سذاجة مقاطعة "دعوة الآلية الخماسية"

سذاجة مقاطعة "دعوة الآلية الخماسية"

سذاجة مقاطعة "دعوة الآلية الخماسية"


02/08/2026

أسامة أحمد المصطفى

في الأزمنة الاستثنائية، وحين تحاصر الأوهام نافذة السلام، لا تُقاس الحكمة السياسية بحدّة الشعارات، بل بقدرتها على اقتناص الفرص قبل أن تتبدد.

والسودان اليوم يقف على حافة هاوية تاريخية، تتآكل فيها الدولة، وتتساقط مؤسساتها، ويُستنزف شعبها بين أتون الحرب وضيق المنافي وقسوة النزوح. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح كل مسعى للحوار، مهما بدا ناقصاً أو متعثراً، جديراً بالاختبار لا بالإجهاض، وبالانخراط لا بالمقاطعة.

ومن هذا المنطلق، يثير إعلان قوى إعلان المبادئ مقاطعة الاجتماع التشاوري الذي دعت إليه الآلية الخماسية، والمقرر انعقاده في 31 يوليو/تموز بأديس أبابا، جملةً من الأسئلة حول أولويات هذه القوى، ومدى استعدادها للإسهام في أي جهد يمكن أن يفتح ثغرة في جدار الأزمة السودانية. فقبل أن ينعقد الاجتماع، وقبل أن تُختبر مداولاته أو تُعرف مخرجاته، اختارت هذه القوى الانسحاب من المشهد، في موقف يبدو أقرب إلى مصادرة الفرصة منه إلى تقويمها، وأقرب إلى الانكفاء السياسي منه إلى الفعل المسؤول.

فالسياسة ليست ميداناً للمثاليات المجردة، بل هي فن إدارة الممكن، ومهارة تحويل التعقيدات إلى مخارج، لا إلى مبررات للانسحاب. ومن يتوهم أن مقاطعة طاولة الحوار تمنحه قدرة أكبر على التأثير، إنما يتنازل طوعاً عن حقه في صياغة المستقبل، ثم يشتكي لاحقاً من قرارات لم يكن شريكاً في صناعتها. فالاعتراض الحقيقي لا يُمارس من وراء المنابر والبيانات، وإنما داخل قاعات التفاوض، حيث تُختبر الحجج، وتُصاغ التسويات، وتُرسم خرائط الحلول.

وقد بررت قوى إعلان المبادئ موقفها بالدفاع عن "الملكية السودانية للعملية السياسية"، وهو مبدأ لا خلاف على وجاهته، غير أن تحويله إلى ذريعة لمقاطعة أي جهد إقليمي أو دولي يتجاهل حقيقة لا يمكن القفز فوقها، وهي أن الحرب السودانية لم تعد شأناً داخلياً صرفاً، بل أصبحت أزمة مركبة تتداخل فيها الاعتبارات الإنسانية والأمنية والإقليمية والدولية. ومن ثم، فإن دور المجتمعين الإقليمي والدولي في التيسير لا ينتقص من الإرادة الوطنية، بل قد يكون أحد مفاتيح إنقاذها.

والأكثر إثارةً للاستغراب أن الدعوة التي وجهتها الآلية الخماسية ليست مؤتمراً لاتخاذ قرارات نهائية، ولا منصة لفرض تسوية مكتملة، بل هي اجتماع تشاوري تمهيدي لاستكشاف مداخل عملية سياسية جديدة. فما الذي كانت ستخسره القوى المقاطعة لو شاركت، وطرحت اعتراضاتها، ودافعت عن رؤيتها، وطالبت بمراجعة إخفاقات المسارات السابقة؟ أليس الحضور، حتى مع التحفظ، أبلغ أثراً من الغياب، وأقدر على صناعة التوازن من مقعد شاغر وصوت غائب؟

أما الاحتجاج بأن الدعوة وُجهت إلى "منصة إعلان نيروبي"، فلا يبدو سبباً موضوعياً يبرر المقاطعة. فإعلان نيروبي يمثل إطاراً تنسيقياً يضم عدداً من القوى المدنية والديمقراطية المناهضة للحرب، ومن الطبيعي أن تتعامل معه الجهات الراعية باعتباره إحدى القنوات الجامعة لهذه المكونات. إن تحويل خلاف إجرائي حول تسمية أو صياغة تنظيمية إلى مبرر لإهدار فرصة سياسية يعكس انشغالاً بالشكل على حساب الجوهر، وبالتفاصيل على حساب المصير الوطني.

إن الأزمة التي تواجه بعض القوى المدنية ليست ندرة المبادرات، وإنما فائض الارتياب، حتى غدت تنظر إلى كل مبادرة بوصفها شبهة، وإلى كل دعوة للحوار باعتبارها انتقاصاً من الإرادة الوطنية. وهكذا يتحول الحذر المشروع إلى جمود سياسي، ويتحول الدفاع عن المبادئ إلى عزلة طوعية، بينما تمضي الحرب في حصد الأرواح وتدمير ما تبقى من مؤسسات الدولة.

لقد آن الأوان لأن تدرك القوى المدنية أن السودان لم يعد يحتمل ترف الحسابات الفئوية، ولا استنزاف الوقت في خلافات تنظيمية ضيقة. فكل يوم يمر من دون حوار يضيف رقماً جديداً إلى قوائم الضحايا، ويوسع رقعة الدمار، ويبدد ما تبقى من فرص إنقاذ الوطن.

إن التاريخ السياسي لا يخلّد الذين أتقنوا المقاطعة، وإنما الذين امتلكوا شجاعة الحضور في اللحظات العصيبة، ووضعوا مصلحة الوطن فوق الاعتبارات الحزبية والتنظيمية. فالحكمة ليست في رفض الطاولات لأنها لا تستوفي شروط الكمال، وإنما في الجلوس إليها لتقويم اعوجاجها وإصلاح مساراتها. أما سياسة الكرسي الفارغ، فلم تُنتج في أي تجربة سياسية ناجحة سلاماً، بل كثيراً ما كانت وصفة للتهميش وفقدان التأثير.

واليوم، وقبل أيام قليلة من انعقاد اجتماع 31 يوليو، تبدو الأولوية الوطنية والأخلاقية واضحة؛ وهي عدم إغلاق أي نافذة قد يتسلل منها بصيص أمل لوقف الحرب. فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من المنصات المتقابلة والبيانات المتبادلة، بقدر حاجته إلى نخبة سياسية تمتلك شجاعة الواقعية، وترتقي فوق الحسابات الضيقة، وتدرك أن الأوطان لا تُبنى بمنطق "الكل أو لا شيء"، بل بمنطق التدرج، والتوافق، وتغليب المصلحة العامة.

إن مقاطعة الحوار قد تمنح أصحابها شعوراً عابراً بالتماسك السياسي، لكنها لا تمنح أماً ثكلى أملاً، ولا نازحاً مأوى، ولا وطناً ينزف فرصة للخلاص. أما المشاركة، مهما حفّتها التحفظات، فقد تكون الشرارة الأولى في مسيرة طويلة نحو إخماد نيران الحرب، وبناء السودان الجديد، وإحياء الأمل في مستقبل يستحقه السودانيون.

العين




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية