اليمين الأوروبي وورقة الهجرة بعد حادثة سبتة

اليمين الأوروبي وورقة الهجرة بعد حادثة سبتة

اليمين الأوروبي وورقة الهجرة بعد حادثة سبتة


17/08/2026

غافين إسلر، ذي ناشيونال، 11 آب/أغسطس 2026

ترجمة محمد الدخاخني

 

للصيف البريطاني تقاليده، بعضها مبهج، وبعضها الآخر ليس كذلك. وتُعَدُّ مباريات التنس في منطقة ويمبلدون متعة حقيقية. أمّا التقليد الجديد المتمثل في نقص المياه خلال الصيف وحظر استخدام خراطيم المياه في الحدائق نتيجةً للجفاف، فهو غير مُرحَّب به.

ومن التقاليد الأخرى المرتبطة بالطقس هدوء البحر في الصيف. وهذا يعني أننا نتوقع على الساحل الإنجليزي الزيادة السنوية في عدد قوارب المهاجرين الصغيرة التي تعبر من فرنسا. ولذلك، يُعَدُّ الصيف أيضاً الوقت الذي تُنظِّم فيه الجماعات المناهضة للهجرة مظاهراتها التقليدية، ويلجأ بعض مثيري الشغب فيها إلى العنف.

في الأيام القليلة الماضية أخلَّ متظاهرون مناهضون للهجرة بالأمن في بلدة ثيتفورد التجارية في نورفولك، حيث هتفوا "نريدهم أن يرحلوا"، وحاولوا اقتحام أماكن إقامة يُعتقد أنّها لطالبي لجوء. وأُفيد بأنّ ضابط شرطة تَعرَّض لـ "عضة خطيرة" خلال أعمال الشغب. واعتُقل خمسة عشر شخصاً على الأقل، مع العلم أنّ بريطانيا ليست وحدها التي تواجه احتمالية حدوث اضطرابات مدنية، وقلق عام، وردود فعل سياسية سلبية تجاه المهاجرين هذا الصيف.

تُعَدُّ حالة سبتة، الجيب الإسباني على ساحل شمال أفريقيا، المثال الأبرز، إذْ هزَّت تداعياتها السياسية عواصم أوروبية من مدريد إلى روما وكوبنهاغن وغيرها. لقد عبر من المغرب نحو اثنين وسبعين ألف شخص - وتشير بعض التقديرات إلى أعداد أكبر - الحدود شديدة التحصين إلى سبتة، ساعين على ما يبدو للوصول إلى أوروبا. خاطر هؤلاء المهاجرون المحتملون بحياتهم بالسباحة حول الساحل أو بمحاولة تسلق الأسوار الضخمة التي تفصل المغرب عن الأراضي الإسبانية.

ما يزال سبب هذا التدفُّق غير واضح، لكنّ الأزمة الدبلوماسية والإنسانية الناجمة عنه أثَّرت على كل شيء، بدءاً من مباريات كرة القدم الودية المخطط لها وصولاً إلى تماسك الاتحاد الأوروبي. فنادي برشلونة الإسباني ألغى مباراته الودية التحضيرية للموسم الجديد في المغرب مع نادي طنجة.

وانتقدت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، تعامل إسبانيا مع هذا الغزو الإقليمي. وفرضت حكومة ميلوني تشديداً مؤقتاً على الحدود على أمل منع المهاجرين الذين يصلون إلى إسبانيا من دخول إيطاليا من دون الخضوع للتفتيش الحدودي. وبموجب اتفاقية شنغن، يتمتع الاتحاد الأوروبي عموماً بحرية التنقل عبر حدوده.

وخلال قمة قادة الاتحاد الأوروبي في حزيران/يونيو انتقدت ميلوني حكومة مدريد لسماحها لنصف مليون مهاجر غير شرعي بالبقاء في إسبانيا، مع إمكانية عبورهم الحدود من دون رقابة إلى أيّ دولة أخرى في منطقة شنغن. وفي المقابل، انتقدت إسبانيا إيطاليا لتقاعسها عن كبح الهجرة غير النظامية، التي بلغت أعداد المهاجرين فيها ضعف أعداد المهاجرين في إسبانيا.

وبعيداً عن هذا الخلاف الدبلوماسي المؤسف، صَرَّح وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، بأنّ سبعين ألفاً من أصل اثنين وسبعين ألف مهاجر وصلوا إلى سبتة أُعيدوا إلى المغرب.

وما يزال مصير الألفي مهاجر المتبقين، الذين يُفترض أنّهم ما زالوا على الأراضي الإسبانية، مجهولاً. وتشير التقارير إلى إرسال بعض الأطفال إلى البر الرئيس الإسباني، بينما يُقدَّر عدد المهاجرين الذين غرقوا في البحر بنحو خمسة وسبعين مهاجراً.

ومن الواضح أنّ الهجرة غالباً ما تزداد في فصل الصيف، وقد أحدثت تغييراً جذرياً في السياسة الأوروبية، بدءاً من بلدة ثيتفورد الإنجليزية الصغيرة وصولاً إلى العواصم الأوروبية الكبرى.

خلال أزمة الهجرة عام 2015 رحَّبت الحكومات الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا، بأكثر من مليون نازح. وقالت المستشارة الألمانية آنذاك، أنجيلا ميركل، قولتها الشهيرة: "نستطيع فعلها!". أمّا اليوم، فيبدو أننا عاجزون عن ذلك.

شَهِدَت السياسة في أوروبا تحولاتٍ تتماشى مع الرأي العام. فقد شَدَّدت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميتي فريدريكسن، المنتمية إلى يسار الوسط، سياسة بلادها تجاه طالبي اللجوء بشكلٍ ملحوظ. ودفعت المخاوف المعادية للمهاجرين بين الناخبين حتى الأحزاب السياسية الأوروبية الوسطية تقليدياً إلى تبنِّي بعض الأفكار والقيود التي أشاعها سابقاً اليمين أو اليمين المتطرف.

وأشار "معهد سياسات الهجرة" في واشنطن إلى تصاعد الاضطرابات المعادية للمهاجرين والبلطجة في أوروبا خلال أزمة اللاجئين 2015-2016، وأنّ هذه العوامل تشهد "عودة قوية في العديد من البلدان" خلال العامين الماضيين. ويذكر تقرير وزارة الصناعات الأولية أنّه في المملكة المتحدة "شهد صيف عام 2024 سلسلة من أعمال الشغب والمظاهرات أمام الفنادق التي تؤوي طالبي اللجوء".

وفي إسبانيا، شهدت مدينة توري باتشيكو عدة ليالٍ من أعمال الشغب في تموز/يوليو 2025، حيث نظم متشددون من اليمين المتطرف هجمات جماعية رداً على اعتداء على شخص مسن، يُزعم أنّ منفذيه من أصول شمال أفريقية.

وبالنظر إلى مجمل أحداث العنف في بلدة صغيرة في نورفولك، واضطرابات سبتة، والغضب السياسي العارم في العواصم الأوروبية، يتضح مدى الصعوبة البالغة التي تواجهها الحكومات في تأمين حدودها الوطنية، مع السيطرة في الوقت نفسه على نشطاء اليمين المتطرف والمحرضين والسياسيين عديمي الضمير، ممّا يزيد من حدة التوتر السياسي خلال هذا الصيف الأوروبي الحار.

إنّ نمط الحياة الأوروبي المستقر نسبياً، والازدهار، وفرص العمل، كلها عوامل جاذبة بلا شك لأولئك الذين يعيشون في الدول النامية ويسعون إلى الأمان وإلى مستوى معيشي أفضل. هذا هو عامل الجذب للهجرة. أمّا عوامل الطرد فتشمل الحروب المستمرة في الشرق الأوسط والسودان وغيرها، بالإضافة إلى تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري، والرغبة الفطرية في العيش بأمان.

قد لا يكون أولئك الذين خاطروا بحياتهم في سبتة أو عبروا القناة الإنجليزية في قوارب صغيرة موضع ترحيب، لكنّهم غالباً ما يكونون يائسين، وليسوا غير عقلانيين. ومن الطبيعي أن يكون على السياسيين واجب تأمين حدودهم الوطنية، لكنّ الأوروبيين بشكل جماعي يحتاجون أيضاً إلى التفكير في مدى اليأس الذي يدفع الناس إلى المخاطرة بحياتهم في البحر.

المصدر:

https://www.thenationalnews.com/opinion/comment/2026/08/11/migrants-refugees-uk-europe-eu-spain-italy-ceuta-norfolk/




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية