
لا يقتصر الاتفاق الذي تستعد الولايات المتحدة وإيران لتوقيعه على إنهاء واحدة من أكثر الحروب كلفة واضطراباً في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، بل يتجاوز ذلك ليعيد رسم معادلات سياسية وأمنية واقتصادية تمتد من الخليج العربي إلى شرق آسيا.
ولا تعني مذكرة التفاهم التي يفترض أن تكرس وقف إطلاق النار بين الطرفين وتعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية فقط إنهاء المواجهة العسكرية المباشرة بين واشنطن وطهران، وإنما تمثل نقطة تحول قد تؤثر على موازين القوى الإقليمية والدولية لسنوات مقبلة.
وكانت دول الخليج من أكثر الأطراف ترقباً للتوصل إلى هذا الاتفاق. فمنذ اندلاع الحرب وجدت هذه الدول نفسها في قلب المواجهة، سواء من خلال تعرضها لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية أو عبر التداعيات الاقتصادية الناتجة عن اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز.
وقد أدى إغلاق الممر البحري الحيوي إلى تعطيل جزء كبير من صادرات النفط والغاز الخليجية، فضلاً عن ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتراجع معدلات النمو الاقتصادي.
ولذلك تنظر العواصم الخليجية إلى الاتفاق باعتباره فرصة لاحتواء المخاطر واستعادة جزء من الاستقرار الذي فقدته المنطقة خلال الأشهر الماضية.
ومع ذلك، فإن دول الخليج لا تبدو متحمسة للعودة إلى مرحلة ما قبل الحرب وكأن شيئاً لم يكن. فقد كشفت الأزمة حدود الاعتماد المطلق على المظلة الأمنية الأمريكية، وأظهرت أن واشنطن قد تتخذ قرارات استراتيجية كبرى من دون التشاور الكامل مع حلفائها التقليديين.
كما أن الهجمات التي تعرضت لها منشآت حيوية في بعض الدول الخليجية تركت أثراً عميقاً في حسابات الأمن القومي لهذه الدول، ما سيدفعها على الأرجح إلى تعزيز سياساتها الدفاعية المستقلة وتنويع شراكاتها الإقليمية والدولية.
وفي المقابل، يبدو المشهد أكثر تعقيداً في إسرائيل، حيث ينظر قطاع واسع من النخبة السياسية والأمنية إلى الاتفاق باعتباره نتيجة لا تحقق الأهداف التي دفعت تل أبيب إلى تأييد الحرب منذ البداية.
وكانت إسرائيل تأمل في أن تؤدي العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية إلى إضعاف النظام الإيراني بصورة جوهرية أو إجباره على تقديم تنازلات واسعة تتعلق ببرنامجه النووي والصاروخي ونشاطه الإقليمي. إلا أن الصيغة الحالية لمذكرة التفاهم، كما ظهرت من خلال التسريبات والتصريحات الرسمية، لا تتضمن التزامات واضحة ونهائية بشأن هذه الملفات، بل تؤجل معظمها إلى مفاوضات لاحقة قد تمتد لأسابيع أو أشهر.
وتخشى إسرائيل بصورة خاصة من أن يؤدي رفع العقوبات وتحرير الأصول الإيرانية المجمدة إلى منح طهران موارد مالية ضخمة تسمح لها بإعادة بناء قدراتها العسكرية وتعزيز نفوذها الإقليمي.
كما تنظر بقلق إلى ما تعتبره تراجعاً في مستوى التنسيق السياسي مع الإدارة الأمريكية، خصوصاً بعد أن اختارت واشنطن المضي في التفاهم مع إيران رغم الاعتراضات الإسرائيلية.
ويضاف إلى ذلك أن الاتفاق لا يقدم، من وجهة النظر الإسرائيلية، حلولاً واضحة لملف الصواريخ الباليستية أو للدعم الإيراني لحلفائها في المنطقة، وهو ما يبقي مصادر التهديد الأساسية قائمة.
وأما لبنان، فيقف أمام مرحلة غامضة تتداخل فيها فرص التهدئة مع احتمالات التصعيد. فالاتفاق الأميركي الإيراني ينص بصورة عامة على إنهاء الحرب على الجبهة اللبنانية، لكنه لا يحسم بشكل نهائي مسألة الوجود العسكري الإسرائيلي في المناطق التي دخلتها القوات الإسرائيلية خلال الأشهر الماضية.
وبينما تؤكد طهران أن الانسحاب الإسرائيلي جزء من التفاهم، تصر تل أبيب على الاحتفاظ بمواقعها الحالية لأسباب أمنية.
ويعني ذلك أن وقف إطلاق النار قد لا يكون كافياً لإغلاق ملف المواجهة اللبنانية الإسرائيلية بصورة نهائية. كما أن حزب الله، الذي خرج من الحرب وهو أكثر التصاقاً بإيران وأكثر اقتناعاً بأهمية الاحتفاظ بسلاحه، يبدو مستعداً لمواصلة الدفاع عن دوره العسكري والسياسي داخل لبنان.
وفي المقابل، تواجه الحكومة اللبنانية تحدياً متزايداً في كيفية التوفيق بين الضغوط الدولية المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة وبين الواقع الميداني والسياسي الذي أفرزته الحرب.
وفي العراق، يشكل الاتفاق متنفساً اقتصادياً بالغ الأهمية. فبغداد كانت من أكثر العواصم تعرضاً لتداعيات إغلاق مضيق هرمز، نظراً لاعتمادها شبه الكامل على عائدات تصدير النفط.
وقد حذرت السلطات العراقية مراراً من أن استمرار الأزمة كان سيقود إلى أزمة مالية خانقة قد تهدد قدرة الدولة على دفع الرواتب وتمويل الخدمات الأساسية. ومن هذا المنطلق، يمثل إعادة فتح المضيق شريان حياة للاقتصاد العراقي.
لكن انتهاء الحرب لا يعني تراجع النفوذ الإيراني داخل العراق. فعلى العكس من ذلك، أظهرت الفصائل المسلحة المدعومة من طهران خلال الأزمة أنها ما زالت تملك القدرة على التأثير في المعادلات السياسية والأمنية الداخلية.
ولذلك سيجد رئيس الوزراء العراقي الجديد نفسه أمام مهمة شديدة الصعوبة تتمثل في تحقيق توازن بين متطلبات العلاقة مع الولايات المتحدة وبين استمرار النفوذ الإيراني الذي لا يزال يمثل أحد أبرز محددات المشهد العراقي.
وفي سوريا، تبدو الصورة مختلفة نسبياً. فدمشق لم تتعرض لتداعيات مباشرة بحجم ما شهدته دول أخرى، بل قد تجد في المرحلة المقبلة فرصاً اقتصادية جديدة مرتبطة بإعادة تشكيل طرق نقل الطاقة في المنطقة.
ومع تزايد المخاوف من الاعتماد المفرط على مضيق هرمز، تبرز سوريا بوصفها ممراً محتملاً لنقل النفط والغاز نحو البحر المتوسط، سواء من العراق أو من بعض دول الخليج مستقبلاً. غير أن هذه الفرص تبقى مرتبطة بدرجة الاستقرار الأمني في البلاد وبطبيعة العلاقة المستقبلية مع إسرائيل.
ومن بين أكثر الدول المستفيدة من الاتفاق تبرز باكستان، التي لعبت دور الوسيط الرئيسي بين واشنطن وطهران. فقد سمح لها نجاح الوساطة بتعزيز مكانتها الدبلوماسية وإبراز نفسها بوصفها قوة إقليمية قادرة على المساهمة في حل النزاعات الدولية. كما أن تجنب اتساع نطاق الحرب يمثل مكسباً مباشراً لإسلام آباد التي ترتبط بحدود طويلة مع إيران وتضم واحدة من أكبر الجماعات الشيعية في العالم.
وفي الوقت نفسه، منح الاتفاق القيادة الباكستانية فرصة لتحسين صورتها الدولية بعد سنوات ارتبط فيها اسم البلاد بالتحديات الأمنية والأزمات الاقتصادية. إلا أن بعض المراقبين يرون أن هذا النجاح الخارجي قد لا ينعكس بالضرورة على الوضع الداخلي، خصوصاً إذا استغلت السلطات الزخم الدولي لتعزيز قبضتها السياسية والأمنية.
وأما روسيا، فقد وجدت نفسها أمام حصيلة مختلطة. فمن جهة استفادت موسكو خلال الحرب من ارتفاع أسعار النفط وما وفره ذلك من عائدات إضافية للاقتصاد الروسي. كما ساعد انشغال الغرب بالأزمة الإيرانية في تخفيف جزء من الضغوط السياسية والإعلامية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا. لكن الاتفاق الجديد يهدد هذه المكاسب، إذ أدى الإعلان عنه إلى تراجع أسعار النفط، كما أن إنهاء الأزمة قد يدفع الدول الغربية إلى إعادة تركيز اهتمامها على الجبهة الأوكرانية.
وفي المقابل، تبدو الصين في موقع المستفيد الهادئ من مجمل التطورات. فبكين لم تنخرط في الحرب ولم تتحمل تكاليفها العسكرية أو السياسية، لكنها قد تجني جزءاً كبيراً من فوائد التسوية. فإعادة فتح مضيق هرمز تعني استقراراً أكبر في أسواق الطاقة العالمية، وهو ما تحتاجه الصين للحفاظ على نموها الاقتصادي واستقرار سلاسل التوريد الخاصة بها.
كما أن الحرب كشفت، من وجهة النظر الصينية، حدود القدرة الأمريكية على فرض حلول عسكرية مستدامة، بعدما انتهت المواجهة بالعودة إلى طاولة المفاوضات.
وعلاوة على ذلك، فإن أي نظام جديد لتنظيم الملاحة أو فرض رسوم عبور في مضيق هرمز قد يمنح بكين فرصة للحصول على شروط تفضيلية في إطار علاقاتها المتنامية مع إيران. كما أن استقرار الاقتصاد العالمي يمثل مصلحة مباشرة للصين باعتبارها أكبر مصدر للسلع في العالم.
ولا يمكن النظر إلى الاتفاق الأميركي الإيراني باعتباره مجرد تفاهم ثنائي يهدف إلى إنهاء حرب محددة. فهو يعكس تحولاً أوسع في التوازنات الإقليمية والدولية، ويكشف عن مرحلة جديدة تسعى فيها القوى المختلفة إلى إعادة تموضعها بعد أشهر من الصراع.
وبينما يرحب كثيرون بوقف الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، فإن الأسئلة الحقيقية تتعلق بما سيأتي بعد ذلك: هل سينجح الاتفاق في معالجة جذور التوتر بين واشنطن وطهران؟ وهل سيقود إلى نظام أمني أكثر استقراراً في الشرق الأوسط؟ أم أنه مجرد هدنة مؤقتة تؤجل صراعات لم تُحسم بعد؟ الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ليس فقط مستقبل العلاقة الأميركية الإيرانية، بل أيضاً شكل الشرق الأوسط في السنوات المقبلة.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_16_0.jpg.webp?itok=cBqOpkeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_1.jpg.webp?itok=YFMYYJ6o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%86_1_0.jpg.webp?itok=NCzTOlr5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_16.jpg.webp?itok=5xAFcRln)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_0.jpg.webp?itok=TDvTeKmh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/IMG_6670_0_1_7.jpeg.webp?itok=8RV_dWnL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hq720_1.jpg.webp?itok=K5jtD8NN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B6%D8%B1%D9%85%D9%88%D8%AA_0_0_0_0.png.webp?itok=aiu3-jwk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA_12_0_0_0_0.jpg.webp?itok=A-z0ubez)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_2_0.jpg.webp?itok=Mf-zyZxn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Capture_187.png.webp?itok=cUgosDEz)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)