من المتاجرة بالدين إلى صدام الدولة الوطنية.. هكذا اصطدم مشروع الإخوان بحقائق التاريخ

من المتاجرة بالدين إلى صدام الدولة الوطنية.. هكذا اصطدم مشروع الإخوان بحقائق التاريخ

من المتاجرة بالدين إلى صدام الدولة الوطنية.. هكذا اصطدم مشروع الإخوان بحقائق التاريخ


04/06/2026

على امتداد ما يقارب القرن من الزمن، قدمت جماعة الإخوان نفسها باعتبارها حركة إصلاحية تحمل مشروعا دينيا وسياسيا واجتماعيا شاملا، وسعت إلى ترسيخ حضورها في المجتمعات العربية والإسلامية عبر خطاب يقوم على استدعاء المرجعية الدينية وربطها بقضايا الحكم والسياسة والمجتمع، وقد نجحت الجماعة خلال مراحل مختلفة في استقطاب قطاعات واسعة من الأنصار، مستفيدة من الأزمات السياسية والاجتماعية التي عاشتها المنطقة ومن قدرتها على بناء تنظيم شديد الانضباط والانتشار.

ولم يقف مشروع الإخوان عند حدود الدعوة الدينية أو العمل الاجتماعي، بل ارتبط منذ نشأته بأهداف سياسية وتنظيمية عابرة للحدود، جعلت الجماعة تنظر إلى نفسها باعتبارها مشروعا أمميا يتجاوز مفهوم الدولة الوطنية الحديثة، فيما انعكس هذا التصور بوضوح في أدبيات التنظيم وخطابه السياسي وتحالفاته ومواقفه خلال العقود الماضية.

ومع تعاقب التجارب التي خاضتها الجماعة في أكثر من دولة، برزت فجوة متزايدة بين الشعارات التي رفعتها والنتائج التي انتهت إليها تلك التجارب، فبينما قدمت نفسها باعتبارها حلا للأزمات السياسية والاجتماعية، وجدت الجماعة نفسها في مواجهة انتقادات واسعة تتعلق بطبيعة مشروعها الفكري وأولوياتها التنظيمية ومدى قدرتها على التكيف مع متطلبات الدولة الحديثة.

وقد أعادت التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال العقد الأخير طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل المشروع الإخواني وأسباب تعثره المتكرر. فبعد سنوات من الصعود والتمدد، بات التنظيم يواجه تراجعا ملحوظا في نفوذه السياسي والشعبي، وسط مراجعات متزايدة لتجربته وممارساته في الحكم والمعارضة على حد سواء.

الدين في خدمة التنظيم

ومنذ تأسيس الجماعة عام 1928، أدركت قيادة الإخوان أهمية الخطاب الديني في كسب التأييد الشعبي وتوسيع دائرة النفوذ. ولذلك حرصت على تقديم مشروعها السياسي في إطار ديني يمنحه شرعية إضافية ويجعله أكثر قدرة على التأثير في المجتمعات المحافظة.

واعتمدت الجماعة على توظيف مفاهيم دينية عديدة في بناء خطابها التنظيمي، فربطت بين الانتماء إلى الجماعة ومفاهيم الإصلاح والنهضة والالتزام الديني، وهو ما منحها قدرة كبيرة على استقطاب الأنصار، خصوصا في الفترات التي شهدت تراجعا في ثقة الشارع بالأحزاب والقوى السياسية التقليدية.

ويرى منتقدو الجماعة أن هذا التوظيف لم يكن مجرد وسيلة دعوية، بل تحول إلى أداة سياسية ساعدت التنظيم على إضفاء طابع ديني على خياراته ومواقفه. فمع مرور الوقت أصبحت الحدود بين الدعوي والسياسي أكثر ضبابية، وأصبح التنظيم يقدم نفسه في كثير من الأحيان باعتباره ممثلا لمشروع إسلامي شامل وليس مجرد فاعل سياسي يخضع للنقد والمحاسبة كغيره من القوى السياسية.

كما ساهمت بعض الأدبيات الإخوانية في ترسيخ شعور بالتفرد داخل التنظيم، من خلال تصوير الجماعة باعتبارها طليعة الإصلاح والتغيير. وقد أدى ذلك، بحسب عدد من الباحثين، إلى تعزيز النزعة التنظيمية المغلقة وإلى خلق حالة من الاستقطاب بين «الجماعة» و«الآخر»، سواء كان هذا الآخر خصما سياسيا أو فكريا.

غير أن التجارب العملية أظهرت أن الخطاب الديني وحده لا يكفي لإدارة الدول أو معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المعقدة. فمع انتقال الجماعة من موقع المعارضة إلى مواقع السلطة في بعض البلدان، واجهت تحديات واقعية كشفت محدودية الشعارات أمام متطلبات الإدارة والحكم وصناعة السياسات العامة.

 التنظيم فوق الوطن

يعد مفهوم العلاقة بين التنظيم والدولة الوطنية من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ جماعة الإخوان. فمنذ بداياتها تبنت الجماعة رؤية تتجاوز الحدود الجغرافية للدول، وقامت على فكرة التنظيم العالمي الذي يربط بين فروعها المختلفة تحت مرجعية فكرية وتنظيمية واحدة.

وقد منح هذا البناء الإخوان قدرة كبيرة على الانتشار والتنسيق وتبادل الخبرات، لكنه في الوقت نفسه أثار تساؤلات متكررة حول طبيعة الأولويات داخل المشروع الإخواني. 

وتشير تجارب متعددة إلى أن هذا السؤال ظل حاضرا في معظم الأزمات التي تورطت فيها الجماعة. ففي أكثر من دولة واجهت اتهامات بتقديم المصالح التنظيمية على الاعتبارات الوطنية، سواء من خلال التحالفات السياسية أو من خلال بناء شبكات نفوذ داخل مؤسسات الدولة.

كما اتهمت الجماعة بالسعي إلى التغلغل في مؤسسات الدولة وإحلال الولاءات التنظيمية محل المعايير المهنية في بعض المواقع الحساسة. وقد برز هذا الجدل بشكل لافت في عدد من الملفات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، وأصبح أحد المحاور الرئيسية في الانتقادات الموجهة إلى التنظيم.

ويرى منتقدو الإخوان أن طبيعة البناء الهرمي القائم على البيعة والطاعة التنظيمية ساهمت في تعزيز هذا التصور، حيث بقي الولاء للتنظيم يمثل عنصرا مركزيا في هوية العضو الإخواني. وفي المقابل تؤكد الجماعة أن نشاطها ظل في إطار العمل السياسي والقانوني، وأن الاتهامات الموجهة إليها تندرج ضمن الصراع السياسي الذي رافق صعودها وتراجعها.

ومهما يكن من أمر، فإن الجدل حول العلاقة بين التنظيم والدولة الوطنية بقي من أكثر الملفات تأثيرا في صورة الجماعة وفي طبيعة علاقتها بالمؤسسات الرسمية في العديد من الدول.

تناقضات الخطاب والممارسة

رفعت جماعة الإخوان على مدار عقود شعارات تتعلق بالديمقراطية والإصلاح ومحاربة الفساد وتعزيز المشاركة السياسية، وهو ما منحها حضورا واسعا داخل قطاعات من الرأي العام الباحثة عن التغيير.

لكن وصول الجماعة إلى السلطة أو مشاركتها فيها وضع هذه الشعارات أمام اختبار عملي صعب. فالممارسة السياسية اليومية كشفت عن تعقيدات لم يكن الخطاب النظري قادرا وحده على التعامل معها، وبدأت تظهر فجوة بين ما تطرحه الجماعة في خطابها وما يراه خصومها في سلوكها السياسي.

وفي أكثر من تجربة تعرضت الجماعة لانتقادات تتعلق بمحاولات توسيع نفوذها داخل مؤسسات الدولة وبالسعي إلى تعزيز حضورها التنظيمي على حساب بناء توافقات وطنية واسعة، كما أنها نظرت دائما إلى الديمقراطية باعتبارها وسيلة للوصول إلى السلطة أكثر من كونها منظومة متكاملة لإدارة الاختلاف السياسي.

وتفاقمت هذه الانتقادات مع تصاعد الاستقطاب السياسي في عدد من الدول، حيث وجدت الجماعة نفسها في مواجهة قوى سياسية ومدنية رأت أن أداءها في السلطة لا ينسجم مع الشعارات التي رفعتها لسنوات طويلة.

كما أن الصورة الأخلاقية التي سعت الجماعة إلى ترسيخها عن نفسها تعرضت للاهتزاز مع دخولها معترك الحكم، خصوصا أن إدارة الدولة تتطلب التعامل مع ملفات معقدة تتعلق بالاقتصاد والأمن والعلاقات الخارجية والخدمات العامة، وهي مجالات لا تكفي فيها الشعارات أو الخطابات التعبوية لتحقيق النجاح.

وأدى ذلك إلى تراجع جزء من الرصيد الشعبي الذي راكمته الجماعة خلال سنوات المعارضة، حيث أصبح المواطن يقيم الأداء بناء على النتائج الملموسة أكثر من تقييمه للخطاب الأيديولوجي أو المرجعية الفكرية.

لماذا تعثرت التجربة الإخوانية؟

لا يمكن تفسير تعثر التجربة الإخوانية بعامل واحد فقط، فالأسباب تتداخل بين ما هو فكري وتنظيمي وسياسي واجتماعي. لكن عددا من الباحثين يجمعون على أن أحد أبرز أسباب الإخفاق يتمثل في الصعوبة التي واجهتها الجماعة في التوفيق بين طبيعتها التنظيمية المغلقة ومتطلبات الدولة الحديثة.

وفي وقت تقوم فيه الدولة المعاصرة على المؤسسات والقوانين والتوازنات والشفافية، تستند التنظيمات العقائدية عادة إلى منطق الانضباط الداخلي والمرجعية الفكرية الصلبة. وقد خلق هذا التناقض تحديات كبيرة أمام الجماعة عندما وجدت نفسها مطالبة بإدارة شؤون الدولة وليس فقط بمعارضة السلطة.

كما ساهمت التحولات التي شهدتها المجتمعات العربية في إضعاف جاذبية الخطاب الإخواني التقليدي، لا سيما أن الأجيال الجديدة أصبحت أكثر اهتماما بقضايا التنمية والتكنولوجيا وفرص العمل وتحسين مستوى المعيشة، وأقل انجذابا إلى الخطابات الأيديولوجية التي هيمنت على المجال السياسي لعقود طويلة.

ومن جهة أخرى، أدت الانقسامات الداخلية التي شهدتها الجماعة خلال السنوات الأخيرة إلى إضعاف قدرتها على إعادة تنظيم صفوفها أو تطوير خطابها السياسي. فقد ظهرت خلافات حادة بين الأجنحة المختلفة، وبرزت صراعات حول القيادة والخيارات المستقبلية، الأمر الذي انعكس سلبا على تماسك التنظيم.

كما أن الضربات الأمنية والقضائية التي تعرضت لها الجماعة في عدد من الدول، إلى جانب تراجع مصادر التمويل وشبكات النفوذ، ساهمت في تسريع وتيرة الانكماش التي يعيشها التنظيم خلال المرحلة الراهنة.

وبعد ما يقرب من مئة عام على تأسيسها، تواجه جماعة الإخوان واحدة من أكثر المراحل تعقيدا في تاريخها، فالتنظيم الذي نجح لعقود في بناء شبكة واسعة من النفوذ السياسي والاجتماعي يجد نفسه اليوم أمام واقع مختلف تفرضه التحولات الإقليمية وصعود مفهوم الدولة الوطنية وتراجع جاذبية المشاريع الأيديولوجية التقليدية.

وتكشف التجربة الإخوانية أن قوة التنظيم وقدرته على الحشد لا تكفيان وحدهما لضمان نجاح أي مشروع سياسي طويل الأمد، وأن المجتمعات الحديثة باتت تقيس نجاح القوى السياسية بقدرتها على تحقيق التنمية والاستقرار وتحسين حياة المواطنين أكثر من قياسه بقدرتها على رفع الشعارات أو استثمار الرموز الدينية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية