بين أقمشة الخيمة وقفازات التحدي: فتاة من غزة تكسب قوتها بممارسة رياضة الملاكمة

بين أقمشة الخيمة وقفازات التحدي: فتاة من غزة تكسب قوتها بممارسة رياضة الملاكمة

بين أقمشة الخيمة وقفازات التحدي: فتاة من غزة تكسب قوتها بممارسة رياضة الملاكمة


07/06/2026

في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها سكان قطاع غزة، تواصل بعض القصص الفردية إظهار قدرة الإنسان على التمسك بالأمل ومواصلة الحياة رغم التحديات، ومن بين هذه القصص تبرز حكاية فتاة شابة اختارت ألّا تتخلى عن شغفها برياضة الملاكمة، فحولت خيمتها المتواضعة إلى مساحة تدريب يومية، تساعدها على الحفاظ على لياقتها وتحقيق حلمها الرياضي.

تعيش الفتاة غزل رضوان 23 عاماً مع أسرتها داخل إحدى الخيام التي أقيمت لإيواء النازحين، حيث تفتقر المنطقة إلى المرافق الرياضية والصالات المخصصة للتدريب، ورغم ضيق المكان والإمكانات المحدودة، استطاعت أن تبتكر وسائل بسيطة تمكنها من مواصلة ممارسة هوايتها المفضلة.

في إحدى زوايا مخيم مكتظ بالخيام في قطاع غزة، كانت هناك خيمة صغيرة لا تختلف كثيراً عن غيرها من الخارج، قماش مهترئ وحبال مشدودة بصعوبة، وأرضية من الرمل المختلط ببقايا الحصى، لكن ما إن يدخل أحد إلى تلك الخيمة، حتى يكتشف عالماً مختلفاً تماماً.

تقول غزل في حديثها لـ (حفريات): "منذ طفولتي كنت أحب الحركة والرياضة، لكن أكثر ما أسر قلبي كان الملاكمة، لم أشاهد مباريات كثيرة مباشرة، ولم أدخل نوادي رياضية فاخرة، إلا أنّ شغفي كان أكبر من كل الظروف، فبعد أن اضطرت عائلتي إلى النزوح والعيش في المخيم، ظن الجميع أنّ أحلامي الرياضية قد انتهت، فكيف يمكن لفتاة أن تتدرب على الملاكمة داخل خيمة ضيقة؟ وأين ستجد المعدات؟ ومن سيدربها"؟.

لكنّ غزل لم تكن من النوع الذي يستسلم بسهولة، في كل صباح، وقبل أن تستيقظ معظم الخيام المجاورة، كانت تنهض بهدوء، ترتب فراشها، وتفتح جانباً من الخيمة ليدخل بعض الضوء، ثم تبدأ طقوسها اليومية، علقت كيساً قديماً من القماش في أحد أعمدة الخيمة، وملأته بقطع قماش بالية ورمال خفيفة، لم يكن كيس ملاكمة حقيقياً، لكنّه كان كافياً بالنسبة إليها، لفت يديها بقطع قماش قصتها من ثياب قديمة، واتخذت وضعية الاستعداد ، واحد... اثنان... ثلاثة... كانت اللكمات تتوالى بإيقاع ثابت، أحياناً تهتز الخيمة كلها مع الحركة، فتضحك والدتها قائلة: "سيظن الجيران أنّ عاصفة دخلت الخيمة"، فتبتسم وتواصل التدريب، لم يكن الأمر مجرد رياضة بالنسبة إليها، كانت الملاكمة وسيلتها لمقاومة الإحباط والخوف والانتظار الطويل، كل لكمة كانت تحمل معها رسالة صامتة: ما زلت هنا، وما زلت أملك حلماً.

في المساء، كانت تجلس قرب مصباح صغير يعمل بالطاقة الشمسية، تشاهد مقاطع تعليمية على هاتف قديم حين تتوفر شبكة الإنترنت، وتدون الملاحظات في دفتر مهترئ، تعلمت أسماء الحركات، وأساليب الدفاع، وكيفية توزيع الجهد أثناء النزال ومع مرور الأسابيع، بدأت الفتيات الصغيرات في المخيم يلاحظن ما تفعله، كانت عدة فتيات يقفن خارج الخيمة لمشاهدتها وهي تتدرب، وفي أحد الأيام سألتها طفلة: "هل يمكنني أن أتعلم مثلك؟ ، توقفت غزل لحظة، ثم ابتسمت وقالت: نعم، ومنذ ذلك اليوم تحولت الخيمة الصغيرة إلى مساحة تدريب متواضعة، لم تكن هناك حلبة ولا قفازات احترافية، لكن كانت هناك إرادة قوية، كانت غزل تعلم الفتيات كيفية الوقوف بثبات، وكيفية الحركة بثقة، وكيفية احترام الرياضة قبل أيّ شيء آخر، كبرت المجموعة تدريجياً وصارت الخيمة تمتلئ بالضحكات والحماس بدل الصمت والكآبة، حتى الأمهات اللواتي كنّ مترددات في البداية، بدأن يشجعن بناتهن على المشاركة، وفي إحدى الأمسيات، بينما كانت الشمس تغيب خلف الأفق، وقفت غزل أمام باب الخيمة تنظر إلى السماء، كانت تسمع أصوات الأطفال في المخيم من حولها، وتشعر بالتعب في ذراعيها بعد تدريب طويل.

في تعقيب على ذلك، يرى مختصون في المجال الرياضي أنّ ممارسة الأنشطة البدنية في أوقات الأزمات تسهم في تحسين الصحة النفسية والجسدية، وتساعد الشباب على تفريغ الطاقة السلبية وتعزيز الشعور بالأمل، ويؤكدون أهمية توفير مساحات آمنة لممارسة الرياضة داخل مراكز الإيواء والمخيمات، لما لذلك من أثر إيجابي على مختلف الفئات العمرية.

يقول المدرب الرياضي أحمد شبير: "هناك طاقات رياضية كبيرة داخل قطاع غزة لكنّ الحصار الإسرائيلي قيد طموحات المئات من الشبان من كلا الجنسين في إبراز قدراتهم الرياضية المختلفة كما أنّ استمرار إغلاق السلطات الإسرائيلية المعابر حرم الكثير من الرياضيين الخروج والمشاركة في البطولات الدولية."
ولفت في حديثه لـ (حفريات) إلى أنّ "الفتاة غزل تبرز قصتها  جانباً من الإرادة التي يتمتع بها العديد من الشباب في غزة، حيث لا تقف الظروف الصعبة عائقاً أمام أحلامهم وطموحاتهم، حيث تواصل الفتاة من بين جدران خيمة بسيطة توجيه لكماتها نحو كيس تدريب بدائي، حاملة معها حلماً كبيراً بأن تصبح يوماً ما بطلة في رياضة الملاكمة، وأن تثبت أنّ الإصرار قادر على تجاوز أصعب التحديات." 

وأوضح أنّ "غزة فيها مواهب رياضية شابة واعدة في مختلف الألعاب، من كرة القدم وألعاب القوى إلى السباحة والفنون القتالية، وهؤلاء الشباب يملكون الإرادة والموهبة والطموح، لكنّهم يواجهون تحديات كبيرة بسبب الحصار المستمر، فقلة الإمكانات الرياضية، وصعوبة السفر للمشاركة في البطولات والمعسكرات الخارجية، ونقص المعدات والمنشآت المناسبة، كلها عوامل تحدّ من فرص تطورهم وإبراز قدراتهم على المستوى الإقليمي والدولي." 

وأكّد أنّه "رغم ذلك يواصل الرياضيون الشباب التدريب والإصرار على تحقيق أحلامهم، ويثبتون يوماً بعد يوم أنّ الموهبة قادرة على الصمود في أصعب الظروف، ونحن ـ المدربين ـ نرى في العديد من طاقات الشباب في غزة مستقبلاً رياضياً باهراً،  لكنّهم يحتاجون إلى فرص أكبر ودعم حقيقي، ليتمكنوا من المنافسة وإيصال رسالتهم إلى العالم." 

ورغم قسوة الظروف التي فرضها الحصار والحرب، ما تزال الشابات في غزة يتمسكن بحقهن في ممارسة الرياضة، حتى من داخل الخيام ومراكز الإيواء، فبين ضيق المساحات ونقص الإمكانات، تواصل الشابات بإصرار يعكس قوة الإرادة والأمل بالمستقبل، ورسالة تؤكد أنّ الرياضة بالنسبة إليهن ليست مجرد نشاط يومي، بل مساحة للصمود والتحدي، وإثبات أنّ الأحلام قادرة على الاستمرار مهما اشتدت الظروف.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية