من "الأمة الإسلامية" إلى "الدولة القومية": كيف أعادت القومية تشكيل الثورة في إيران؟

من "الأمة الإسلامية" إلى "الدولة القومية": كيف أعادت القومية تشكيل الثورة في إيران؟

من "الأمة الإسلامية" إلى "الدولة القومية": كيف أعادت القومية تشكيل الثورة في إيران؟


02/08/2026

عبدالكريم سليمان العرجان

لم تعد الأزمة الأعمق التي تواجه الجمهورية الإسلامية الإيرانية مرتبطة بالعقوبات أو الضغوط العسكرية أو حتى تراجع نفوذها الإقليمي، بل بسؤال أكثر جوهرية: ما الذي يبقى من مشروع ثوري حين تبدأ الدولة نفسها بالبحث عن شرعيتها داخل الهوية القومية التي حاولت تجاوزها؟

منذ عام 1979، قامت الجمهورية الإسلامية على مشروع أيديولوجي عابر للقوميات، قدّم الثورة باعتبارها إطارًا يتجاوز الحدود والهويات المحلية لصالح مفهوم “الأمة الإسلامية” وولاية الفقيه. لكن بعد أكثر من أربعة عقود، تظهر مؤشرات على تحول تدريجي في أولويات الدولة؛ إذ تتقدم مفاهيم الهوية الإيرانية، ووحدة الأراضي، وبقاء الدولة، لتصبح عناصر متزايدة الحضور في خطاب النظام وآليات إدارة أزماته.

المفارقة أن الدولة التي سعت لعقود إلى تقديم الثورة بوصفها بديلًا عن القومية، تجد نفسها اليوم تعيد توظيف القومية كأداة للحفاظ على تماسكها الداخلي.

ولم يقتصر هذا التحول على الخطاب السياسي، بل امتد إلى إعادة تشكيل الرموز التي يستند إليها النظام في بناء الهوية الوطنية. ففي السنوات الأخيرة، برز حضور أكبر للتاريخ الإيراني ما قبل الثورة الإسلامية في الخطاب الرسمي، مع تزايد الاحتفاء باللغة الفارسية، واستدعاء شخصيات ورموز من الإرث الإمبراطوري الإيراني، إلى جانب توظيف عناصر من الملحمة الفارسية “الشاهنامه” في الفضاء العام والمواد الثقافية. كما ظهرت في مناسبات رسمية رموز وأناشيد وطنية مثل “إي إيران” بوصفها أدوات لتعزيز التماسك الوطني في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية.

ويشير عدد من الباحثين إلى أن هذا التحول لا يعكس تراجعًا عن هوية الجمهورية الإسلامية بقدر ما يمثل محاولة لإعادة تعريف مصادر الشرعية، عبر توسيعها من الشرعية الثورية والدينية إلى شرعية قومية تستند إلى التاريخ والهوية الإيرانية. وقد تناول معهد واشنطن هذا الاتجاه بوصفه انتقالًا تدريجيًا نحو خطاب قومي يستحضر مفاهيم ورموزًا كانت تُعد قبل سنوات هامشية في الخطاب الرسمي.

إن الأقليات، خصوصًا الأكراد والبلوش والعرب، لا تُعامل فقط كملفات حقوقية، بل كثيرًا ما تُربط مطالبها السياسية بقضايا الأمن القومي ووحدة الدولة، مع استمرار حالات الاستهداف والتمييز بحق هذه المكونات.

وفي المقابل، يحمل هذا التحول مفارقة أخرى؛ فكلما تعزز الخطاب القومي المركزي، أصبحت مطالب الأقليات الثقافية واللغوية تُقرأ بصورة متزايدة من منظور أمني. فبدل التعامل معها باعتبارها مطالب تتعلق بالإدارة المحلية أو الحقوق الثقافية، يجري في كثير من الأحيان ربطها بخطابات الانفصال أو التدخل الخارجي، وهو ما يفسر اتساع الفجوة بين المركز والأطراف، ويحوّل قضية التنوع من ملف إداري إلى قضية أمن قومي.

لا يكمن جوهر الأزمة في وجود صراع عرقي مباشر بين الفرس وبقية المكونات، بقدر ما يرتبط بتعارض بين نموذجين لتعريف الدولة: نموذج مركزي يرى في توحيد الهوية واللغة ضمانًا لوحدة إيران، ونموذج تعددي تطالب به المكونات القومية المختلفة يقوم على الاعتراف بالخصوصيات الثقافية واللغوية. ومع غياب تسوية سياسية لهذا التوتر، تتحول الاختلافات الطبيعية داخل المجتمع إلى مصادر احتكاك سياسي وأمني.

وهذا يكشف تحولًا مهمًا؛ إذ لم يعد التهديد يُقرأ فقط باعتباره معارضة للنظام، بل باعتباره تحديًا لبنية الدولة نفسها.

النتيجة أن الصراع داخل إيران لم يعد سياسيًا فقط، بل أصبح يحمل أبعادًا هوياتية متزايدة. فكلما حاولت الدولة تعزيز المركزية، ازدادت الهويات المحلية تمسكًا بخصوصيتها الثقافية واللغوية. إنها مفارقة كلاسيكية في علم السياسة؛ كلما اشتدت سياسات الصهر، ازدادت قوة الهويات التي يُراد صهرها.

ولا يعني ذلك أن إيران على وشك التفكك، أو أن الأقليات تتجه حتمًا إلى الانفصال؛ فمثل هذه النتيجة لا تدعمها الأدلة الحالية. لكن المؤشرات توحي بأن الدولة تواجه تحديًا بنيويًا في إدارة التنوع، وهو ما يجعل الاستقرار أكثر اعتمادًا على أدوات الضبط الأمني وأقل اعتمادًا على الإجماع الأيديولوجي.

وهنا يظهر التحول الأهم: لم يعد السؤال المركزي داخل إيران “كيف نصدر الثورة؟” بل “كيف نحافظ على الدولة؟”

هذا التحول يفسر أيضًا صعود المقاربة التكنوقراطية في إدارة الاقتصاد والأزمات الداخلية؛ فالأولوية لم تعد توسيع المشروع الثوري بقدر ما أصبحت منع تآكل الدولة من الداخل.

وإذا كان التحول نحو خطاب أكثر قومية يعكس إعادة تعريف أولويات الدولة، فإن انعكاساته بدأت تظهر أيضًا داخل بنية صنع القرار. فالتباينات المتزايدة بين مراكز القوة بشأن إدارة ملف التفاوض والسياسة الخارجية لا تبدو مجرد خلافات تكتيكية، بل تعكس اختلافًا أعمق حول هوية الدولة نفسها: هل تبقى الثورة هي المرجعية الحاكمة للقرار السياسي، أم تصبح مصلحة الدولة الإيرانية واستقرارها الاقتصادي والأمني هي الأولوية؟ ومن هذا المنظور، يمكن قراءة جزء من الجدل الداخلي باعتباره تنافسًا بين منطق “الثورة” ومنطق “الدولة”، أكثر من كونه خلافًا حول أدوات التفاوض فقط.

وفي حال استمرت هذه التباينات واتسع نطاقها، فإن السؤال لن يكون حول وجود الخلافات بحد ذاته، بل حول قدرة مركز القرار على احتوائها وإعادة إنتاج الإجماع داخل النظام. فالجمهورية الإسلامية بُنيت تاريخيًا على مركزية القرار حول المرشد، وأي تراجع في قدرة هذا المركز على ضبط التوازن بين المؤسسات سيجعل الانقسامات أكثر ظهورًا، حتى وإن لم تصل إلى مستوى الانقسام المؤسسي.

إذا استمر هذا المسار، فإن إيران قد تدخل مرحلة جديدة يصبح فيها الصراع الأساسي ليس حول تصدير الثورة أو توسيع النفوذ الإقليمي، بل حول إعادة تعريف العقد الداخلي للدولة. وقد يستمر انتقال مركز الشرعية تدريجيًا من الأيديولوجيا الثورية إلى مفهوم الدولة القومية، لكن نجاح هذا التحول سيبقى مرتبطًا بقدرة النظام على إدارة التنوع القومي والثقافي، حتى لا تتحول القومية من أداة توحيد إلى مصدر جديد للتوتر بين المركز والأطراف.

لذلك، فإن التحدي الذي يواجه طهران اليوم ليس مجرد أزمة اقتصادية أو مواجهة خارجية، بل أزمة تتعلق بإعادة تعريف هوية الدولة نفسها. فمع تراجع القدرة التعبوية للخطاب الثوري، لم يعد النظام يعتمد على ثنائية “الثورة والأمة الإسلامية” وحدها لتبرير شرعيته، بل أصبح يوظف بصورة متزايدة مفاهيم “إيران”، و”وحدة الأراضي”، و”الهوية الوطنية” باعتبارها ركائز موازية للشرعية الثورية. وهذا لا يعني تخليه عن هويته الإسلامية، بقدر ما يعكس إعادة ترتيب لأولويات البقاء؛ إذ أصبحت حماية الدولة الإيرانية شرطًا لاستمرار الثورة، بعد أن كانت الثورة تُقدَّم بوصفها الغاية التي تُسخَّر لها الدولة.

ومن هنا يمكن القول إن إيران لا تعيش نهاية مشروعها الثوري، بل لحظة إعادة تعريفه. فالثورة التي قامت لتتجاوز القومية، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى الاحتماء بها. وإذا استمر هذا المسار، فقد لا يكون السؤال في السنوات المقبلة هو: هل تتخلى الجمهورية الإسلامية عن ثوريتها؟ بل: إلى أي حد تستطيع المحافظة على ثوريتها بعد أن أصبحت الدولة القومية هي شرط بقائها.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية