آفاق المخطط الأمريكي بإسقاط النظام الإيراني من الداخل

صورة عمر الرداد
كاتب أردني وخبير بالتحليل الأمني الاستراتيجي
23353
عدد القراءات

2018-07-03

تطرح اليوم في أوساط سياسية ومراكز التخطيط الإستراتيجي، وأوساط أمنية سرية، تساؤلات عميقة حول سيناريوهات تعامل القيادة الإيرانية مع الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، وتداعياته على النظام الإيراني، والخطوات والخيارات الإيرانية للردّ على الاستهداف الأمريكي للنظام الإيراني، ليس في إطار العمل العسكري السري والمباشر ضد إيران وأذرعها في الإقليم، ممثلة بحزب الله ومليشياتها في لبنان والعراق وسوريا واليمن فحسب؛ بل بمراهنة أمريكية على أنّ العقوبات المشددة ضد طهران ستدفع بالشعب الإيراني لاستئناف الانتفاضة التي بدأت في أواخر العام الماضي.

خيارات إيرانية محدودة

الردود والخيارات الإيرانية، تبدو محدودة في مواجهة الاستهداف الأمريكي، وربما تنحصر برهانات على التدخل الأوروبي وإنقاذ الاتفاق النووي، لكن هذه الرهانات تبدو ضعيفة جداً، في ظل موقف أوروبي سينحاز بالنهاية إلى أمريكا، ارتباطاً بكون المصالح الأوروبية مع أمريكا أكبر منها مع إيران، وهو ما تم التعبير عنه بانسحاب شركات أوروبية من إيران مثل "توتال وميرسك"، ويتوقع انسحاب شركات أخرى، وإلغاء عقود ضخمة تم إنجازها مع كثير من الشركات، بعد إنجاز الاتفاق النووي، وتدرك القيادة الإيرانية حدود وآفاق الموقف الأوروبي، وهو ما حذرت منه مراراً، خاصة من قبل قادة الحرس الثوري، وتم تتويجه بالشروط الخمسة التي أعلنها المرشد علي خامنئي على أوروبا، وهو ما يطرح تساؤلات وشكوكاً عميقة، فيما إذا كان المرشد بموقع يسمح له بإملاء شروط على أوروبا، والمراهنة على قبولها أو التعاطي مع تلك الشروط التي تعني الاستجابة لها، رداً أوروبياً بالانضمام إلى إيران في برنامج العقوبات، وإفشالاً للعقوبات الأمريكية.

اقرأ أيضاً: إيران تحت الضغط مجدداً.. خلاصة سيناريوهات القرار الأمريكي

الردود الإيرانية تبدو محدودة في مواجهة التدخل الأوروبي وإنقاذ الاتفاق النووي

تداعيات اقتصادية خطيرة

إنّ جوهر العقوبات التي فرضت على القيادة الإيرانية اقتصادية بامتياز، ومن المرجّح أنّها ستزيد من عزلة إيران، وعن هذا الأثر اعترف زعيم حزب الله اللبناني قبل أيام، بأنّ أثر هذه العقوبات سيكون كبيراً جداً، فيما تردد في أوساط أمريكية أنّ الأرقام الاقتصادية التي تشكل مؤشرات للاقتصاد الإيراني المتهاوي، فيما يتعلق بالبطالة ونسب النمو والتضخم، ستكون جزءاً من الماضي، في ظل العقوبات الجديدة، التي يصفها مسؤولون في الإدارة الأمريكية بأنّها أقسى عقوبات عرفها التاريخ.

جوهر العقوبات التي فرضت على القيادة الإيرانية اقتصادية بامتياز ومن المرجّح أنّها ستزيد من عزلة إيران

معدل البطالة المعلن من قبل السلطات الإيرانية (12%)، ورغم الشكوك التي تحيط به؛ حيث تصل نسب البطالة إلى أكثر من (50%) في المناطق غير المشمولة برعاية المرشد الأعلى، في مناطق سكانها من أغلبية غير شيعية، ومن غير الفرس، وفي مناطق العرب، الأحواز والبلوش والأكراد، التي قادت الانتفاضة الشعبية الكبرى منذ العام الماضي، غير أنّ الأخطر أنّ هذه البطالة ستزداد في المناطق التي توصف بأنها موالية للنظام، في طهران وغيرها من المدن.

اقرأ أيضاً: "جنرال إلكتريك" توقف نشاطها في إيران

كما أنّ إنتاج إيران الذي يقارب الثلاثة ملايين برميل نفط يومياً، سيكون بلا قيمة مع صعوبات وجود مشترين له، وضعف القدرة على تصديره في ظلّ المراقبة الدولية، خاصة بعد التعهدات السعودية بتوفير النقص العالمي لإمدادات النفط، الذي سينتج عن وقف تصدير النفط الإيراني، بما في ذلك حرمان القيادة الإيرانية من الاستفادة من العراق في مجالات تصدير النفط من جهة، واستخدام البنوك والمصارف العراقية في التحايل على العقوبات، ارتباطاً بالتزام العراق المعلن بالعقوبات.

إنتاج إيران الذي يقارب الثلاثة ملايين برميل نفط يومياً، سيكون بلا قيمة مع صعوبات وجود مشترين

وتشير تقديرات خبراء اقتصاديين إلى أن نسبة التضخم ستتجاوز الـ (70%)، فيما سيسهم تراجع قيمة العملة الإيرانية (الريال) مقابل الدولار في تفاقم الوضع الاقتصادي، خاصة أنّ هذه العملة توصف بالمنهارة قبل إعلان الانسحاب الأمريكي من الاتفاق.

تقديرات الكثير من الخبراء الاقتصاديين، تشير إلى أنّ الأوضاع الاقتصادية المتردية، وتداعياتها على الشعب الإيرانية، ستسهم وبقوة في استئناف الانتفاضة الإيرانية باتجاهات تجعل النظام الإيراني أمام خيارات صعبة، رغم كونه نظاماً شمولياً يعتمد الأساليب القمعية والدكتاتورية في مواجهة الاحتجاجات، إلا أنّهم يشيرون إلى أن أساليب إيران تلك ستعجل من نهايته، وأنّ قوة أجهزته القمعية لا تقارن بـ "السافاك" أيام شاه إيران، ولا بالـ "كي بي جي" أيام الاتحاد السوفيتي.

الانتفاضة الإيرانية أكدت رفض الشعب الإيراني للقيادة الإيرانية بشقيها (المتشدد والإصلاحي)

تماسك مؤقت للقيادة الإيرانية

أظهرت القيادة الإيرانية بشقيها؛ المتشدد ممثلاً بالمرشد الأعلى والحرس الثوري الإيراني، والإصلاحي ممثلاً برئيس الجمهورية حسن روحاني وطاقمه، انسجاماً بمواجهة القرار الأمريكي بالانسحاب من الاتفاق النووي، وتحت شعار تنمية الحس القومي الإيراني، رغم تصريحات من قبل متشددين في مجلس تشخيص مصلحة النظام، وبعض قيادات الحرس الثوري، حول توجيه انتقادات لروحاني والتيار الإصلاحي الذي راهن على الاتفاق النووي وأمريكا، إلا أنّ هذا الانسجام يبدو مؤقتاً، خاصة أنّ الانتفاضة الإيرانية أكدت بشعاراتها في أواخر العام، رفض الشعب الإيراني للقيادة الإيرانية بشقيها (المتشدد والإصلاحي): ( الموت للدكتاتور خامنئي الموت لروحاني)، ومن المرجح أنّ انطلاق الاحتجاجات الشعبية المتوقعة سيعيد الصراع بين التيارين إلى مربعاته الأولى، وهو ما يعني وضع تلك القيادة على المحك مجدداً، خاصة في اتهامات بالمسؤولية لكل القيادة الإيرانية عما وصلت إليه البلاد.

خلاصة

من غير الواضح احتمالات تحقيق نجاحات للسيناريو الأمريكي بممارسة ضغوط وعقوبات اقتصادية، وإمكانية أن تسهم في استئناف الانتفاضة وإسقاط النظام الإيراني من الداخل، لكن هناك العديد من المؤشرات التي تشير إلى إمكانية نجاح هذا السيناريو، مقابل احتمالات قليلة بإمكانية قدرة القيادة الإيرانية على إفشاله، رغم أنّ ظهور فاعليته تحتاج إلى فترة زمنية؛ ما يعني استمرار مظاهر عدم الاستقرار في المنطقة، خاصة على الاقتصاديات الضعيفة لبعض دول المنطقة.

اقرأ أيضاً: إيران تتحايل على العقوبات الأمريكية وتنشئ شركات طيران بأسماء وهمية

اقرأ المزيد...

الوسوم: