صراع الجهاديين على الأرض والمال.. كيف أعاد داعش وبوكو حرام تشكيل خريطة الإرهاب في أفريقيا؟

صراع الجهاديين على الأرض والمال.. كيف أعاد داعش وبوكو حرام تشكيل خريطة الإرهاب في أفريقيا؟

صراع الجهاديين على الأرض والمال.. كيف أعاد داعش وبوكو حرام تشكيل خريطة الإرهاب في أفريقيا؟


29/09/2026

لم تعد الجماعات الجهادية في أفريقيا تتحرك داخل مشهد ثابت تتحدد فيه خطوط المواجهة بين التنظيمات المسلحة والدول فقط، إذ أفرز تمدد هذه الجماعات وتشعب شبكاتها واقعًا أكثر تعقيدًا، باتت فيه التنظيمات نفسها طرفًا في صراعات على النفوذ والموارد ومصادر التمويل والمقاتلين، وفي مناطق تعاني أصلًا من هشاشة أمنية واقتصادية، يتحول الفراغ إلى فرصة تتنافس عليها التنظيمات المسلحة بقدر ما تتنافس على الأرض.

وتقدم منطقة حوض بحيرة تشاد نموذجًا واضحًا لهذا التحول، بعدما خرج التنافس بين جماعة «بوكو حرام» وتنظيم «داعش غرب أفريقيا» من حدود الخلافات التنظيمية والأيديولوجية، ليتحول تدريجيًا إلى مواجهة على المناطق الاستراتيجية ومصادر الدخل وطرق التجارة والتهريب ومجتمعات الصيد والزراعة والرعي. 

ومع تجدد الاشتباكات بين الطرفين خلال الربع الأول من عام 2026، أصبح الصراع الداخلي بين الجماعات الجهادية نفسه عاملًا إضافيًا في تعقيد البيئة الأمنية. 

ولا تكمن خطورة هذا التنافس في سقوط ضحايا جدد فحسب، وإنما في قدرته على إعادة إنتاج النشاط المسلح. فكل مواجهة بين التنظيمات قد تنتهي بإعادة توزيع المقاتلين والأسلحة والمناطق، وكل فراغ تتركه جماعة تحاول أخرى ملأه، بينما تستمر مصادر التمويل غير المشروع في توفير القدرة على التجنيد والحركة وشن الهجمات.

 ومن هنا تكتسب دراسة «تريندز للبحوث والاستشارات» أهمية خاصة، لأنها تتتبع جذور الانقسام بين الطرفين، وتبحث في العوامل التي حولت الخلاف إلى صراع مفتوح، ثم ترصد انعكاساته على الأمن النيجيري والإقليمي. 

 

انقسام داخل الحركة الجهادية

 

تعود جذور «بوكو حرام» إلى عام 2002، عندما تأسست في نيجيريا بقيادة محمد يوسف، قبل أن تدخل مرحلة مختلفة بعد المواجهات مع قوات الأمن عام 2009 ومقتل مؤسسها أثناء الاحتجاز. عندها انتقلت الجماعة إلى مرحلة أكثر عنفًا بقيادة أبوبكر شيكاو، لتتحول تدريجيًا إلى واحدة من أبرز الجماعات المسلحة في شمال شرق نيجيريا. 

وفي عام 2015، أعلنت الجماعة مبايعتها لتنظيم داعش، في خطوة حملت اسم «ولاية غرب أفريقيا» إلى واجهة المشروع الجهادي المرتبط بالتنظيم الدولي. لكن البيعة لم تضع حدًا للخلافات الداخلية، بل سرعان ما ظهرت التباينات حول القيادة وطريقة إدارة الجماعة وطبيعة العمليات التي تنفذها.

كان الخلاف حول أسلوب شيكاو في التعامل مع الخصوم والمدنيين من أبرز نقاط التوتر. وتشير الدراسة إلى أن نهجه شمل تكفير مسلمين يعارضونه، واستهداف المدنيين، واختطاف النساء والفتيات والأطفال، فضلًا عن استخدام الخطف للحصول على الفدية. 

في المقابل، سعى أبو مصعب البرناوي إلى تبني نهج مختلف، يقوم بصورة أكبر على استهداف القوات الحكومية والمؤسسات الأمنية وتقليص الاعتداء على المسلمين، في محاولة لاستعادة الدعم المحلي الذي تراجع نتيجة ممارسات شيكاو. 

وهكذا لم يعد الخلاف مجرد صراع على القيادة، بل أصبح انقسامًا داخل الحركة الجهادية نفسها حول أدوات السيطرة ومجالات الاستهداف وكيفية بناء النفوذ. ومع مرور الوقت، أخذ كل طرف يبحث عن مساحة مستقلة، وعن موارد تضمن استمراره، وعن مقاتلين قادرين على تعزيز قوته.

 

من الانشقاق إلى حرب النفوذ

 

كان عام 2016 نقطة تحول في العلاقة بين الطرفين، إذ أصبح الانقسام التنظيمي واقعًا ميدانيًا، وتنافس «بوكو حرام» و«داعش غرب أفريقيا» على تثبيت وجودهما داخل حوض بحيرة تشاد والمناطق المحيطة به. ولم يعد الهدف مواجهة الحكومة النيجيرية فقط، بل أصبح إضعاف الطرف الجهادي المنافس جزءًا من المعركة ذاتها. 

وتمنح الطبيعة الجغرافية لحوض بحيرة تشاد وغابة سامبيسا أهمية استثنائية لهذا الصراع. فالجزر والمستنقعات والممرات المائية والمناطق التي يصعب إخضاعها للرقابة وفرت بيئة تساعد التنظيمات المسلحة على الحركة وإعادة التموضع.

 وفي الوقت نفسه، فإن السيطرة على مناطق الصيد والزراعة والرعي وطرق التجارة والتهريب تعني السيطرة على موارد مالية ولوجستية يمكن تحويلها إلى قدرة عسكرية.

لهذا السبب، أصبح الصراع على الجغرافيا صراعًا على الاقتصاد أيضًا. فالموقع الذي يمنح التنظيم قدرة أكبر على الحركة قد يوفر له في الوقت نفسه موارد مالية، بينما تمنحه السيطرة على طرق التهريب أو مناطق النشاط الاقتصادي قدرة على فرض الإتاوات وتحصيل الأموال. وتتحول المناطق الريفية والنائية بذلك إلى ساحات تجمع بين القتال والجباية والتجنيد وإدارة الموارد.

وقد بلغ الصراع مرحلة أكثر حدة في عام 2021، عندما تمكن مقاتلو «داعش غرب أفريقيا» من محاصرة أحد معاقل شيكاو، وانتهت المواجهة بمقتل الأخير بعدما رفض التخلي عن القيادة ومبايعة الطرف المنافس. وبعد ذلك تمكن داعش من السيطرة على معاقل تابعة لـ«بوكو حرام» والاستحواذ على أسلحة واستقطاب عدد من مقاتليها، في تطور عزز موقعه داخل المشهد الجهادي النيجيري. 

 

المال.. وقود الحرب بين التنظيمين

 

يكشف الصراع بين التنظيمين أن استمرار النشاط الجهادي لا يرتبط بالخطاب الأيديولوجي وحده. فالأرض التي توفر الغذاء والحركة وممرات التجارة يمكن أن تتحول إلى مصدر قوة، والمجتمعات المحلية قد تصبح هدفًا للابتزاز، بينما يتحول الاختطاف إلى وسيلة تمويل واستقطاب في الوقت نفسه.

وتشير الدراسة إلى اعتماد «بوكو حرام» على مصادر متعددة للدخل، بينها الخطف مقابل الفدية والابتزاز وفرض الإتاوات والضرائب على السكان وأصحاب الأنشطة الاقتصادية، إضافة إلى التهريب والتجارة غير المشروعة والاستفادة من شبكات الجريمة المنظمة. ومع وجود تنظيم منافس يسعى إلى السيطرة على المناطق ذاتها، يصبح الاستحواذ على هذه الموارد جزءًا أساسيًا من المعركة بين الطرفين. 

وهنا تتضح إحدى أهم نتائج الدراسة: التنافس الجهادي لم يعد مجرد منافسة على «الشرعية» داخل الحركة المتطرفة، وإنما تحول إلى اقتصاد حرب متكامل. فالمقاتلون يمثلون موردًا بشريًا، والأرض موردًا جغرافيًا، والتهريب والابتزاز والخطف موارد مالية، بينما تمنح السيطرة على هذه العناصر التنظيم قدرة أكبر على الاستمرار.

وتزداد خطورة هذا النموذج حين تتقاطع مصالح الجماعات المسلحة مع شبكات الجريمة المنظمة، حيث أصبحت الحدود بين الإرهاب والجريمة أكثر ضبابية عندما يستخدم التنظيم مهربين لتأمين احتياجاته، أو ينخرط عناصره في السرقة والنهب والاقتصاد غير المشروع. 

وفي هذه الحالة، لا تواجه الدولة تنظيمًا إرهابيًا منفصلًا عن بقية مظاهر الجريمة، وإنما شبكة متداخلة من مصادر التهديد. 

 

داعش وبوكو حرام.. وجهان لتهديد واحد؟

 

رغم أن الطرفين ينتميان إلى البيئة الجهادية نفسها، فإن أساليب عملهما لم تكن متطابقة. فقد حافظت «بوكو حرام» على نمط أكثر عشوائية في استخدام القوة، مع استمرار استهداف المدنيين وفرض الإتاوات واللجوء إلى الخطف والعمليات الانتحارية.

 أما «داعش غرب أفريقيا» فركز بصورة أكبر على المواقع والقوات العسكرية والأمنية، وطوّر أدواته العملياتية، من بينها استخدام المسيّرات في المراقبة وجمع المعلومات. 

ولم يقتصر اختلاف الطرفين على الجانب العسكري، إذ سعى داعش أيضًا إلى تقديم نفسه باعتباره قادرًا على أداء بعض وظائف الحكم المحلي، من خلال إقامة العدل وتقديم خدمات للمجتمعات التي يفرض نفوذه عليها. وتفسر الدراسة هذا التوجه باعتباره جزءًا من استراتيجية بناء النفوذ، وليس مجرد اختلاف في أساليب القتال.

لكن اختلاف الأدوات لم يمنع الطرفين من استغلال الظروف ذاتها: الفقر، والهشاشة الأمنية، وضعف الخدمات، والتوترات المحلية. فهذه البيئة توفر أرضية للتجنيد، سواء بالقوة أو من خلال تقديم الحماية أو استغلال حاجات السكان.

وتشير الدراسة إلى أن التجنيد ظل أحد أهم مصادر استمرار التنظيمات المسلحة، خصوصًا مع حاجتها إلى تعويض الخسائر البشرية. 

كما استفاد داعش من الانقسامات داخل «بوكو حرام» لاستقطاب مقاتلين من الفصيل المنافس، وهو ما أتاح له تعزيز موارده البشرية بعد مقتل شيكاو.

 

الاختطاف.. من الجريمة إلى اقتصاد العنف

 

لم يعد الاختطاف في هذه البيئة مجرد وسيلة لفرض الخوف، بل تحول إلى أداة متعددة الوظائف. فالفدية توفر المال، والمختطفون قد يتحولون إلى أدوات للتجنيد أو لتنفيذ عمليات انتحارية، بينما يؤدي انتشار الخطف إلى ضرب النشاط الاقتصادي وإجبار السكان على النزوح وإغلاق المؤسسات الحيوية.

وتبرز المدارس بصورة خاصة في هذا السياق، إذ أدى تصاعد الخطر إلى فرار المعلمين والطلاب وتعطل العملية التعليمية في مناطق متضررة. وهكذا تنتقل آثار العنف من ساحات المواجهة إلى الحياة اليومية للسكان، لتطال التعليم والعمل والتنقل والاستقرار الاجتماعي. 

والأخطر أن اقتصاد الخطف يغذي نفسه بنفسه: الأموال الناتجة عن الفدية يمكن أن تمول عمليات جديدة، والعمليات الجديدة تنتج بدورها مزيدًا من الضحايا ومصادر دخل إضافية. بذلك يصبح العنف وسيلة لإنتاج الموارد التي تسمح باستمرار العنف.

 

خريطة أمنية أكثر تعقيدًا

 

أدت المنافسة بين «بوكو حرام» و«داعش غرب أفريقيا» إلى إعادة توزيع مناطق النفوذ، لكنها في الوقت نفسه وسعت نطاق التهديد. فقد أدى تمدد داعش بعد تراجع منافسه إلى توسيع النشاط نحو مناطق أخرى في نيجيريا، فضلًا عن المناطق الحدودية المرتبطة بتشاد والنيجر والكاميرون.

وأمام هذا الواقع، أصبحت السلطات النيجيرية أمام أكثر من مصدر للتهديد في وقت واحد: جماعات جهادية تتنافس فيما بينها، وشبكات تهريب وجريمة منظمة، ومناطق حدودية واسعة يصعب ضبطها، ومجتمعات محلية تعاني من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

ولا يؤدي اقتتال التنظيمات بالضرورة إلى إضعاف الإرهاب. فالمواجهة قد تنتهي بخسارة أحد الأطراف منطقة أو مقاتلين، لكنها قد تمنح الطرف الآخر فرصة للاستحواذ على الأسلحة والموارد والعناصر البشرية وإعادة الانتشار في مناطق جديدة. ولذلك ترى الدراسة أن الصراع بين الطرفين أسهم، paradoxically، في إعادة تشكيل التهديد الجهادي بدل القضاء عليه. 

 

مستقبل الصراع.. داعش يتقدم وبوكو حرام تتراجع

 

تخلص الدراسة إلى أن التنافس بين الطرفين مرشح للاستمرار، خصوصًا مع استمرار الصراع على الموارد ومصادر التمويل والمناطق ذات القيمة الاستراتيجية. وفي تقديرها، يمتلك «داعش غرب أفريقيا» عناصر تساعده على التوسع واستقطاب المقاتلين مقارنة بـ«بوكو حرام»، التي تواجه تراجعًا نسبيًا بعد خسارة عدد من معاقلها ومقتل شيكاو. 

غير أن تقدم تنظيم على حساب آخر لا يعني انحسار التهديد. فانتقال المقاتلين والأسلحة والموارد بين الجماعات قد يعيد إنتاج الخطر في صورة مختلفة، بينما يسمح اتساع النشاط عبر الحدود بانتقال التداعيات من شمال شرق نيجيريا إلى دول أخرى في حوض بحيرة تشاد.

وفي النهاية، تضع الدراسة الصراع بين «بوكو حرام» و«داعش غرب أفريقيا» داخل صورة أوسع: الإرهاب في المنطقة لم يعد مجرد مواجهة بين دولة وتنظيم، بل بات شبكة متحركة تتداخل فيها الأيديولوجيا مع الاقتصاد غير المشروع، ويتقاطع فيها التجنيد مع الهشاشة الاجتماعية، وتتداخل فيها الجغرافيا مع مصادر التمويل. وهذا التشابك هو ما يجعل احتواء التهديد أكثر صعوبة، ويحوّل المنافسة بين التنظيمات الجهادية نفسها إلى عامل إضافي في إطالة أمد عدم الاستقرار في نيجيريا وحوض بحيرة تشاد. 



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية