إيران والرقص مع الذئاب

إيران والرقص مع الذئاب

إيران والرقص مع الذئاب


27/07/2026

محمد خلفان الصوافي

ليس في كل الأحوال يكون التشدد تعبيراً عن فائض للقوة. وإنما في الحقيقة هي محاولة لترميم تآكل الردع والمكانة بفعل إنهاك القوة السياسية والعسكرية لأي نظام يتصلب في مواقفه السياسية وربما هي بداية تحول بنيوي في النظام الذي يعيش مرحلة التهالك.

القراءة المتفحصة للمشهد السياسي يخلص إلى أن النظام الإيراني بات يفقد قوته وتوازنه الذي تفاخر به طويلاً في تعامله مع دول الإقليم ومع المجتمع الدولي. فلو نظرنا إلى ما تعرض له النظام منذ بداية مارس الماضي من ضربات النتيجة ستكون أنه فقد الكثير من قوته العسكرية بسبب الهجوم الأمريكي عليه وفقد قوته الاقتصادية من خلال فرض الحصار الاقتصادي عليه أما قوته السياسية فيكفي أن الصف الأول من قادته قتلوا.

وبالتالي هذا أثر سلباً في سلوك النظام خاصة بعد مرحلة ما بعد توقيع مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة في منتصف يونيو، حيث لم يعد العدوان الإيراني في جواره مقتصراً على دولة دون أخرى بل شملت الجميع بما فيها سلطنة عمان التي كان النظام الإيراني يعتبرها استثناء في العلاقة وتميزها. "وما يزيد الطين بلة" أن يتباهى السيد عباس عراقجي في إحدى الحوارات بكل وقاحة وصفاقة بأن العدوان الإيراني شمل جميع دول المنطقة مضيفاً لأنه لم يرد أحد منهم ذلك العدوان الغاشم وكأن ذلك شيء يدعو للفخر.

كما أثر ذلك الفقد الإيراني لقوته وتوازنه في تقدير تهديداته لأمن الطاقة العالمي باستخدام مخالب إرهابية ففي مضيق هرمز يقوم الحرس الثوري الذي يتصرف خارج الدولة ويقوم باستهداف ناقلات النفط. وفي مضيق باب المندب من خلال ميليشيا الحوثي منفذاً توصيات وكيله السياسي في المنطقة. 

الدلالة الثابتة والأكثر واقعية أن هذا النظام بدأ يخسر المزيد من الأصدقاء سواء الدول أو الأشخاص من المتعاطفون معها؛ وبالتالي فإن حلقات خنق إيران بدأت تضيق أكثر.

يحاول النظام الإيراني أن يظهر من خلال تشدده وتغطرسه بأنه ما يزال يمتلك الكثير من القوة العسكرية ولكن باطن هذا السلوك غير ذلك تماماً. فالخوف والقلق وعدم التأكد من مصيره دليل ترنح وغير قادر على التوازن، والمزيد من هذا النوع من التشدد والتهديد قد يؤدي إلى تكون أدلة تدينه مستقبلاً وفق القانون الدولي.

الفقد السياسي والاقتصادي ومعه العسكري ليس شرطا أن يؤدي إلى انهيار النظام مباشرة والسبب أن الأنظمة السياسية الشمولية سقوطها يكون تدريجي لأنها تتماسك عبر تهديد الداخل من يفكر في انتقاده وكذلك بسبب تبريرات البعض في الخارج من نتائج سقوطها وتأثيرات السلبية وكأن ما تفعله إيران يحافظ على الأمن والاستقرار في الإقليم والعالم. 

هناك مقطع من فيلم وثائقي عن عالم الحيوانات على منصة اليوتيوب يعبر عن فيه عن غرور القوة والمواجهة المباشرة دون تقدير الموقف بدقة كيف تفعل بصاحبها أو ما يعرف في السياسة جنون العظمة، ذكرني فيه زميل في دراسة في العلاقات الدولية. 

هذا المقطع الذي أشار له الزميل الذي له تجربة سياسية عملية بجانب الدراسة وهو من الذين يؤمنون بأخذ العبر من عالم الحيوانات لأنها تطبق السياسية الواقعية بحذافيرها.

تدور قصة المقطع حول أسد اختطف ذئب صغير (جرو) كان بعيداً عن القطيع وعندما اكتشفت أمه أن ابنها غير موجود بدأت بالبحث عنه برفقة القطيع أو العائلة ووجوده يحتضر بعد أن نهش الأسد جسده الصغير. والأسد بدلاً من أن يهرب وينجو بنفسه أمام قطيع الذئاب التي تدير معركتها بحذر وحرص شديدين وذكاء غرته قوته وقرر مواجهة مجموعة الذئاب التي عادة ما "تراقص" ضحيتها في البداية قبل الانقضاض عليها بعد أن يتهالك ويبدأ بالترنح وكانت النتيجة أن جسده تقطع بالكامل.

هناك حالة من التخبط الاستراتيجي يعيشه النظام الإيراني في إدارة الصراع أو الحرب مع الولايات المتحدة الأمريكية رغم كل المحاولات الدولية والإقليمية لمساعدته على الحفاظ على دولته وربما تعديل مساراته السياسية.

هذا "التخبط المزمن" أدى لأن يفكر المجتمع الدولي بقيادة واشنطن إلى البدء في اتباع سياسة كسر العظم للتخلص من واحد من أخطر الأنظمة في العالم من خلال إنهاكه ومراقصة مرة بجولات الضربات العسكرية ومرة بواسطات تعقد عليه التحرك. 

العين




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية