
كه يلان محمد
اكتظت المكتبات في السنوات الأخيرة بالإصدارات والمطبوعات التي تقدم وصفات عن أسرار اكتساب المال والثراء في وقت قياسي. لا شكَّ أنَّ هذا الموضوع يوافق رغبة الإنسان القديمة في اكتشاف الكنوز وحجر الكيمياء الذي يحوّل به المعادن الرخيصة إلى ذهب.
وعلى هذا المنوال تُنشر لائحة بالعناوين التي ترشدك إلى شيفرات الخطابة والفصاحة وقوة الإقناع، ولعلَّ الأغرب في هذا السياق الإرشادي ظهور من يقدم طرائق قراءة الكتب بسرعة. كأنَّ التسابق مع الزمن هو ما يجب أن يتعلمه المرء إذا أراد فعلًا ألَّا يتخلف عن الاستعراض الكبير الذي صار العالم مسرحًا له.
وبالطبع، فإنَّ وسائل الإعلام تضخ البيئة الاجتماعية والثقافية بالمواد التي تعيد برمجة العقول والتركيبة النفسية، وتحدد الأولويات بالنسبة إلى الجموع. يشير المفكر السويسري آلان دوبوتون إلى ما أحدثه الإعلام من ازدياد التطلعات المادية والرغبة الاستهلاكية لدى الجماهير، وذلك بنقل أخبار المشاهير ونمط عيشهم، والاهتمام بسيرتهم الخارقة، لافتًا إلى ما حظي به كتاب “أيقظ العملاق من داخلك” لأنتوني روبنز من ترويج.
النفاق الثقافي
في هذا المناخ السائل، لم يعد المتابع مستهلكًا لأشياء مادية فحسب، إنما طالت رغبته الاستهلاكية الوجوه والخطابات، وهذا ما أدركته الماكينة الإعلامية؛ لذلك تفتح مجالًا للوجوه المنبئة بالحدث المزلزل، وللأصوات المشحونة بالنبرة القيامية. ولا يُستثنى ما يروج له باسم الثقافة والنهضة والعقلانية من النسق الخطابي السائد، الأمر الذي يكشف عدم فعالية هذه المفاهيم الشائعة على المستوى الواقعي.
كلما زاد التنظير للتنوير ومفرداته المتفائلة، انتكس الواقع إلى الظلامية وكوابيسها المؤرقة، وليس في ذلك ما يدعو إلى الاستغراب؛ لأنَّ المعطيات الفكرية والمناهج الفلسفية، بقطع النظر عن الآليات التي تقدمها والأسئلة المضمرة في نسقها، يدركها الضمور في البيئات المتخلفة، وقد تكون غطاءً لكل ما يناقض مبادئها. كما يشهد على ذلك مسخ مفهوم الديمقراطية، فما وقع تحت يافطة النظام الديمقراطي من الفساد والتبلد الأخلاقي والانهيار القيمي يفوق ما سُجل في الأزمنة الدكتاتورية من الجرائم والاضطهاد.
الأخطر من العرف الاستهلاكي وتفريغ المفاهيم الفكرية من قيمتها الفاعلة هو ظاهرة النفاق الثقافي التي تغذيها روافد متعددة. بدايةً، لا بدَّ من الاعتراف بأنَّ المثقف المعاصر لا يختلف عن أصحاب المصالح الاقتصادية الذين لا يهمهم غير السوق والبورصة وحركة رأسمالهم. كذلك الأمر بالنسبة إلى أهل الثقافة؛ فلا يشغلهم اختبار رأسمالهم الفكري على مستوى الواقع والتأكد من صلاحية العدة المعرفية بقدر ما يريدون توظيفها في الدكاكين الحزبية والسياسية لأغراض نفعية.
إنَّ تجاهل هذه الحقيقة ليس إلا محاولة لتسمية الأشياء بغير مسمياتها، وهذا يعني مزيدًا من اللغط والتلطخ. وكما قال ألبير كامو سابقا “سوء تسمية الأشياء يسهم في شقاء الإنسان”.
قد يكون الكلام عن هذا الموضوع يستدعي مثالًا توضيحيًا لإزالة الالتباس. ومن المنطقي عدم الذهاب بعيدًا والاستقصاء من الواقع الأقرب للإبانة عن صحة الافتراض بشأن الظاهرة. ومن المعلوم أنَّ البيئة العراقية مواتية لنشوء وانتشار هذه الحالة، ومن المناسب الإشارة إلى ما يؤكدها في الوسط الثقافي والإعلامي الكردي.
إنَّ عددًا كبيرًا من الأسماء التي تصاعدت إلى النجومية على أكتاف الأحزاب العلمانية وماكينتها الإعلامية كانت منتمية إلى الجماعات الدينية، وحققت هذه النقلة المصحوبة بالأضواء ليس عن طريق المراجعة الفكرية والنقد العلمي للتجربة السابقة، بل بالانقلاب على المعتقدات ونشر جملة من المعلومات التي كان لها طابع مخابراتي عن الحزب والكيان الذي عمل في صفوفه المنشق سابقًا.
والغريب هو أنَّ هذا النموذج يُطلق عليه صفة الناقد أو المفكر إن تعثر حظه في الوصول إلى مناصب إدارية رفيعة في الحكومة. كما ترى ملمحًا آخر من الظاهرة في انتقال الشخصيات بين أحزاب المعارضة والسلطة. والأسوأ من ذلك نوع من السياسيين المتضلعين في الفساد بكل أشكاله وأنواعه، بعدما يخسرون مقاعدهم، يتحولون إلى الفكر والثقافة سعيًا لتدوير عملتهم البائرة، وصرف الأنظار عن المساوئ والإخفاقات التي مُنيت بها نسختهم السياسية.
من الواضح أنَّ كل ذلك يكرس للنفاق على المستوى الاجتماعي والثقافي، ومن السذاجة التوقع من هذا الوسط الذي يفرخ عقليات تدعو إلى جني الغنائم من حزب السلطة، والتصويت للمعارضة، والترشح على قائمتها، أن يرتفع منه غير دخان الكارثة.
دور الإعلام
خلط الأوراق من الآليات المتبعة في المنصات الإعلامية؛ إذ لا يتم فيها الفصل بين الاختصاصات، وقد تُسوِّق للعراف أو ضارب الودع أو الحكواتي تحت تسمية المحلل السياسي أو المفكر الإستراتيجي.
في الواقع، إنَّ قراءة الخريطة السياسية بناءً على معطيات علمية وموضوعية أبعد ما تكون عن حكايات مسرودة للتجارب الشخصية مع حزب معين أو طائفة أو رموز مذهبية. ومن الظواهر التي غزت الواقع السياسي العراقي الارتدادات التي يشهدها منذ ما بعد عام 2003. فقد تصادف من كان يؤلب العالم والمنظمات الدولية على بلده، وما إن تحققت غايته وأخذ حصته من العراق الجديد، وصار ناطقًا باسم الزمن الديمقراطي، حتى ملَّ من دوره، وبدأ بالبحث مجددًا عن صفة تخطف الأضواء أكثر، وتبعد عنه الاتهامات التي لاحقته بالتآمر على سيادة بلده، إلى أن وجد ضالته في الفضائيات التي تشرع له النوافذ على جمهور واسع من المشاهدين.
ومن على هذه المنابر يعلن ارتداده عن كل ما كان يؤمن به ويستظل بشرعيته الدينية والسياسية، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يشن هجومًا لاذعًا وحربًا كلامية على شخصيات كان مواليًا لها، وأنزلها منزلة قدس أقداسه.
ولا تمنع الفضائيات أن تكون حبل غسيل للمجتمعات التي طحنتها الأزمات السياسية والاجتماعية، ولم تعد لديها المناعة السيادية لحماية خطها المستقل. وبالتالي، تصدر هذه البيئات خامًا إعلامية للفضائيات والمنصات الرقمية.
ومن الملاحظ أنَّ مقدم البرنامج، أو المقدمة، يخرج من الإطار المهني عندما يستضيف شخصية قادمة من بيئة متوترة، فيعلق بالشرح والتعليق على الكلام من أجل الدفع بالنقاش إلى أبعد حد من التأجج، والاقتراب أكثر من المنحى الشعبوي. وبذلك يوحي لكل من يريد أن يكون نجمًا على الفضائية أن ما عليه إلا الارتداد عن الطائفة أو المذهب أو الحزب، وشحذ مواهب التحذلق الكلامي، والإعلان عما بقي من عمر الدولة الفلانية أو الشخصية العلانية.
هذه المعطيات كلها تجدد حقيقة، أو مسلمة، وهي أنَّ من طبيعة المجتمع الموبوء بالفساد ألَّا يخرج منه ما هو مستقيم أبدًا، أيًّا كان لقبه أو اسمه أو مكانته.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_0_2_2_0.jpeg.webp?itok=A_uEziE9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b8c5f945-37bc-40dd-b65b-6fc5e94ae967_0_0.png.webp?itok=I80xp-o5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%BA%D8%A7%D9%86_136_1_1_1_0_0_0_1.jpg.webp?itok=teWPWVVA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0_0.jpg.webp?itok=GX5K6EKM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%A8%D8%B1_42_1_0_1_0_1_1_0_0_0.jpg.webp?itok=OV_Xerkh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_185_0_0_0.jpg.webp?itok=5iFA3uXF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AC%D9%8A_10_3_14_0.png.webp?itok=4AO89jsu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_7_0.jpg.webp?itok=TXFRKfTx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=uksIp-Mx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_26.jpg.webp?itok=FsHM-4Gc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fim97wtVD5pn_fb5l7vSKajmhIQY3sNPQXSyLnnjyFtzNC0BcCsyDUjh0G_-qUUeeAz-r--NqFU9eaZlBxXYNpS0DuLTBJZSBWcm74FN06EQ45ytJKn2UvHaTyHGjq8e07_nH8QvBkvjnmLfD7FRb_tSAEbp6yO4sc6b5ltySrtXnY5oNyZHAduQmXv1rf_G%20%281%29.jpg.webp?itok=GAd-Z-Jv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_19_1.jpg.webp?itok=Sr99NZL9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_0_0.jpg.webp?itok=XgaEsisb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_11_1_10_2.jpg.webp?itok=IJzNphMU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/SNGZDFKJ2_9prgp7ql5B9129WyEmpUs-UKOADbixh_qXbiwowHq7ChMr4jRIS6ihFHxzpIG5kfBpOIdHtWgE9m_iB76kRJO-dkOJS_-G1Iqb3tVRXr2dpiBX0FqgsSuimkVnRsISBSGXXWdzCkaaX6BtrWdxUWEIJ8T5Te3-UXE7d85VNOKRdK7TVnjNv257.jpg.webp?itok=aZkbWm9D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0.jpg.webp?itok=C6ynXhh9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1_2.jpg.webp?itok=Eub_WwrE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/900_0.png.webp?itok=FYTtVJ5O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_93.png.webp?itok=wop19a6T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

