مُذكّرة «العودة إلى نقطة الصِّفر»: حدود الاتفاق الأمريكي-الإيراني، ومساراته المحتملة

مُذكّرة «العودة إلى نقطة الصِّفر»: حدود الاتفاق الأمريكي-الإيراني، ومساراته المحتملة

مُذكّرة «العودة إلى نقطة الصِّفر»: حدود الاتفاق الأمريكي-الإيراني، ومساراته المحتملة


25/06/2026

بعد ترقُّبٍ وانتظار، أعلن الوسيط الباكستاني في آخر ساعات الخامس عشر من يونيو 2026، عن توصل الولايات المتحدة الأمريكية وإيران إلى اتفاقٍ حول مذكّرة تفاهم أوّلية لرأب الصدع بينهما. ويأتي التتويج للجهود الدبلوماسية الباكستانية، بعد تسعة أسابيع من بدء وقف إطلاق النار بين الجانبين، بعد وساطة ماراثونيّة قادتها باكستان، وشاركت فيها أطراف إقليمية عدة، واستغرقت سبعة أسابيع، منذُ نهاية مهلة وقف إطلاق النار التي كان مقرراً ألا تتجاوز أسبوعين.

 

العودة إلى "نقطة التوازن" التي أنتجت فرصة التوافق

يُمكنُ إحالة أسباب ترجيح مسار المفاوضات بعد حرب الأربعين يوماً إلى ظروفٍ ناجمة عن "نقطة توازن" خلقتها الغارات الأمريكية الإسرائيلية العنيفة التي أدّت إلى إخلال حقيقي في البُنية العسكرية الإيرانية، كما ألحقت أضراراً بالغة بالاقتصاد الإيراني نتيجة تداعيات الحرب، ونتيجة البدء باستهداف المنشآت الاقتصادية الاستراتيجية في إيران. ثمّ عزز استقرار "نقطة التوازن" تلك، في الأيام الأخيرة من الحرب، تهديدات الرئيس ترمب المُتكرّرة بضرب منشآت الطاقة، ومرافق البنية التحتية الإيرانية. لكنّ المسار التفاوضي شهد انتكاسةً، أدّت إلى تباعُد الجانبين عن طاولة المفاوضات، وكانت تلك الانتكاسة أيضاً ناجمة عن اختلال "نقطة التوازن" بعد ابتعاد لحظة القصف والغارات، واستخدام الجانب الإيراني أوراق ضغط في وجه الإدارة الأمريكية على رأسها "ورقة مضيق هرمز".

 

غادرت إيران طاولة المفاوضات، وأبقت على خطوط الاتّصال عبر الوسطاء ناشطةً، وكانت إعادتها إلى الطاولة تتطلّب استعادة "نقطة التوازن" التي تم الإخلال بها أوّلاً. وأظهرت الولايات المتحدة وعياً بذلك في خلال الأيام الأخيرة؛ إذ قررت العودة المدروسة إلى سيناريو قصف الأهداف العسكرية في إيران، والتلويح باحتمال اللجوء إلى الخيارات الأخرى، مثل خيار استهداف منشآت الطاقة، والجسور، وحتى خيار الإنزال العسكري في إيران. وآتى ذلك أُكُله سريعاً؛ إذ أدى إلى سجال عميق داخل المشهد الإيراني، وعزّز كفة التيارات التي تدعم إنعاش مسار المفاوضات داخل هذا السجال، لتكون الحصيلة تحريكاً لعجلة المفاوضات، والتوصُّل إلى صيغة تفاهم بين الجانبين، تُمهِّد لوقف إطلاق نار طويل الأمد، يتم في خلاله وضع الملفات الخلافية على الطاولة، بعد أن يقوم الجانبان بخطوات ميدانية، من شأنها نزع فتيل الأزمة التي استمرت لأكثر من 17 أسبوعاً.

مذكرة تفاهم هشّ: تأجيل الخلافات الأصيلة، والبدء من الملفات الناشئة

لا يتجاوز ما تم الاتفاق عليه بين الولايات المتحدة وإيران كونه مذكرة تفاهم أولية، مبنية على منطق "الاكتفاء بالحدّ الأدنى"، وإرجاء مناقشة التفاصيل إلى مفاوضاتٍ تجرى في وقتٍ لاحقٍ، وتستمرّ لشهرين. وهذا ما استوعبته بعض وسائل الإعلام في إيران، إذ شبّهت ما توصل إليه الجانبان بما تم التوصل إليه في "اتفاق غزة"، المتكون من مرحلتين، تتضمّن الأولى إطاراً عامّاً لوقف الاشتباك مع تقديم بعض التنازلات الأوليّة، بينما تؤجل مناقشة التفاصيل الأكثر حساسيّة إلى مرحلة ثانية.

 

ومع أن الخطوات التي يفترض أن يقوم بها الجانبان في المرحلة الأولى تبدو كبيرة، وتتمثل في فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة التجارية من دون قيود من جانب إيران، وإنهاء الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، وتقديم حوافز مالية لطهران، فإن ذلك كله لا يمكن أنْ يقارن بحجم الملفات التي يجب أنْ تُناقَش في الشهرين اللذين يليان توقيع الاتفاق. وفي مقدمة هذه الملفات الخلافية التي يفترض أن يتوصل الجانبان إلى تفاهم بشأنها في خلال 60 يوماً يأتي الملف النووي؛ حيث من المفترض أن تجد الولايات المتحدة وإيران سُبُلاً لفضّ الخلاف بشأن تخصيب اليورانيوم ومعالجة المخزون الذي تمتلكه إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، ومصير المنشآت النووية التي أثارت حفيظة العالم على مدى ثلاثة عقود. إلى جانب ذلك، ومرتبطاً به، يأتي ملف العقوبات المتراكم منذ عقود، بفعل عقوبات بعضها دولي، وبعضها الآخر أمريكي، وتنقسم إلى عقوبات أولية، وأخرى ثانوية، وعقوبات مرتبطة بالملف النووي، وأخرى ترتبط بملفات متنوّعة، مثل ملف التسلح، وملف حقوق الإنسان. وتطالب إيران بإلغائها جميعاً.

 

اتفاق فرضته الضرورة الاقتصادية

يمكن أن تعاد أسباب اعتماد "النموذج الغزّي" في التعامل مع إيران (أي الاكتفاء بالاتفاق على النقاط العامة وإرجاء النقاش بشأن الملفات الخلافية إلى زمن لاحق) إلى أسباب استراتيجية يُراد منها منح الاتفاق فرصة ليرى النور. غير أن أهم الأسباب يمكن العثور عليها في مجال الاقتصاد؛ فقد أدت المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة إلى نشوء ضغوط اقتصادية عَدَّها المراقبون تُضاهي الضغوط الناجمة عن جائحة كورونا وتداعياتها على الاقتصاد العالمي. 

 

إيرانيّاً، تكاد الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الحرب وعن الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على الملاحة الإيرانية أن تقصم ظهر الاقتصاد الإيراني؛ فقد شهدت الأشهر الثلاثة التي تلت الحرب استقرار معدلات التضخم العام عند حدودها القياسية قرب 70% (73% في الشهر الثالث)، واستقرار تضخم السلع الغذائية قرب 90% (129% في الشهر الثالث) ، كما شهدت إيران موجة بطالة تُقدّرها مراكز رسمية بنحو 1.5 مليون فرصة عمل، والقضاء على نسبة كبيرة من إنتاج الصلب والبتروكيماويات والطاقة لتكون الحصيلة خسارة تقدر بما بين 118 مليار دولار (وفق مصادر برلمانية)، و270 مليار دولار (طبقاً للمتحدثة باسم الحكومة). 

 

أما إقليميّاً فقد كانت الآثار بالغةً على اقتصاد الطاقة الذي يُشكّل عماد اقتصادات الأطراف الإقليمية، وذلك نتيجة عدة مؤثرات متداخلة على رأسها الضربات المتتالية التي وجهتها إيران لمنشآت الطاقة في بلدان الخليج، وانعكاسات انخفاض الأمن والاستقرار على الأسواق، وتدفق رؤوس الأموال إلى المنطقة. لكن الأثر الأهم كان قادماً من قرار إغلاق مضيق هرمز في وجه الملاحة، بما أدى إلى توقف جزء كبير من تدفق النفط والغاز والمواد البتروكيماوية من دول المنطقة إلى العالم، وتوقف جزء مهم من الإيرادات النفطية التي كانت تعول عليها هذه البلدان في الموازنات، وفي مشاريع التنمية. 

 

ونتيجة لذلك فقد تأثَّر الاقتصاد العالمي بالتصعيد المتسع في منطقة الخليج؛ حيث أدى التصعيد إلى ارتفاع أسعار النفط إلى حدود تكاد تكون قياسية، كما أدى إلى ظاهرة اضطراب أسعار الطاقة، منعكساً على مؤشرات النمو/الانكماش الاقتصادي والتضخم. وبينما استطاعت الأطراف الدولية التعامل مع الموضوع عبر اعتماد سياسات طاقوية مرحلية، تتضمن استنفاذاً للاحتياطات الاستراتيجية، والحصول على بدائل أدّت إلى تغييرات في خريطة الأسواق، إلّا أن المعطيات كانت تشير إلى أن "أثر إغلاق مضيق هرمز" على الاقتصادات العالمية سيتفاقم إذا استمرت الأزمة في منطقة الخليج لبضعة أشهر مقبلة. 

 

ولم تسلم الولايات المتحدة نفسها من ذلك التأثير السلبي، على الرغم من أنها استفادت من تعثُّر تدفق النفط من الخليج؛ إذ تشير الأرقام إلى أنّ أرباحها من بيع النفط ومشتقاته فقط بلغت نحو 15 مليار دولار. إذ لم تكن انعكاسات الحرب على الاقتصاد الأمريكي إيجابية بالكامل؛ حيث انعكس التصعيد في الشرق الأوسط على أسعار الوقود في غالبية الولايات الأمريكية أولاً، وعلى مؤشرات أخرى مثل تضخم أسعار السلع الغذائية ثانياً.

 

ويمكن أن تعزى أسباب استعجال الجانب الأمريكي للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب مع إيران إلى خشية إدارة الرئيس دونالد ترمب من انعكاسات التداعيات الاقتصادية للحرب مع إيران على اتجاهات المجتمع الأمريكي التصويتية قبيل الانتخابات النصفية في نوفمبر المقبل. ونفس الأسباب تكمن وراء الرغبة الإقليمية والدولية والإيرانية بالتوصل السريع إلى مخرج للأزمة بين طهران وواشنطن، كما تكمن وراء تركيز هذا المخرج على مضيق هرمز الذي شكَّل العقدة التي تؤثر في الاقتصاد المحلي الإيراني والإقليمي والدولي على حدٍّ سواء.

 

الاتفاق الذي أعاد المنطقة إلى "نقطة الصفر"

ومن هذه النقطة بالضبط يأتي الإصرار الذي أبدته الأطراف الإقليمية، ورضيت به الولايات المتحدة، على التوصل إلى اتفاق أوّلي، إيراني - أمريكي في أسرع وقت، حتى إذا كان ذلك يعني إرجاء الحديث في غالبية الملفات الخلافية إلى مرحلة لاحقة، شريطة أن يتضمن هذا الاتفاق المبدئي فتح مضيق هرمز في وجه التجارة العالمية. 

 

ولم تتضمن مذكرة التفاهم التي أعلنت واشنطن وطهران التوصل إليها، إلا اتفاقاً ناجزاً واحداً بشأن مضيق هرمز، تُنهي بموجبه إيران إغلاق المضيق، مقابل إنهاء الولايات المتحدة الحصار الذي فرضته على الملاحة البحرية الإيرانية، والإفراج عن بعض الأصول الإيرانية المجمَّدة. وفيما عدا ذلك، فإنّ كل شيء تقريباً أُرجئ إلى المستقبل؛ فالمذكرة تؤكد أن الشهرين اللذين يليان توقيع المذكرة، سيشهدان مفاوضات تتضمن مصير الملف النووي، ومصير العقوبات الأمريكية والدولية المرتبطة به، ومصير القوات الأمريكية المنتشرة في محيط إيران، كما تتضمن إنشاء جهاز للإشراف على مخرجات الاتفاق، وآلياتٍ لضمان تطبيقها. 

 

وإذا أخذنا بالحسبان أن نص الاتفاق لا يتضمن انسحاباً فورياً للقوات العسكرية الأمريكية الموجودة في المنطقة، وإنما يتضمن التزاماً بعدم تعزيز الوجود العسكري حول إيران في خلال الشهرين، فإنّ الحصيلة ستكون "مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، تتمركز حول الملف النووي، والعقوبات المرتبطة به، ولا ينبغي أن تستمر لأكثر من ستين يوماً، وتجري في ظلّ وجود الحشود العسكرية الأمريكية قرب الحدود الإيرانية". إنها بالتدقيق عودةٌ إلى ما قبل 28 فبراير؛ حيث لا تعني التوصل إلى اتفاق سلام، بمقدار ما تعني الوقوف على مشارف الحرب بانتظار ما تُفضي إليه المفاوضات الصعبة.

 

إسرائيل وغيرها: كيف يُثير الاتفاق المبتور سخط أطراف إقليمية عدة؟

كان الجميع يتوقع أن يتضمن الاتفاق الأمريكي مع إيران نقاشات بشأن ملفات خلافية عدّة، خصوصاً بعد الموجات العنيفة من الغارات التي ركزت على المنشآت الصاروخية الإيرانية، وبعد أن أثارت صواريخ إيران سخطاً إقليميّاً واسعاً. ويبدو أنّ اقتصار المفاوضات المقبلة على البرنامج النووي، واستبعاد ملف الصواريخ الباليستية من دائرة النقاش، قد أثار امتعاض مختلف الأطراف الإقليمية (مع احتمال تأجيل بعض هذه الأطراف التعبير عن امتعاضها إلى مرحلة لاحقة نتيجة الشعور المتزايد بالحاجة إلى استعادة الاستقرار، ووقف التصعيد في المنطقة)، إلا أن إسرائيل لم تجد مناصاً من التعبير عن عدم رضاها باتفاقٍ لا يتضمن مناقشة البرنامج الصاروخي الإيراني الذي عَدَّته على مدى عدة أعوام تحدياً وجودياً. 

 

وإذا أخذنا في الحسبان أن الاتفاق المبدئي مع إيران، يتضمن إلحاق لبنان بمسار إنهاء الحرب، عبر التأكيد على وقف إطلاق النار في الجبهة اللبنانية، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من هذا البلد، فإن السخط الإسرائيلي أضحى مضاعفاً؛ إذ تَعُدُّ تل أبيب ذلك مساساً بأمنها القومي، ومحاولة إيرانية/أمريكية لإملاء الشروط عليها. 

 

وكل ذلك يعني أنّ اتفاقاً نهائياً مبتوراً يتضمن التركيز على الملف النووي، ويُنحّي جانباً ملفات جوهرية أخرى، مثل ملف الميليشيات الشيعية الموالية لإيران، وملف البرنامج الإيراني للصواريخ الباليستية سوف يثير امتعاض الأطراف الإقليمية، التي قد تراه تنازلاً من واشنطن، وتراجعاً أمريكيّاً عن الرغبة في تجاوز الاتفاق النووي إلى اتفاق شامل يعالج كل الملفات الخلافية. كما أنه سيُثير على نحوٍ خاص سخط الإسرائيليين؛ إذ لا يناقش الصواريخ التي استخدمتها طهران لضرب تل أبيب وغيرها من المدن الإسرائيلية، ويضم لبنان الذي تعدُّهُ تل أبيب، مع بقاء سلاح حزب الله، مصدر تهديد وجوديّ، ومن ثمَّ فهو لا يزال بعيداً عن مجال الاتفاق.

 

الخلاصة والاستنتاجات

يعدُّ ما توصل إليه الجانبان الأمريكي والإيراني في اللحظة الراهنة بوساطة إقليمية، تفاهُماً مرحلياً دعت إليه الضرورة الاقتصادية في الدرجة الأولى، وذلك لما كان للاضطراب القائم في منطقة الخليج، وتحديداً في مضيق هرمز من آثار على الاقتصاد العالمي والإقليمي، فضلاً عن تداعياته الكارثية على الاقتصاد المحلي الإيراني. وكانت أولوية العامل الاقتصادي واضحة في نقطة انطلاق الاتفاق الأولي الذي توصلت إليه واشنطن وطهران؛ حيث ركَّز على فتح المضيق، والإفراج عن بعض الأرصدة الإيرانية المجمَّدة، ومناقشة تعليق العقوبات على قطاع النفط الإيراني، وطرح تصورات أولية حول إنشاء صندوقٍ لإعمار إيران. 

 

إلا أنّ البدء من المحطة الاقتصادية، والتركيز على ضرورة التوصل إلى اتفاق سريع يُعالج الأزمة الاقتصادية، حوَّل الاتفاق الذي توصل إليه الجانبان إلى "مذكرة تفاهم" عامة تناقش شيئاً، وتغيب عنها أشياء أخرى، بما يُعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل لحظة شن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير 2026، من دون أن يعني التوصل إلى حالة سلام ناضجة بين الجانبين. ويرى الأمريكيون في الاتفاق الراهن مخرجاً يضمن مصالحهم على مشارف الانتخابات النصفية في نوفمبر المقبل، لكنّ ثمة تحديات تواجهها مذكرة التفاهم الرّاهنة قد لا تسمح بهذه الفسحة من الهدوء المنشود. 

 

وثمة تحدٍّ كبير، يتمثل في ضعف فرص التوصل إلى تفاهم قوي بشأن الملفات الخلافية المطروحة على الطاولة، بما فيها الملف النووي، وملف العقوبات، والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. وثمة امتعاض إقليمي كامن، وسخط إسرائيلي واضح، ينجمان عن تغييب الملفات الجوهرية عن طاولة الحوار، والاكتفاء بحدود الاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني الذي تعدُّه الأطراف الإقليمية ضروريّاً أيضاً على ألّا يكون مبتوراً ومنعزلاً عن القضايا الخلافية الأخرى. 

 

وتعمل هذه التحديات وغيرها على تحويل الاتفاق المبدئي الذي نضج بين الولايات المتحدة وإيران إلى مسارٍ هشّ، قد يتهاوى في أية لحظة، سواء بفعل استمرار التبايُن الكبير في وجهات النظر بين الطرفَيْن المتفاوضَيْن، أو بفعل الضغوط التي تُمارسها إسرائيل. كما أنّ ثمة أطرافاً داخل المشهد الإيراني، يرون أن ما تم التوصل إليه ليس هدنة حقيقية، يُراد منها التوصل إلى توافق عبر مفاوضات، بمقدار ما يُمثِّل خطوة أمريكية لتأجيل المواجهة المسلحة إلى ما بعد انتخابات نوفمبر المقبل استناداً إلى حسابات داخلية أمريكية؛ وكلّ ذلك يجعل المشهد منكشفاً على عدة سيناريوهات محتملة:

 

السيناريو الأول: إخفاق المفاوضات، والعودة للتصعيد العسكري؛ ويفترض هذا السيناريو أن يفشل الطرفان الإيراني والأمريكي في التوصل إلى تفاهُم بشأن الملفات المطروحة على الطاولة، سواء بفعل المواقف الصلبة التي يبديها المفاوضون، والهوة الشاسعة بين الضفتين، أو بفعل الضغوط التي تمارسها الجهات الممتعضة، وتحديداً إسرائيل. وحينها يمكن أن يعود الجانبان إلى المواجهة العسكرية، أو إلى الضربات العسكرية المتفرقة على أقل تقدير. وبينما يبدو السيناريو ممكناً بسبب الخلافات الواسعة بين رغبات الجانبين على صعيد البرنامج النووي، وبسبب المواقف الإسرائيلية، أو نتيجة عدم التوازن بين مهلة الشهرين، وحجم الملفات المطروحة على الطاولة، فإن السيناريو يواجه عقبةً تتمثل في ممانعة الأطراف الإقليمية والمجتمع الدولي من عودة الجانبين إلى أتون الحرب، بما يعرض الاقتصاد الإقليمي والدولي إلى أخطار جديدة.

 

السيناريو الثاني: نجاح المفاوضات في خلال مدة الشهرين؛ ويفترض هذا السيناريو أن يتوصل الجانبان إلى تفاهم كامل بشأن الملفات المطروحة على الطاولة، أو إلى تفاهم كافٍ لرأب الصدع، يتمثل في حلول للملف النووي، وملف العقوبات. ويعني ذلك إمكانية التوصل لاتفاق أوسع نطاقاً تستطيع إدارة ترمب الترويج له على أعتاب انتخابات نوفمبر، كما تستطيع إيران أن تستفيد منه على الصعيد الاقتصادي، وعلى الصعيد الاستراتيجي، كونه يبعد عنها شبح الحرب. وسينعكس اتفاق كهذا بشكل إيجابي على مؤشرات الاقتصاد في المنطقة، والعالم، خصوصاً إذا حصل على ضمانات دولية صادرة من مجلس الأمن، لكنّه قد يمثل إخفاقاً على مستوى الأمن الإقليمي من ناحية إبقاء الجروح مفتوحة على صعيد البرنامج الصاروخي الذي أظهرت الحرب أنه يمثل تهديداً جوهرياً للأطراف الإقليمية، وعلى صعيد البرنامج الإيراني للتوسع الإقليمي، وملف الميليشيات العقائدية.

 

السيناريو الثالث: إخفاق المفاوضات، وتمديد مهلة الشهرين؛ ويفترض هذا السيناريو أن يخفق الجانبان في التوصل إلى صيغة تفاهم بشأن الملفات الخلافية في غضون ستين يوماً، من دون أن ينزلقا إلى المواجهة العسكرية مجدّداً، وذلك عبر الاتفاق على تمديد مهلة المفاوضات لفترة إضافية. وينسجم ذلك مع رغبة الجانبين، ورغبة الأطراف الإقليمية والدولية بعدم العودة إلى المواجهة العسكرية المكلفة على مستوى الأمن والاقتصاد، كما ينسجم مع الوعي المسبق بأن مدة الشهرين قد لا تكفي للتوصل إلى تفاهم كامل بشأن الملفات الشائكة. لكنّ هذا الاحتمال، يمكن أن يُفسَّر على أنَّه تأجيل أمريكي للمواجهة العسكرية إلى ما بعد انتخابات نوفمبر، لكيلا توثر المضاعفات الناجمة عن مواجهةٍ كهذه على مكاسب الإدارة الأمريكية فيها.

 

السيناريو الرابع: إخفاق المفاوضات من دون تمديد الهدنة، أو اللجوء للتصعيد العسكري؛ ويفترض هذا السيناريو أن يخفق الجانبان في التوصل إلى اتفاق بشأن الملفات الخلافية المطروحة في غضون شهرين، من دون أن يعني ذلك تمديداً رسمياً للمفاوضات، أو عودة تلقائية إلى التصعيد العسكري. وفي مثل هذه الحالة، يمكن تصور أن يعلن الأمريكيون الانسحاب من المواجهة العسكرية من دون إبرام اتفاق أو من دون توجيه المزيد من الضربات العسكرية على إيران، معلنين التوصل إلى الأهداف التي كانوا ينشدونها عبر التعبئة العسكرية في محيط إيران. ويعني هذا الاحتمال ترك الجرح مفتوحاً، كما كان مفتوحاً في الأعوام الفائتة، غير أنه يعني هذه المرة، ترك الجرح مفتوحاً مع إيران الواعية لأهمية استخدام ورقة مضيق هرمز لابتزاز العالم، ولتعزيز قدرتها على المناورة، عسكرياً وسياسياً.

 

وحتى في أفضل الاحتمالات، فإنه ليس متوقعاً أن تتضمن المفاوضات المقبلة بين إيران والولايات المتحدة أو الاتفاق المفترض الناجم عنها، معالجات لملفاتٍ تعدُّ هاجساً رئيساً للأطراف الإقليمية، مثل: البرنامج الإيراني للصواريخ الباليستية، أو مشروع التوسع الإقليمي؛ بما يعيد المنطقة إلى حالة الاتفاق النووي لعام 2015 في أفضل الأحوال، مع الأخذ بالحسبان أن إيران هذه المرة تدرك إمكانياتها في الضغط على مواقف الأطراف الإقليمية، والمجتمع الدولي، لاسيما عبر استخدام ورقة مضيق هرمز.

عن مركز الإمارات للسياسات




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية