
بدا لافتًا ما بعثت به وزارة الخارجية الأمريكية، مؤخرًا، وكشف عن تطور جدي بشأن تعقيدات المشهد السوداني، خصوصًا في ظل استمرار وجود قنوات ارتباط بين مجموعات إسلاموية سودانية، بينها عناصر مرتبطة بجماعة الإخوان المصنفة ضمن قوائم الإرهاب، وإيران، مشيرة إلى أنّ هذه الجهات ما تزال تتلقى دعمًا عسكريًا وفنيًا ولوجستيًا، بجانب التدريب من قبل الحرس الثوري الإيراني.
وربما لا يبدو هذا الأمر مباغتًا، فالعلاقة بين الجماعة الأم للإسلام السياسي والحرس الثوري تتجاوز التعاون التكتيكي، وتتخطى أيّ تناقضات ظاهرية على المستوى العقائدي، وباتت تربطهما جملة مصالح جيواستراتيجية في ظل حاجة إيران إلى نقطة وحيز بالقرن الأفريقي والبحر الأحمر، وطموحاتها إلى موطئ قدم في هذه الدائرة الحيوية والاستراتيجية، الأمر الذي أمسى أكثر إلحاحًا بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، واكتشاف ورقة الضغط التي وظفتها طهران من خلال التهديدات للملاحة الدولية في مضيق هرمز، الذي يمر من خلاله خُمس إمدادات الطاقة والغاز الطبيعي المسال عالميًا. كما أنّ الإخوان بحاجة إلى سلاح وتدريب عسكري وإسناد يضمن البقاء في السلطة بالسودان، وقد برز دور المسيّرات الإيرانية في معادلات القوى داخليًا.
لهذا أعربت واشنطن عن قلقها من طبيعة هذه العلاقات، وأشار متحدث باسم الخارجية الأمريكية إلى أنّ بعض القوى الإسلامية المتحالفة مع الجيش السوداني تدير قنوات اتصال موازية مع طهران، معتبرًا أنّ استمرار هذه الروابط يضيف مزيدًا من التعقيد إلى الأزمة السودانية، خصوصًا في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة. وتأتي هذه المواقف في وقت يسعى فيه قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى إعادة ضبط تموضع الخرطوم الخارجي، ومحاولة تخفيف الضغوط الدولية المرتبطة بعلاقاتها مع طهران.
بين الضغوط الأمريكية وحسابات الجيش السوداني
وبحسب ما نقلته وكالة (بلومبيرغ) عن مصادر دبلوماسية وأمنية، قبل أيام، أبلغ الجيش السوداني الإدارة الأمريكية بأنّه لم يعد يعتمد على السلاح الإيراني، وأنّه لن يتجه إلى إبرام صفقات تسليح مستقبلية مع طهران، في خطوة تهدف إلى إعادة بناء الثقة مع واشنطن وفتح قنوات تعاون أوسع معها. كما أنّ هذه الخطوة تعكس محاولة من قيادة الجيش لإعادة تقديم نفسها كشريك يمكن التعامل معه في أيّ ترتيبات سياسية وأمنية مقبلة، خصوصًا مع تزايد الاهتمام الدولي بمسار إنهاء الحرب في السودان. إلا أنّ التحركات والمواقف الأمريكية تكشف عن استمرار القلق بشأن تشابك الصراع السوداني مع ملفات إقليمية أوسع، في ظل تنامي الحديث عن دور القوى الإسلاموية المرتبطة بالنظام السابق لعمر البشير، واحتمالية استخدام الحرب كمساحة لإعادة بناء شبكات النفوذ والتحالفات بما يسهم في تفكيك مؤسسات الدولة وتشكيل كيانات موازية.
وتضع هذه التطورات قيادة الجيش أمام معادلة معقدة؛ فهي مطالبة بالحفاظ على مصادر الدعم العسكري التي ساعدتها في إدارة الحرب، وفي الوقت ذاته تسعى إلى تفادي تداعيات الاصطفاف مع قوى إقليمية تواجه ضغوطًا وعزلة دولية، بما يجعل مستقبل العلاقات الخارجية للسودان جزءًا أساسيًا من معركة إعادة تشكيل السلطة بعد الحرب. ويبدو أنّ جماعة الإخوان الإرهابية تباشر جهودًا محمومة لإعادة التموضع سياسيًا في السودان عبر مشروع جديد يحمل اسم "الكتلة الإسلامية"، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة جديدة لإعادة إنتاج التنظيم تحت لافتة مختلفة، بعد سلسلة من التحولات التنظيمية والسياسية التي انتهجها على مدى عقود كلما واجه أزمات وجودية أو ضغوطًا داخلية وخارجية متصاعدة.
الإخوان ومحاولة العودة عبر "الكتلة الإسلامية"
تتزامن هذه التحركات في وقت يواجه فيه التنظيم تحديات غير مسبوقة، أبرزها تداعيات تصنيفه جماعة إرهابية في آذار (مارس) 2026، إلى جانب الضغوط الإقليمية والدولية المتزايدة التي تستهدف شبكاته السياسية والاقتصادية ومصادر نفوذه التقليدية. وتتزامن كذلك مع حالة السيولة السياسية والأمنية التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب في نيسان (أبريل) 2023، وما أفرزته من فراغات في المشهد السياسي تحاول قوى مختلفة ملأها استعدادًا لمرحلة ما بعد الحرب. وقد شرعت قيادات محسوبة على التنظيم الإسلاموي المصنف على قوائم الإرهاب في إجراء اتصالات مكثفة مع تيارات ذات مرجعيات دينية وطرق صوفية وإدارات أهلية وشخصيات اجتماعية، بهدف تأسيس إطار سياسي واسع تحت مسمّى "الكتلة الإسلامية"، يتضمن مجلسًا تنسيقيًا أعلى وأمانة عامة، بما يمنحه مظهرًا أكثر شمولًا واتساعًا من التنظيم التقليدي، ويخفف من الأعباء المرتبطة بالاسم التاريخي للإخوان وما يحمله من إرث سياسي مثير للجدل.
ولا تبدو هذه المحاولة منفصلة عن السياق التاريخي للتنظيم في السودان، الذي عُرف بقدرته على تغيير واجهاته السياسية والتنظيمية تبعًا للمتغيرات المحلية والإقليمية. فمنذ ستينيات القرن الماضي تنقل بين عدة مسميات، بدءًا من "جبهة الميثاق الإسلامي"، مرورًا بـ "الجبهة الإسلامية القومية"، ثم "المؤتمر الوطني" الذي ارتبط بحكم الرئيس المعزول عمر البشير، وصولًا إلى صيغ وتحالفات أخرى ظهرت عقب سقوط النظام في عام 2019.
وعليه، فإنّ الرهان الحالي لا يقتصر على تغيير الاسم أو إعادة هيكلة التنظيم، بل يستهدف تجاوز حالة العزلة السياسية التي لاحقت الإسلاميين السودانيين خلال السنوات الأخيرة، عبر تقديم مشروع سياسي جديد يبدو أكثر اتساعًا وأقلّ ارتباطًا بالبنية التنظيمية التقليدية للإخوان. غير أنّ نجاح هذه الاستراتيجية يظل محل شكوك عميقة، في ظل ارتباط قطاعات واسعة من الرأي العام السوداني بالتجربة السابقة للحركة الإسلامية وما ارتبط بها من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية. كما أنّ محاولات إعادة التموضع تأتي في لحظة تشهد فيها الساحة السودانية صراعًا متزايدًا حول شكل النظام السياسي المقبل، وهو ما يدفع مختلف القوى إلى بناء تحالفاتها مبكرًا استعدادًا لمرحلة ما بعد الحرب. إذ يسعى الإسلاميون إلى الحفاظ على حضورهم داخل المعادلة السياسية الجديدة ومنع استبعادهم الكامل من ترتيبات المستقبل، مستفيدين من شبكة علاقاتهم الاجتماعية والتنظيمية الممتدة داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.
ومع ذلك، فإنّ التحدي الأكبر أمام مشروع "الكتلة الإسلامية" لا يكمن في قدرته على استقطاب حلفاء جدد فحسب، بل في مدى نجاحه في إقناع الداخل السوداني والخارج الإقليمي والدولي بأنّ ما يجري يمثل تحولًا سياسيًا حقيقيًا، لا مجرد إعادة تدوير للتنظيم القديم تحت مسمّى جديد. فالتجارب السابقة أظهرت أنّ تغيير اللافتات لا يعني بالضرورة تغيير السياسات أو مراجعة الإرث السياسي الذي ما زال حاضرًا بقوة في الذاكرة السودانية.
المساءلة الدولية والحرب السودانية
بحسب الباحث السياسي المختص في الشؤون السياسية والإقليمية الدكتور هاني سليمان، فإنّه في وقت تتواصل فيه الحرب السودانية في إنتاج واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في القارة الإفريقية، تتجه الأنظار مجددًا إلى الأمم المتحدة في جنيف والاهتمام المتزايد دوليًا وإقليميًا بهذا الملف، حيث تحول ملف الانتهاكات المرتبطة بالنزاع إلى أحد أبرز القضايا المطروحة على أجندة الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان، المنعقدة قبل أيام قليلة. ويعكس هذا الحضور المتزايد للملف السوداني حجم القلق الدولي من استمرار تدهور الأوضاع الميدانية، واتساع نطاق الانتهاكات التي طالت المدنيين والبنية التحتية والخدمات الأساسية منذ اندلاع الحرب.
وناقش المجلس الأممي، خلال دورته المنعقدة منذ 15 حزيران (يونيو)، تطورات أوضاع حقوق الإنسان في السودان، مع التركيز على نتائج أعمال بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق، التي كُلّفت برصد الانتهاكات والتحقيق في الجرائم المرتكبة خلال النزاع. وتكتسب هذه المناقشات أهمية خاصة في ظل تصاعد المطالب الدولية والإقليمية بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وضمان عدم إفلات مرتكبيها من العقاب.
وبالتوازي مع اجتماعات المجلس، تقدمت مجموعة من المنظمات الحقوقية الأفريقية المعتمدة لدى الأمم المتحدة بمذكرة رسمية جرى اعتمادها وثيقةً أممية، دعت فيها إلى تمديد ولاية بعثة تقصي الحقائق الدولية لمدة لا تقلّ عن عامين إضافيين، معتبرة أنّ حجم الانتهاكات وتعقيدات المشهد السوداني يتطلبان استمرار آليات الرصد والتحقيق الدولية لفترة أطول.
وترى المنظمات الموقعة أنّ تمديد الولاية لا يهدف فقط إلى استكمال التحقيقات الجارية، بل أيضًا إلى توفير إطار مؤسسي أكثر فاعلية لمتابعة الجرائم المرتكبة وتوثيقها، بما يضمن الحفاظ على الأدلة والشهادات اللازمة لأيّ مسارات مستقبلية للمساءلة والعدالة الانتقالية. وشددت على أهمية تعزيز التنسيق بين بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق والبعثة المشتركة التابعة للمفوضية الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، بما يسهم في توحيد الجهود الدولية والإفريقية المتعلقة بحماية المدنيين ومراقبة الانتهاكات.
وتكتسب هذه الدعوات بُعدًا إضافيًا في ظل استمرار تعثر وصول آليات التحقيق الدولية إلى داخل السودان، وفق سليمان لـ (حفريات)، خصوصًا مع غياب التعاون الرسمي من جانب السلطات في بورتسودان. وتابع: "إنّ استمرار هذا الموقف قد يفاقم عزلة السلطات السودانية على المستوى الدولي، خصوصًا مع تنامي الضغوط داخل المؤسسات الأممية والإفريقية المطالبة بفتح المجال أمام البعثات المستقلة للوصول إلى مناطق النزاع وتقييم الأوضاع الإنسانية والحقوقية على الأرض. كما أنّ رفض التعاون مع آليات التحقيق قد ينعكس سلبًا على صورة السودان الخارجية ويُعقد أيّ مساعٍ مستقبلية لإعادة بناء الثقة مع المجتمع الدولي كما هو الحال في فترة البشير".
وفي ظل غياب أفق واضح لإنهاء الحرب، يبدو أنّ ملف المساءلة والعدالة بات يتقدم تدريجيًا إلى واجهة النقاش الدولي بشأن السودان، بما يتجاوز كونه مطلبًا حقوقيًا، وإنّما باعتباره أحد الشروط الأساسية لأيّ تسوية سياسية مستدامة. فالتجارب السابقة في مناطق النزاع أظهرت أنّ تجاهل الانتهاكات أو تأجيل معالجتها غالبًا ما يؤدي إلى إعادة إنتاج دورات جديدة من العنف وعدم الاستقرار، كما يوضح سليمان، وهو ما يجعل جهود التوثيق والتحقيق الحالية ضمن "معركة أوسع تتعلق بمستقبل الدولة السودانية وإمكانية بناء سلام دائم بعد الحرب".










![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A8%D9%8A%D8%A8%D8%A9_2_0_1_4_0_0_2_1_0.jpg.webp?itok=JUavmW24)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/88888_1_0.jpg.webp?itok=z8gvC3RS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_2_0.jpg.webp?itok=Mf-zyZxn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_7_0_0.jpg.webp?itok=Dz8R7P8M)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Capture_187.png.webp?itok=cUgosDEz)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20_2.jpg.webp?itok=AnV0Unc7)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)