
حازم صاغية
مع مبادرةِ الرئيسِ السَّادات في عام 1977، ثمّ مباشرتِه التفاوضَ مع الإسرائيليّين، ظهرَ في الحياةِ الثقافيّة المصريّة والعربيّة تيّارٌ أقلّيّ ربَّما كانَ أبرزُ ممثّليه الراحلَ الكبيرَ فؤاد زكريَّا. هؤلاء لم يكونوا بالضرورةِ متَّفقين مع كلّ ما يفعله السَّادات، لكنَّهم اعتبروا أنَّ الأخيرَ نقل التعاطيَ مع النزاع من سويّة لاعقلانيّة إلى أخرى عقلانيّة.
والحال أنَّه بعد المبادرة والتفاوض، تراءَى لوهلةٍ أنَّ النّزاعَ وحلّه باتا يتناولانِ الأرضَ والحدودَ والمواردَ والمصالح، لا التَّحيّة والمصافحة وتناول وجبة طعام أو الظهور في صورة مشتركة.
وقبلاً كانتِ الصورةُ المشتركةُ أقربَ إلى وثيقةٍ جنائيّة تشهد، بما لا يُدحض، على الخطايا والخيانات والأفعال الشائنة المُدانة.
بيدَ أنَّ توقّعاتِ العقلانيّين القلّة جافتْهَا الوقائع، على مَا هيَ الحال غالباً في التَّجارب العربيّة. ومؤخّراً بدأَ الإيرانيّون والأميركيّون يتفاوضونَ لإنهاءِ الحرب، فتفاوضوا بالواسطة في عُمَان لكنَّهم، وفقَ مصادرَ غربيّة، التقوا وجاهيّاً في إسلام آباد وجنيف دون أن تُلتقط لهم صورة. وكان قد نُسب إلى رسميّين إيرانيّين رفضهم الصورة المشتركة مع قاتلي مرشدهم علي خامنئي. وفي هذه الغضون اجتمع، في واشنطن، وفدان عسكريّان لبنانيّ وإسرائيليّ، فرفض اللبنانيّون الظهور في صورة تجمعهم بمن قتلوا عسكريّين لبنانيّين.
ولئن نبع السبب اللبنانيّ الفعليّ من عجزٍ لا يترك لأصحابه إلاّ قدرة يتيمة هي ألاّ تلتقطهم الكاميرا، نتج السبب الإيرانيّ الفعليّ عن عدم مصارحة الإيرانيّين بإقدام وفدهم على عمل عدّته طهران الرسميّة فضائحيّاً.
لكنّ صوت البداهة الخام يتساءل: إن لم يكن جائزاً إجراءٌ «شكليّ» كالتقاط صورة مع القتلة، فكيف يجوز التفاوض معهم، وهو ما يتعدّى «الشكل» إلى «المضمون»؟
إلاّ أنَّ الصورةَ أشدُّ تعقيداً من أن تكون شكلاً محضاً. فنحن نعلم مثلاً بوجود ظاهرة تُسمّى «قلق الكاميرا»، قد يكون وراءها حَرج مَن يُراد تصويره لشعوره بعيب ما في مظهره أو جسده، أو لظنّه بأنَّه ليس في أحسن أحواله، أو لأنّه، عند التصوير، لم يكن يرقى إلى تصوّره لذاته. هكذا كان المصوّرون القدامى في استوديوهاتهم يطلبون ممّن يريدون تصويره أن يبتسم، أي أن يبدو على هيئة تتغلّب على معوقات التصوير.
فالصورة ورطة بالتالي. هكذا رأى رولان بارت أنَّ القلق هو ما ينتاب الشخص حين يُصوَّر، إذ يدرك فجأة أنّه «مجرّد شيء في نظر شخص آخر». وبدورها رأت سوزان سونتاغ أنّ الصورة تجمّد حالة إنسانيّة متدفّقة ومتغيّرة في لحظة و«لقطة» بعينهما. وهذا، عندها، ينطوي على «استيلاء» يصادر حرّيّة صاحب الصورة، فتنوب لحظة واحدة عن ذاته وحياته المعقّدتين والمتحوّلتين. ولأنَّ الصورة قابلة للمشاهدة مراراً وتكراراً فهي تثبّت هذا الانطباع العابر عن الذين التُقطت صورهم. وقبل بارت وسونتاغ علّمنا ولتر بنجامين أنّ ظهور التصوير الفوتوغرافيّ ضرب «الهالة» وأطاح الاعتداد بالفرادة. وفي العقود الأخيرة كان لتعاظم الأهميّة التي اكتسبتها الصورة أن رفع درجة الخوف منها وممّا قد تُحدثه من «تشويه» أو «إنقاص». فهي مثلاً يسعها أن تتحوّل من picture أو photograph إلى image، أي صورة بمعنى التمثيل البصريّ الذي قد يكون مُتَخيّلاً، وليس فعليّاً بالضرورة، وقد يطال الشخصيّة أو السمعة، لا الشكل الظاهر فحسب.
لهذا فالدبلوماسيّة حين لا تكون سرّيّة، ولا تكون مفاوضاتها سرّيّة بالتالي، تستحوذ على الصورة وتحاول تطويعها وتذليل تحدّياتها، تماماً كحال المصوّر الذي كان يطالب زبونه بأن يبتسم. وهذا بالضبط ما كان الهدف من إكثار الصور التي التُقطت مع اختتام محادثات السلام الأميركيّة – الفيتناميّة في باريس عام 1973، بحيث أصبح ألبومها الضخم دليلاً على أنّ إنهاء الحرب غدا أمراً واقعاً. هكذا رأينا المندوبين جالسين حول طاولة التفاوض كما رأيناهم يتبادلون الأحاديث مجتمعين أو متفرّقين، كما لو أنّ الطرفين يؤكّدان على أهليّتهما لصنع السلام وعلى جدّيّة المفاوضات التي يعقدانها.
في المقابل، وُجدت مدرسة أخرى في التعامل مع مصاعب الصورة تعلّم الإذعان لصورة جامدة تستحوذ على الجميع وتُلزمهم، بحيث ينشأ، في العلاقة معها، ما يشبه العبادة.
وكان عبد الحليم حافظ قد غنّى، في 1966، أغنية كتب كلماتها صلاح جاهين، وكان عنوانها «صورة»، كما رُدّدت فيها كلمة «صورة» كلازمة لا تكلّ.
«صوره صوره صوره كلنا كدا عايزين صوره
صوره صوره صوره تحت الراية المنصوره
صوره للشعب الفرحان تحت الرايه المنصوره
يا زمان صوّرنا صوّرنا يا زمان
هنقرّب من بعض كمان واللي هيبعد فى الميدان
عمره ما هَيبان في الصوره»
لقد كانت هذه الأغنية جزءاً من الاحتفال بذكرى 23 يوليو 1952، فجاءت متخمة بالتفاؤل التاريخيّ وبالإنجازات التي تعبّر عنها صورة جماعيّة ينبغي على الجميع الانضواء فيها، أمّا الذي لا يفعل فـ«عمره ما هَيْبان في الصوره».
فالصورة هنا إنّما أُريدَ لها أن تكون نهاية تاريخ ليس للبشر أيّ دور فيه. لكنْ بعد أقلّ من عام حلّت نكسة يونيو 1967.
الشرق الأوسط





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_1_5_0.png.webp?itok=SL0FoY8v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86_113_0_0.jpg.webp?itok=tveF5mr8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%AA_0_2.png.webp?itok=8FS_cDro)












![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_130.jpg.webp?itok=yI3FnUfI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_137_1.jpg.webp?itok=pcYAW8xm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84.png.webp?itok=vCyRKOE9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)