
برزت قضية الأسلحة الكيميائية باعتبارها واحدة من أخطر الملفات التي تواجه قيادة الجيش السوداني. وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت في أيار/مايو 2025 أنّها خلصت إلى أنّ الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وفرضت على السودان عقوبات وقيوداً اقتصادية إضافية. لكنّ التفاصيل التي كشفتها "نيويورك تايمز" كانت أكثر فداحة، فقد كشفت عن وثائق وصور ومقاطع فيديو ورسائل تقول إنّها توثق برنامجاً لإنتاج قنابل محملة بالكلور، وتخزين ذخائر كيميائية واختبارها، فضلاً عن تحويل شحنات كلور كانت مخصصة لتنقية مياه الشرب.
وأوضحت أنّ خبراء في الأسلحة والأدلة الرقمية ومسؤولين استخباراتيين غربيين راجعوا المواد واعتبروها مؤشرات ذات مصداقية على وجود برنامج كيميائي، مع التشديد على أنّ التحقق الميداني المباشر يظل ضرورياً للوصول إلى نتيجة حاسمة.
في المقابل، تنفي الحكومة السودانية الاتهامات، وتؤكد أنّ مخزونات الكلور الموجودة في البلاد مخصصة للاستخدامات المدنية، وتقول إنّها دعت واشنطن إلى إرسال فريق فني للتحقق من هذه المزاعم ميدانياً.
تطور نوعي في المواجهة العسكرية
في حديثه لـ "حفريات" يرى المحلل السياسي السوداني محمد المختار محمد أنّ التحقيق الذي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" بشأن البرنامج الكيميائي للجيش السوداني يمثل تطورًا نوعيًا في فهم طبيعة إدارة الحرب من جانب سلطة بورتسودان وقيادة الجيش، معتبرًا أنّ ما كشفه التحقيق يتجاوز مجرد تقديم معلومات عن حيازة أسلحة كيميائية، إلى إلقاء الضوء على بنية القرار السياسي والعسكري التي تحكم إدارة الصراع.
ويقول محمد إنّ أهمية التحقيق تكمن بصورة خاصة في الأدلة التي تربط البرنامج الكيميائي بمستويات عليا في قيادة الجيش، بعدما كشفت المراسلات والرسائل النصية التي اطلعت عليها الصحيفة عن علم ومتابعة مباشرين من قائد الجيش عبد الفتاح البرهان لبرنامج تطوير الذخائر الكيميائية.
ويضيف أنّ التحقيق كشف كذلك تفاصيل عن المسؤول عن المشروع ومراحل تطويره، مشيرًا إلى ورود اسم العميد طارق حسين باعتباره من القائمين على البرنامج، فضلًا عن وثائق وصور ومخططات تشرح كيفية تعديل أسطوانات الكلور وتحويلها إلى ذخائر تجمع بين التأثير الانفجاري والغاز الخانق، بما يعقد عملية رصد طبيعة السلاح المستخدم عقب الانفجار.
وبحسب محمد، فإنّ أحد أكثر جوانب التحقيق خطورة يتمثل في الكشف عن استغلال موارد مخصصة للخدمات المدنية في النشاط العسكري، ولا سيّما الحصول على أسطوانات الكلور المخصصة لمعالجة مياه الشرب، التي وفرتها جهات ومنظمات إنسانية لمواجهة تفشي الكوليرا. ويرى أنّ تحويل هذه المواد من الاستخدام الإنساني إلى أغراض عسكرية، إذا ثبتت الوقائع التي أوردها التحقيق، يعكس نمطًا من الاستخدام المزدوج للموارد المدنية بما يخدم المجهود الحربي.
ويشير المحلل السياسي السوداني إلى أنّ التحقيق لم يتوقف عند آليات تطوير السلاح، بل تناول أيضًا ما وصفه بمحاولات إخفاء آثاره بعد العقوبات الأمريكية، من خلال توجيه تعليمات للتخلص من الأدلة وتشكيل لجنة تحقيق داخلية انتهت إلى نفي وجود ترسانة كيميائية، في وقت كان أحد المشاركين في تطوير البرنامج، وفق ما أورده التحقيق، ضمن اللجنة التي تولت التحقيق فيه.
وأردف أنّ هذه المعطيات تفتح الباب أمام نقاش أوسع بشأن طبيعة العقيدة العسكرية والسياسية التي تحكم إدارة الحرب من جانب الجيش والكتائب الإسلامية المتحالفة معه. ويقول إنّ استخدام الأسلحة الكيميائية، وفق الرواية التي تستند إليها الأدلة الواردة في التحقيق، لم يكن منفصلًا عن تطورات الميدان، بل جاء في سياق تعثر العمليات العسكرية التقليدية في بعض المناطق، ومحاولات الجيش والقوات المتحالفة معه استعادة مواقع استراتيجية، بينها مصفاة الجيلي ومناطق في الخرطوم.
ويضيف أنّ اللجوء إلى وسائل غير تقليدية، وفق هذا التصور، يمكن فهمه في إطار السعي إلى تغيير موازين القوة ميدانيًا عندما لا تحقق العمليات البرية التقليدية النتائج المطلوبة، بما يفرض كلفة إنسانية كبيرة على المناطق المأهولة والسكان المدنيين.
تداخل المجال الإنساني مع المجهود العسكري
وفي السياق ذاته، يلفت محمد إلى أنّ استخدام مواد مخصصة لمعالجة مياه الشرب يطرح، في حال ثبوتها، مسألة أكثر اتساعًا تتعلق بتداخل المجال الإنساني مع المجهود العسكري. ويعتبر أنّ توظيف موارد وصلت إلى السودان في إطار الاستجابة الإنسانية للاحتياجات المدنية في أغراض قتالية يمثل تجاوزًا بالغ الخطورة، لأنّه يحول المساعدات والخدمات الأساسية إلى جزء من منظومة الحرب.
ويرى المحلل السوداني أنّ التحقيق يضع سياسة الإنكار التي اتبعتها قيادة الجيش أمام اختبار جديد، معتبرًا أنّ استمرار نفي الاتهامات لن يكون كافيًا في ظل تراكم الوثائق والمعلومات التي تتطلب، من وجهة نظره، تحقيقًا دوليًا مستقلًا وآليات تحقق ميدانية.
ويقول إنّ نمط التعامل مع الضغوط الدولية اتسم، بحسب تقديره، بالإنكار والاعتماد على الوعود وتشكيل لجان داخلية، في مقابل استمرار الإجراءات التي تهدف إلى حماية القدرات العسكرية ومصادر القوة التي تعتمد عليها سلطة بورتسودان. ويضيف أنّ هذا النهج يعكس، في رأيه، محاولة لاحتواء الضغوط الخارجية من دون تقديم تنازلات جوهرية بشأن إدارة الحرب أو أدواتها.
ويربط المحلل السياسي السوداني في حديثه الخاص لـ "حفريات" بين ذلك وبين الموقف الأمريكي من دعوة عبد الفتاح البرهان لزيارة السودان، معتبرًا أنّ عدم الاستجابة الأمريكية للدعوة يعكس، من وجهة نظره، تحولًا في مقاربة واشنطن تجاه قيادة الجيش السوداني. ويرى أنّ الإدارة الأمريكية باتت تتعامل مع البرهان باعتباره طرفًا أساسيًا في معادلة الأزمة، وليس بالضرورة بوصفه مدخلًا كافيًا للحل، خصوصًا في ظل ما يصفه باستمرار رفض قيادة الجيش لمبادرات وقف الحرب والضغوط الرامية إلى دفع الأطراف نحو تسوية سياسية.
ويشير إلى أنّ هذا التحول تزامن، بحسب تقديره، مع تصعيد الاهتمام الأمريكي بملف الأسلحة الكيميائية، إلى جانب العقوبات والضغوط السياسية المرتبطة بالحرب السودانية، معتبرًا أنّ واشنطن باتت تربط بين مسار التسوية السياسية وبين معالجة مصادر القوة العسكرية التي تسمح باستمرار الصراع.
ويضع المصدر ذاته تنامي النفوذ الإيراني في السودان ضمن العوامل التي يقول إنّها تثير اهتمام واشنطن، مشيرًا إلى ما ورد في تقارير ودراسات عن الدعم العسكري الإيراني للجيش السوداني، ونقل الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية، فضلًا عن الروابط التي تناولتها تقارير أخرى بين شبكات إيرانية وجماعة الإخوان.
الإخوان وشبكة المصالح المرتبطة بالجيش السوداني
يبرز في هذا السياق تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية وكتيبة "البراء بن مالك"، إلى جانب العقوبات المفروضة على شخصيات وشركات مرتبطة بالتمويل العسكري واقتصاد الحرب مع ملف الكيميائي الذي يؤزم الأوضاع في الداخل ومع الولايات المتحدة. ويأتي الضغط الأمريكي في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية لتجفيف مصادر تمويل الحرب، وفي مقدمتها تجارة الذهب، ووقف تدفق الأسلحة إلى الطرفين، وإنهاء الصلات العضوية مع القوى الإسلامية والارتباطات أو بالأحرى الارتهان إلى إيران.
وبذلك، فإنّ واشنطن لا تواجه الجيش السوداني بوصفه مؤسسة عسكرية فحسب، وإنّما تضغط على شبكة المصالح التي تحيط به، هذه الشبكة التي تعمل واشنطن على تقويضها تتضمّن الإسلاميين، والشركات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية، ومصادر التمويل، وعمليات شراء السلاح، والتعاون مع إيران.
ويخلص إلى أنّ الحرب السودانية أنتجت واقعاً جديداً أعاد الإسلاميين إلى قلب المشهد السياسي والعسكري، بعد أن أطاحت ثورة 2019 بنظام البشير. لكنّ عودتهم لم تكن عبر المؤسسات السياسية وحدها، بل عبر الميدان العسكري واقتصاد الحرب. فقد وفرت التشكيلات الإسلامية مقاتلين وشبكات تنظيمية للجيش، ووفرت الحرب لهذه الشبكات فرصة لاستعادة نفوذها وإعادة بناء حضورها داخل الدولة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_27.jpg.webp?itok=_ocAvSsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_1_0_4.jpg.webp?itok=Esh5pYaZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_128.jpg.webp?itok=fDrYEUqG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%AF%D8%B3_8_0_3.jpg.webp?itok=7SaZ6gk3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_4.jpg.webp?itok=1MF1PT54)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_1.jpg.webp?itok=rOHFaiJh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A70.jpg.webp?itok=y7CV8HjD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_7.jpg.webp?itok=k-oSOrYJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%8611_0.jpg.webp?itok=rKR18f3Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B1%D8%B6%D8%A7%D9%88%D9%8A_15_0_0_4.jpg.webp?itok=6X3JWcbO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D9%86%D8%AF.png.webp?itok=pxUkFuXY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_5.jpg.webp?itok=ay3bIxpD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_29.jpg.webp?itok=8UXP-Yn-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%861_1.jpg.webp?itok=lknizKOA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9_6.jpg.webp?itok=W3HmVWTo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A7_0.jpg.webp?itok=1stAAPiH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%860_0.jpg.webp?itok=fJUvVYE5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B0%D8%A7%D8%A1.png.webp?itok=9xetE5LR)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%86.jpg.webp?itok=6NR9l7ZM)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_20.png.webp?itok=1CULT9B4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_4.jpg.webp?itok=hVI6UEOO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%AA%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=Kmx-TQ6p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_3.jpg.webp?itok=zyIAiQBd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0_1.jpg.webp?itok=lu1dAWax)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)