
في سياقات عديدة ومراحل زمنية مختلفة طُرحت سرديات مثل "نهاية الإسلام السياسي"، و"ما بعد الإسلام السياسي"، واختلف الباحثون والمهتمون بهذا الشأن حول مدى قدرة هذه التنظيمات الممثلة للإسلام السياسي على الاستمرار من عدمه بعدما تعرضت عبر مسارها الطويل للعديد من الأزمات والإخفاقات والضربات الأمنية التي كان لها دور في إبعاد بعضها عن المشهد السياسي والدعوي لسنوات، لكنّ الواقع يكشف عن حقيقة مفادها أنّ تلك التنظيمات قادرة على الاستمرار بشكل أو بآخر، حتى وإن غاب الجسد التنظيمي لفترة من الزمن؛ فإنّ أفكاره تبقى رائجة ومؤثرة وقادرة على إعادة إنتاجه مرة أخرى سواء في الصورة نفسها أو في صور أخرى.
هذا الأمر يطرح سؤالًا رئيسيًا هو: كيف تستطيع هذه التنظيمات أن تستمر رغم كل ما يحدث لها من أزمات وما تواجهه من تحديات، ورغم كل ما يحدث من تغيرات في الواقع، من أين تستمد العناصر التي تغذيها وتبقيها على قيد الحياة؟
يمكننا هنا الحديث عن خمسة روافد أساسية تمدّ هذه التنظيمات بالحياة وتساعدها على الاستمرار والبقاء.
الواقع المأزوم
لا تنطلق التنظيمات الدينية في الأساس من أفكار ورؤى معينة تسعى إلى تطبيقها على الواقع الذي تعيشه، لكنّ هذا الواقع هو ما يسهم في استدعاء تلك الأفكار، وهو ما يسمح بتطبيقها عليه، ولا يعني هذا بالضرورة صحة هذا الاستدعاء والتطبيق، فتوصيف الواقع حسب رؤية هذه التنظيمات يسهم بدرجة كبيرة في قدرتها على ذلك.
يأتي إسهام الواقع في إنتاج أفكار التنظيمات وفي إسهامها في قدرتها على الاستمرار والبقاء في البداية من توصيف هذه التنظيمات للواقع، حيث ترى أنّ المجتمعات قد ابتعدت عن الإسلام وأنّ الشريعة غائبة وأنّ الأنظمة الحاكمة والتيارات الفكرية الأخرى تحاربه وتسعى إلى القضاء عليه؛ ومن ثم يصبح وجود هذه التنظيمات ضرورة، لأنّه يمثل الخطوة الأولى لإعادة الإسلام إلى الحضور مرة أخرى ولاستعادة ذلك المجتمع الإسلامي وفق النموذج المتخيل لديها.
ومن جانب آخر فإنّ تعقيدات هذا الواقع وأزماته المختلفة تسهم بشكل كبير في قدرة هذه التنظيمات على البقاء وإعادة إنتاج نفسها وترويج خطابها الذي يجد مصداقية كحركات معارضة ثورية تقدم نفسها كبديل للأنظمة الحاكمة باعتبارها تملك المفتاح لحل أزمات المجتمع من خلال إيديولوجيتها الدينية تحت شعار "الإسلام هو الحل"، فبشكل عام تسهم الأزمات المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في خلق حالة من عدم اليقين لدى الكثير من أفراد المجتمع والخوف من المستقبل؛ وهذا يسهم في تزايد الاتجاه نحو التدين باعتبار الدين ملجأً وملاذًا يخفف عن الناس هذه المشاعر ويقلل من وطأة الأزمات وآثارها، وهذه التنظيمات تمثل الدين في نظر شريحة من الناس، فيلجؤون إليها باعتبار أنّهم يملكون أدوات تفسير الواقع وإضفاء المعنى على الأشياء ومفاتيح الحل لتلك الأزمات.
ومن جانب آخر يمثل الواقع الإقليمي والدولي وما به من ممارسات تجاه بعض الدول العربية ومن أبرزها فلسطين، أحد أبرز الأسباب التي تسهم في استمرار هذه التنظيمات وتمدها بعناصر الحياة، حيث تساعدها على ترويج خطابها وتأكيد سرديتها الخاصة بضرورة التغيير الثوري في المجتمعات الإسلامية كخطوة أولى يعقبها إقامة دولة إسلامية كبرى تكون هي السبيل لمواجهة تلك الدول ورفع يدها عن المسلمين.
ثقافة المؤامرة
من الأمور المهمة التي تمد التنظيمات الدينية بالحياة وتساعدها على أن يكون لها أتباع ومؤيدون بشكل مستمر هو "ثقافة المؤامرة"، التي من خلالها تفسر كل شيء وتحدد نظرتها وعلاقتها بالآخرين؛ فمنذ نشأة هذه التنظيمات وهي تعمل بكل طاقتها على ترسيخ فكرة "الحرب على الإسلام"، من خلال التأكيد على أنّ الأنظمة الحاكمة هي أنظمة أنشأها الغرب للقضاء على الإسلام، والتيارات الفكرية والسياسية الأخرى يمولها الغرب لتسهم في القضاء على الإسلام وتغييب الشريعة وتغيير الهوية، وكل صاحب رأي مخالف لما تطرحه التنظيمات، وكل مختلف معها أو معارض لها إنّما هو، في نظرها، يفعل ذلك منطلقًا من كرهه للإسلام، ومدفوعًا وممولًا من جهات تحاربه؛ وهذه الثقافة عندما تترسخ داخل الأفراد تجعلهم ينظرون إلى التنظيمات الدينية، مهما كان بها من عيوب، على أنّها البطل المنقذ الذي يحمي الهوية ويدافع عن الدين ويقف ضد أعدائه.
المظلومية
من أكثر العناصر التي تتغذى عليها التنظيمات الدينية وتسهم في كسبها تعاطف شريحة من المجتمع، وتجعلها قادرة على إعادة إنتاج نفسها مرة بعد أخرى، هو ترسيخ فكرة أنّها تنظيمات مظلومة ومضطهدة، تتعرض لممارسات قمعية وإقصائية دون ذنب ودون أن تفعل أيّ خطأ سوى أنّها تدعو إلى الله وتسعى لتطبيق شريعته! حيث تقوم بتسطيح كل المشكلات والصراعات التي تدخل فيها إلى هذه الصورة البسيطة، دون أن تشير إلى أخطاء تقوم بها ولا إلى عيوب متجذرة فيها تسهم بشكل كبير في إنتاج تلك الصراعات والأزمات، كما أنّها تخلط في خطابها بين نفسها وبين الإسلام، وتروج لفكرة أنّ كل من يعاديها أو يخالفها أو يختلف معها إنّما يخالف الدين ويعاديه، فيصبح في نظر المتأثرين بخطابها عدوًا للدين لا لجماعة أو تنظيم.
وخلال محطات تاريخية كثيرة استطاعت تلك التنظيمات استثمار وتوظيف ما يحدث لها من أزمات وما تتعرض له من عقبات، في جزء منها، يعود إلى عيوبها البنيوية وأخطائها المتكررة، ففي مرحلة السبعينيات من القرن العشرين استطاعت جماعة الإخوان في مصر من العودة مرة أخرى إلى المشهد السياسي والدعوي بعد أن تم تغييبها عشرين عامًا خلال المرحلة الناصرية، وذلك من خلال شباب الجامعات الذين اتجهوا نحو التدين بسبب الصدمة النفسية التي خلّفتها هزيمة حزيران/يونيو 1967م، وكانت الجماعة بعد خروج أعضائها من السجون لا تملك هيكلًا تنظيميًا ولا قاعدة شعبية، لكنّها وجدت هؤلاء الشباب الذين تعاطفوا معها ومع ما حدث لها خلال عقدي الخمسينات والستينات، والنظر إليهم كرموز دينية تعرضت للظلم في سبيل دفاعها عن الدين؛ لذلك استطاعت الجماعة استقطاب الكثير منهم في تلك المرحلة، ومن خلالهم عادت إلى الحياة مرة أخرى، وفي تونس كذلك استطاعت حركة النهضة الحصول على نسبة كبيرة من الأصوات في انتخابات المجلس التأسيسي في 2011م والاستحواذ على أكثرية مقاعد المجلس، على الرغم من غيابها عن المشهد التونسي منذ أوائل التسعينيات، ومن بين أسباب تحقيقها هذه النتيجة هي النظرة التي ترسخت إليها داخل أوساط الإسلاميين والمتدينين في المجتمع التونسي من أنّها تعرضت للظلم والاضطهاد بسبب عملها الدعوي في زمن بورقيبة وزين العابدين بن علي.
انخفاض درجة الوعي
يأتي هذا العامل من بين العوامل المهمة التي تساعد التنظيمات على الاستمرار والبقاء، فغياب الوعي أوّلًا بعيوب التنظيمات وتاريخها والكثير من تفاصيل الصراعات التي كانت طرفًا فيها، نتيجة قدرة هذه التنظيمات على ترويج سرديتها عن الأحداث، وانخفاض الثقة في رواية الدولة بشكل عام؛ يجعل قدرة التنظيمات على كسب التعاطف أكبر، وتصبح روايتها عن الأحداث أكثر مصداقية، خاصة حين تمتزج مع العناصر الأخرى التي ذكرناها وهي المؤامرة على الإسلام والمظلومية والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل الأفراد فاقدين للثقة في الدولة وأحيانًا للانتماء إليها.
كما أنّ تراجع الوعي الثقافي بشكل عام في المجتمع نتيجة عوامل كثيرة يسهم في عجز الأفراد على استيعاب الخطاب العقلاني، ويجعلهم عرضة للخطاب الشعبوي العاطفي الذي تقدمه التنظيمات الدينية، وهو ما يلقى رواجًا أكثر وسط شريحة واسعة من الناس.
غياب البديل
يأتي غياب البديل الفكري والسياسي نتيجة واقع المجتمع المأزوم الذي يسهم في إنتاج حالة من الضعف والتراجع التي تصيب كل فئاته وتترك آثارها على كل جوانبه، ورغم وجود الكثير من الجهود الفردية في مجال الفكر والثقافة التي تنطلق من أرضية عقلانية وتقدم خطابًا يتضمن الكثير من الرؤى التي من الممكن أن تسهم في رفع درجة الوعي وتقديم الكثير من الحلول لأزمات المجتمع، إلا أنّها لا تتبلور في مشروعات سياسية وفكرية قادرة على التأثير، بجانب أنّ البعض من الذين يطرحون خطابًا مغايرًا لخطاب التنظيمات يقعون في العديد من الأخطاء التي تجعل خطابهم لا يلقى الرواج والتأثير الكافيين، بل ربما يكونون سببًا في كسب التنظيمات مزيدًا من التعاطف والتأييد، وقد كشفت "ثورة يناير" عن غياب البديل السياسي والفكري الذي يستطيع مواجهة التنظيمات الدينية، ليس على مستوى الأفكار فحسب، ولكن على مستوى الشارع والأفراد.
من خلال هذا العرض السريع لأبرز العناصر التي تمدّ التنظيمات الدينية بالحياة وتساعدها على الاستمرار والبقاء؛ يمكن القول إنّ سردية نهاية التنظيمات غير منطقية ولا واقعية، ليس لما تتمتع به التنظيمات من قدرات وإمكانات، وليس لما استطاعت أن تحققه من إنجازات، ولكن بسبب ظروف وأسباب موضوعية توجد في الواقع تسهم في توفير المناخ الملائم لها كي تستمر برغم كل عناصر الضعف الموجودة بها.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_16_0_0.jpg.webp?itok=Q5QaVAfF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86_3_0_1.jpg.webp?itok=wRLU0Dqm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A7%D8%A8%D8%B1_2_0_0_12_0.jpg.webp?itok=IN2tmNKk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A9%20_0_2_2_0.jpg.webp?itok=Qq1LVfZ7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AC%D9%8A_10_3_14.png.webp?itok=0fOeM_PQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D9%87%D8%B4.jpg.webp?itok=d3dYUzlz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85_1_0_2.jpg.webp?itok=c7l67XhT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b8c5f945-37bc-40dd-b65b-6fc5e94ae967_1_0_0.png.webp?itok=kFnc74sH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B1%D8%AC%D9%85%D8%A9_69_1_0.jpg.webp?itok=NXc2EDlL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC%D9%8A%D8%A9.jpg.webp?itok=2MhAvatp)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5994ff4a6af16_2_2_1.jpg.webp?itok=ZtNj1aIX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9_16_0.jpg.webp?itok=Q1fjvEsj)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4_14_0.jpg.webp?itok=87RfWcU8)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%81_5.jpg.webp?itok=I2pS18mO)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/TJyYoaIPWCb1i5d30Gjrpw7fLXt0iCSz_exnQwWgbxq2nakNU1YgtKTMSrnLWGV6oejqsbylYy6kBo9aS7uXz6CvVnoHqfbzqkKbxmBNv48pdva8BItkBRhoHzHFsEo5ZxvOtzRo1hiYjMV05u-j7a9mdc0d_lyaHWz4cAvTjyne5JUgmZKNBw6oKSbXUweF.jpg.webp?itok=lutg-h0E)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D8%A9_0_0_0.jpg.webp?itok=ZdFIrzY9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1_2.jpg.webp?itok=Eub_WwrE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_93.png.webp?itok=wop19a6T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/900_0.png.webp?itok=FYTtVJ5O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_9_0_0.jpg.webp?itok=wQUJCmfX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%B7.jpg.webp?itok=Q8py6cl-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ZAe5ym0zeJaXSVkLxPR3jhB84LDE2UKg_36JsUj1W8M5w3iFviyx6GfyWe4yTHE9jDkz6fPXcMC652NKjzg5depVMNU2vqIp4_bNZlDw3r60sMynm9zDqwWpRIBLttdDlX1NQk0gu9oUs4Cy9-otrb0B8Ppr9U1pTezbpl3aKpEefd3SG4JwdoqLb3n0OD1f%20%281%29.jpg.webp?itok=1ofDeuzc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

