرة جماعة الإخوان على الاستمرار في بناء شبكاتها العابرة للحدود من دون النظر إلى البنية المالية التي رافقت توسعها. فالتنظيم لا يحتاج فقط إلى أموال لتمويل نشاط مباشر، وإنما إلى موارد دائمة تسمح له بإنشاء مؤسسات ومراكز وشركات وجمعيات، وإدارة أنشطة إعلامية وتعليمية واجتماعية، وتأمين حضور مستمر في المجتمعات التي ينتقل إليها أعضاؤه. وكلما اتسعت الشبكة التنظيمية، أصبح المال عنصرًا أكثر أهمية في الحفاظ على استقلالها وقدرتها على التحرك.

ومن هنا برزت أهمية الجمع بين النشاط الاقتصادي والعمل التنظيمي، إذ لم يكن إنشاء الشركات والاستثمارات بالنسبة إلى بعض الشخصيات المرتبطة بالإخوان منفصلًا بالضرورة عن بناء النفوذ.

 وتقدم قضية يوسف ندا نموذجًا تاريخيًا مهمًا في هذا السياق؛ فقد قالت وزارة الخزانة الأمريكية في إحدى وثائقها إن ندا وأحمد نصر الدين أديرا شبكة مالية واسعة عبر مجموعة من المصالح التجارية، وإن عددًا من الشركات التي ارتبطت بهما استُهدف ضمن إجراءات تهدف إلى إغلاق القنوات التي اعتبرتها السلطات داعمة لتمويل الإرهاب.

وتكشف هذه القضية أن التعامل مع المال لم يكن قائمًا دائمًا على تحويل مباشر من جهة إلى أخرى، بل يمكن أن يمر عبر طبقات متعددة من الملكية والشركات والحسابات والعلاقات التجارية. وهذه الطبقات تجعل تتبع الأموال أكثر صعوبة، خصوصًا عندما تكون الشركات موزعة على أكثر من دولة وتخضع كل واحدة منها لنظام قانوني مختلف. 

ولذلك أصبحت مكافحة تمويل الإرهاب تعتمد بصورة متزايدة على تحليل شبكات الملكية والعلاقات المالية، وليس فقط البحث عن تحويل مالي واحد يحمل اسم منظمة محظورة.

كما أن خطورة هذا النموذج لا تتعلق بالأموال غير القانونية وحدها، بل بإمكانية اختلاط الأموال المشروعة وغير المشروعة داخل شبكة واحدة. 

فوجود نشاط تجاري قانوني لا يعني بالضرورة أن كل الأموال التي تتحرك عبر صاحبه أو شركته مرتبطة بالنشاط غير المشروع، كما أن وجود مؤسسة خيرية لا يعني تلقائيًا أنها واجهة لتمويل الإرهاب. ولذلك تركز الجهات الرقابية على مسارات الأموال، والمستفيد الحقيقي، وطبيعة المعاملات، وعلاقات الأشخاص والكيانات، بدل الاكتفاء بالشكل القانوني للمؤسسة.

وهنا تحديدًا تظهر أهمية مفهوم «الواجهة»، عندما تصبح الصفة القانونية للمؤسسة وسيلة لإخفاء الغرض الحقيقي من بعض التدفقات المالية. وقد أكدت وزارة الخزانة الأمريكية في تحركاتها خلال 2026 أن بعض الشبكات المرتبطة بحماس والإخوان استخدمت ما وصفته بواجهات خيرية وشبكات مالية غير رسمية لنقل الأموال عبر الحدود.

 

الجمعيات الخيرية.. عندما يصبح العمل الإنساني غطاءً لتحريك الأموال

 

العمل الخيري في ذاته ليس مشكلة، بل يمثل جزءًا أساسيًا من النشاط المدني والإنساني في مختلف المجتمعات. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول التبرعات إلى أموال لا تخضع للمراقبة الكافية، أو عندما تُستغل الثقة التي يمنحها الناس للجمعيات في تمرير أموال إلى جهات أو أنشطة مختلفة عن الغرض المعلن. 

ولهذا أصبحت المؤسسات الخيرية في صميم منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، خصوصًا في المناطق التي تنتشر فيها الأزمات الإنسانية وتزداد فيها حملات جمع التبرعات.

وفي مراجعتها لجماعة الإخوان، أشارت الحكومة البريطانية إلى أن الجمعيات كانت جزءًا مهمًا من البنية المرتبطة بالإخوان وحماس في بريطانيا، كما أشارت إلى وجود روابط بين منظمات إخوانية في بريطانيا ونظيراتها الأوروبية.  

ولا تعني هذه الإشارة أن كل جمعية أو مؤسسة خيرية مرتبطة بالإخوان تمارس نشاطًا غير قانوني، لكنها توضح لماذا أصبح القطاع الخيري محل اهتمام أمني ورقابي عندما تتداخل فيه الشبكات التنظيمية والسياسية والمالية.

وتكمن قوة الواجهة الخيرية في قدرتها على الوصول إلى الجمهور بطريقة يصعب أن تحققها المؤسسات السياسية أو التنظيمية المباشرة. فالتبرع للفقراء أو إغاثة المتضررين أو دعم الأسر المحتاجة عناوين تحظى بثقة واسعة، كما أن المشاعر الدينية والإنسانية يمكن أن تجعل المتبرع أقل اهتمامًا بالتفاصيل المتعلقة بالجهة التي ستتلقى الأموال في النهاية. ولذلك فإن أي استغلال لهذا المجال يمكن أن يحول الثقة المجتمعية إلى مصدر قوة مالية مستمرة.

في السياق، تظهر قضية «اتحاد الخير» التي تناولتها دراسات وأبحاث مرتبطة بشبكات حماس والإخوان، باعتبارها مثالًا على كيفية بناء مظلة مالية تجمع أموالًا تحت عناوين إنسانية، ثم إعادة توجيهها عبر شبكة من المؤسسات. ويشير تقرير منشور في 2026 إلى أن الاتحاد نشأ أصلًا من حملة لجمع الأموال، قبل أن يتحول إلى كيان أكثر استدامة، وأن التحقيقات ربطت بين نشاطه الخيري المعلن وبين دعم البنية السياسية والتنظيمية لحماس.

المشكلة إذن ليست في التبرع ولا في العمل الخيري، وإنما في اللحظة التي تصبح فيها المؤسسة الخيرية حلقة ضمن شبكة لا يستطيع المتبرع العادي معرفة مسار أموالها الحقيقي. 

ولهذا فإن الشفافية المالية، وإظهار المستفيد الحقيقي، ومراجعة الحسابات، وتحديد الجهات التي تستقبل الأموال في النهاية، أصبحت عناصر أساسية في الحرب على تمويل التنظيمات المتطرفة.

 

شركات وواجهات وحسابات.. اقتصاد الظل داخل الشبكات العابرة للحدود

 

كلما زادت الرقابة على التحويلات المباشرة، زادت أهمية البحث عن طرق بديلة لنقل الأموال. وهنا تظهر الشركات والواجهات التجارية والحسابات الوسيطة وشبكات الصرافة والتحويلات غير الرسمية كأدوات يمكن استخدامها لإخفاء المصدر أو الوجهة النهائية للأموال. وتوضح وثائق وزارة الخزانة الأمريكية المتعلقة بشبكة ندا ونصر الدين أن السلطات لم تستهدف أفرادًا فقط، وإنما تحركت ضد عدد كبير من الشركات والكيانات المرتبطة بالشبكة، في محاولة لتفكيك البنية التي تسمح للأموال بالتحرك عبر طبقات مختلفة.

وتتكرر الفكرة في ملفات أحدث. ففي تموز / يوليو 2026 قالت وزارة الخزانة الأمريكية إنها استهدفت شركة في تركيا متهمة بتقديم خدمات مصرفية غير رسمية لحماس، بما في ذلك التعاملات النقدية والعملات المشفرة، وأشارت إلى تحويل مئات الآلاف من الدولارات لحساب الشبكة المستهدفة.  

وتكشف هذه الواقعة عن التحول الذي طرأ على أدوات التمويل خلال السنوات الأخيرة، إذ لم يعد التعامل النقدي التقليدي هو الوسيلة الوحيدة، بل دخلت الخدمات المالية غير الرسمية والأصول الرقمية ضمن الأدوات التي تحاول السلطات تعقبها.

وهذا النوع من الشبكات يقوم على مبدأ بسيط لكنه شديد التعقيد في التطبيق: كلما ابتعد المال عن مصدره الأول، أصبح إثبات علاقته بالجهة المستفيدة أكثر صعوبة. فإذا خرج المال من متبرع أو مؤسسة أو شركة، ثم مر عبر عدة حسابات أو كيانات، يصبح من الضروري تتبع سلسلة كاملة من العمليات بدل الاكتفاء بآخر عملية تحويل.

كما أن تعدد الدول يضيف طبقة أخرى من التعقيد. فقد تكون الجهة التي تجمع الأموال في دولة، والحساب المصرفي في دولة ثانية، والشركة الوسيطة في دولة ثالثة، والجهة المستفيدة في دولة رابعة. وهذا ما يجعل التعاون الدولي وتبادل المعلومات المالية أمرًا حاسمًا في تفكيك الشبكات العابرة للحدود.

ولهذا لم تعد الحرب على تمويل الإرهاب مجرد تجميد حسابات، وإنما تحولت إلى معركة تستهدف البنية الاقتصادية نفسها: الشركات، والمصالح التجارية، والأفراد، وشركات الصرافة، والواجهات الخيرية، والحسابات، والمستفيدين الحقيقيين. 

وفي كانون الثاني / يناير 2026 أعلنت الولايات المتحدة إجراءات ضد فرعي الإخوان في مصر والأردن، وقالت وزارة الخزانة إن الهدف كان حرمان الفروع المستهدفة من الموارد التي تمكنها من دعم الإرهاب.

 

يوسف ندا وبنك التقوى.. ملف قديم يكشف جذور المعركة

 

تظل قضية يوسف ندا وبنك التقوى واحدة من أبرز الملفات التي تكشف مبكرًا حجم الاهتمام الدولي بالبنية المالية المرتبطة بالإخوان. ففي نوفمبر 2001 أعلنت الولايات المتحدة استهداف ندا وبنك التقوى، ثم توسعت الإجراءات لاحقًا لتشمل عددًا من الشركات والكيانات المرتبطة بالشبكة. ووفق وزارة الخزانة الأمريكية، كان بنك التقوى قد تأسس في 1988 بدعم مهم من الإخوان، وربطت الوثائق الأمريكية البنك بعمليات مالية قالت إنها خدمت جماعات متطرفة.

أهمية هذا الملف لا تتوقف عند الأشخاص الذين وردت أسماؤهم فيه، وإنما تكمن في النموذج الذي كشفه: المال يمكن أن يتحرك عبر مؤسسة ذات طبيعة تجارية، وأن العلاقات التنظيمية لا تظهر بالضرورة في اسم الشركة أو في طبيعة نشاطها المعلن. ولهذا كان استهداف الشبكة المالية أوسع من استهداف فرد واحد، وشمل شركات وكيانات متعددة اعتُبرت جزءًا من البنية الاقتصادية التي تحيط بالأشخاص المستهدفين.

كما أظهرت القضية أن السلطات الدولية بدأت تنظر إلى الشبكات المالية من زاوية مختلفة؛ فبدل البحث فقط عن تحويلات إلى جماعة إرهابية معروفة، أصبح السؤال هو: من يملك الشركة؟ من يديرها؟ من يستفيد منها؟ ومن يرتبط بها؟ وما الكيانات الأخرى التي تظهر في سلسلة المعاملات؟

وقد أدى هذا التطور إلى جعل «المستفيد الحقيقي» واحدًا من أهم المفاهيم في الرقابة المالية الحديثة. فالشركة التي تبدو مستقلة على الورق قد تكون في الواقع مرتبطة بشخص أو شبكة تمتلك أو تدير عدة كيانات في دول مختلفة. وكلما تمكنت السلطات من كشف هذه الروابط، أصبحت عملية تجميد الأصول وتعطيل التحويلات أكثر فاعلية.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى قضية بنك التقوى باعتبارها محطة مبكرة في معركة طويلة ضد البنية المالية للشبكات العابرة للحدود، وهي معركة لم تنته بإغلاق كيان أو تجميد حساب، وإنما تطورت مع تغير أدوات المال وانتقال النشاط المالي إلى أشكال أكثر تعقيدًا.

 

المال الحرام والإعلام.. تمويل النفوذ لا يقتصر على العمليات المالية

 

الأموال التي تتحرك داخل الشبكات المتطرفة لا تؤدي وظيفة واحدة، فهي قد تمول النشاط التنظيمي المباشر، لكنها تستطيع أيضًا شراء النفوذ وبناء المؤسسات وتمويل الإعلام وتوسيع القدرة على التأثير في الرأي العام.

 وفي حالة الإخوان، يمثل الإعلام أحد المجالات التي تحتاج إلى موارد مستمرة، خصوصًا مع انتشار المنصات الإلكترونية والقنوات والمواقع والحسابات التي تعمل عبر دول متعددة.

فالمنصة الإعلامية تحتاج إلى تمويل مستمر لتغطية الرواتب والإنتاج والتقنيات والتوزيع والإعلانات، كما تحتاج الشبكات السياسية والاجتماعية إلى موارد لتأمين الاجتماعات والفعاليات والمؤسسات والمراكز. ولذلك فإن تفكيك مصادر المال يمكن أن يؤثر في قدرة الشبكة على إعادة إنتاج خطابها ونفوذها، حتى عندما لا تكون الأموال موجهة مباشرة إلى نشاط عنيف.

وتكمن الخطورة في أن المال قد يتحول إلى وسيلة لصناعة بيئة كاملة حول التنظيم: مؤسسات اجتماعية، نشاط دعوي، حضور إعلامي، فعاليات عامة، علاقات مع شخصيات ومراكز، ثم شبكة من المتبرعين والأنصار. وبذلك يصبح التمويل جزءًا من استراتيجية طويلة المدى لبناء النفوذ، وليس مجرد بند مالي في ميزانية تنظيمية.

وهنا يمكن فهم سبب تركيز السلطات في السنوات الأخيرة على «الشبكة» وليس على الحساب البنكي وحده. فالهدف لم يعد فقط منع تحويل مبلغ إلى جهة محددة، بل قطع الروابط التي تسمح للأموال بالانتقال بين أفراد وشركات وجمعيات وواجهات مختلفة.

 وفي تموز / يوليو 2026 قالت الخزانة الأمريكية إن الإجراءات الجديدة كشفت نموذجًا متعدد الطبقات تستخدم فيه جهات مرتبطة بالإخوان وحماس قنوات جمع أموال عابرة للحدود وواجهات خيرية وشبكات مصرفية سرية.

 

2026.. واشنطن تنقل المعركة إلى مستوى جديد

 

اللافت في التطورات الأخيرة أن ملف المال لم يعد قضية تاريخية مرتبطة بما بعد هجمات 11 سبتمبر فقط، بل عاد بقوة إلى المشهد خلال 2026. ففي يناير أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، بالتنسيق مع وزارة الخارجية، إجراءات ضد الفرعين المصري والأردني لجماعة الإخوان، وقالت إنهما قدما دعمًا ماديًا لحماس، وإن واشنطن ستستخدم أدواتها لحرمان الفروع المستهدفة من الموارد.

ثم جاءت إجراءات مايو ويوليو لتوسع نطاق المواجهة، إذ استهدفت الخزانة الأمريكية أفرادًا وكيانات قالت إنهم جزء من شبكات مرتبطة بحماس والإخوان، مع التركيز على جمع الأموال والتحويلات والواجهات الخيرية والخدمات المالية غير الرسمية. 

وفي تموز / يوليو تحديدًا قالت الخزانة إن اثنتين من الجهات المستهدفة كانتا جمعيتين وصفتهما بالواجهتين، وإن الأموال التي جُمعت تحت غطاء مساعدة المدنيين حُولت إلى الجناح العسكري لحماس.

هذه الإجراءات تكشف تحولًا مهمًا في طبيعة المواجهة: لم تعد الدول تنتظر ظهور الأموال في حساب الجهة النهائية، وإنما تحاول تفكيك سلسلة التمويل كاملة، بدءًا من جامع الأموال ووصولًا إلى الوسيط والمستفيد النهائي. 

وهذا يعني أن المؤسسات التي تعمل في المناطق الرمادية بين النشاط التجاري والخيري والسياسي ستواجه رقابة أكبر، خصوصًا إذا ظهرت حولها علاقات مالية أو تنظيمية غير واضحة.

كما أن إدخال العملات الرقمية والخدمات المصرفية غير الرسمية إلى ملفات العقوبات يؤكد أن الشبكات المالية تتغير مع تغير التكنولوجيا. فالأموال التي كان يمكن تتبعها في السابق عبر بنك تقليدي قد تنتقل اليوم عبر وسطاء وشركات صرافة وأنظمة دفع وأصول رقمية، ما يفرض على أجهزة الرقابة تطوير أدواتها باستمرار.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية