"البيعة أم المواطنة؟"... صراع الولاءات داخل التنظيمات الإسلامية

"البيعة أم المواطنة؟"... صراع الولاءات داخل التنظيمات الإسلامية

"البيعة أم المواطنة؟"... صراع الولاءات داخل التنظيمات الإسلامية


01/06/2026

أنتجت الدولة الحديثة واحدًا من أكثر المفاهيم السياسية رسوخًا في التاريخ المعاصر: مفهوم المواطن. فالفرد داخل الدولة الوطنية لم يعد تابعًا لقبيلة أو طائفة أو جماعة دينية، بل أصبح عضوًا في مجتمع سياسي تربطه بالدولة رابطة قانونية تقوم على الحقوق والواجبات المتبادلة. غير أنّ القرن العشرين شهد في الوقت نفسه صعود تنظيمات إيديولوجية وحركية كبرى، لم تكتفِ بالانتماء الوطني العام، بل سعت إلى بناء دوائر إضافية من الولاء والالتزام والانضباط. ومن بين هذه التنظيمات برزت الحركات الإسلامية الحديثة، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، التي طورت بنية تنظيمية متماسكة تقوم على التربية والالتزام والبيعة والسمع والطاعة. ومن هنا ظهر سؤال ظل حاضرًا في خلفية النقاش حول الإسلام الحركي طوال عقود: هل يمكن أن يتعايش الانتماء إلى الدولة الحديثة مع الانتماء إلى تنظيم عقائدي منظم دون أن ينشأ بينهما توتر؟ وأين تنتهي حدود الولاء للتنظيم وأين تبدأ حدود الولاء للدولة؟

قبل ظهور المواطن الحديث

لم تكن البيعة مفهومًا غريبًا عن التاريخ الإسلامي. فقد ارتبطت منذ البدايات الأولى للدولة الإسلامية بمسألة السلطة السياسية وشرعية الحكم. كانت البيعة في جوهرها عقدًا سياسيًا بين الجماعة والحاكم، تعبر من خلاله الجماعة عن قبولها السلطة والتزامها بالطاعة في إطار النظام السياسي القائم. ولهذا ارتبطت البيعة تاريخيًا بالخلفاء والأمراء والحكام، ولم تكن جزءًا من حياة المسلمين اليومية خارج المجال السياسي العام. وحتى عندما عرف التاريخ الإسلامي جماعات علمية أو صوفية أو دعوية، لم تتحول البيعة في أغلب الأحوال إلى نظام تنظيمي شامل يعيد تشكيل علاقة الفرد بالمجتمع والدولة كما حدث لاحقًا داخل بعض التنظيمات الحديثة.

وقد شهد القرن التاسع عشر تحولات كبرى أعادت تعريف المجال السياسي في العالم كله. فمع صعود الدولة الحديثة وتطور المؤسسات الدستورية والقانونية ظهر مفهوم جديد للانتماء يقوم على المواطنة لا على البيعة الشخصية للحاكم. وأصبح الفرد عضوًا في الدولة بحكم القانون، لا بحكم رابطة خاصة تربطه بشخص الحاكم أو الجماعة. وهكذا بدأت الدولة الحديثة تبني شرعيتها على المؤسسات والدستور والقانون، بينما تراجعت الصيغ التقليدية للعلاقة السياسية التي سادت في عصور سابقة.

كيف أعاد البنا توظيف البيعة؟

عندما أسس حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين لم يكن هدفه بناء حزب سياسي بالمعنى التقليدي، ولا جمعية خيرية محدودة النشاط، بل كان يسعى إلى إنشاء حركة شاملة تعيد تشكيل الفرد والمجتمع والدولة. ومن أجل تحقيق هذا الهدف احتاج إلى بناء تنظيم يمتلك درجة عالية من التماسك والانضباط والاستمرارية. هنا عادت البيعة إلى الواجهة، ولكن في سياق مختلف عن سياقها التاريخي القديم.

لم يطرح البنا البيعة باعتبارها عقدًا سياسيًا بين الأمة والحاكم، بل باعتبارها رابطة تنظيمية تربط العضو بالجماعة وقيادتها ومشروعها. ومن خلال نظام الأسر التربوية ومراتب العضوية وأركان البيعة المعروفة داخل الجماعة، أصبحت جزءًا من عملية التكوين الحركي للفرد. وبذلك انتقلت من المجال السياسي العام إلى المجال التنظيمي الخاص، واكتسبت وظيفة جديدة تتمثل في تعزيز الانضباط الداخلي وترسيخ الولاء للمشروع الحركي.

ولم يكن هذا التطور مجرد تفصيل تنظيمي، بل عكس تحولًا أعمق في طبيعة العلاقة بين الفكرة والتنظيم. فالجماعة لم تعد مجرد وسيلة لنشر الأفكار، بل أصبحت إطارًا متكاملًا يعيد تشكيل رؤية العضو للعالم ويمنحه هوية حركية خاصة. ومن هذه اللحظة بدأ التنظيم يحتل موقعًا متقدمًا في تجربة الإسلام الحركي الحديثة.

التنظيم يصنع هويته الخاصة

لا تقتصر وظيفة التنظيمات الكبرى على إدارة الأنشطة أو تنسيق الجهود، بل تمتد إلى إنتاج ثقافة خاصة بها. فمع مرور الوقت تطور داخل الحركات الإسلامية ما يمكن وصفه بعالم اجتماعي وثقافي متكامل: لغة خاصة، ومفاهيم خاصة، وشبكات علاقات داخلية، ومسارات للتدرج والترقي، وآليات للتنشئة والتربية. وأصبح الانتماء إلى التنظيم تجربة تتجاوز مجرد الاتفاق الفكري لتتحول إلى نمط حياة كامل.

ولا يعني ذلك بالضرورة انفصال التنظيم عن المجتمع، لكنّه يعني أنّ العضو يبدأ في النظر إلى العالم من خلال عدسة تنظيمية تضيف إلى انتمائه الاجتماعي والسياسي انتماءً آخر أكثر خصوصية. وكلما ازدادت قوة هذا الانتماء الداخلي، ازدادت أهمية السؤال المتعلق بترتيب دوائر الولاء المختلفة في حياة الفرد.

على الجانب الآخر تطورت الدولة الحديثة في اتجاه مختلف تمامًا. فهي لا تطلب من مواطنيها البيعة، ولا تقوم شرعيتها على الالتزام الشخصي بقياداتها، بل على الخضوع للقانون والاحتكام إلى المؤسسات. فالمواطن في الدولة الحديثة لا يصبح عضوًا فيها عبر التدرج التنظيمي، ولا يحتاج إلى إثبات ولائه العقائدي أو الفكري، بل يكتسب حقوقه وواجباته من خلال رابطة المواطنة ذاتها.

ومن هنا ينشأ الفرق الجوهري بين منطق التنظيم ومنطق الدولة. فالتنظيم يقوم على العضوية والالتزام والانضباط الداخلي، بينما تقوم الدولة على المواطنة العامة التي تشمل الجميع بغضّ النظر عن انتماءاتهم الفكرية أو العقائدية. والتنظيم يميز بين أعضائه وغير أعضائه، أمّا الدولة الحديثة، فالمفترَض أنّ تتعامل مع جميع المواطنين على قدم المساواة أمام القانون.

ولذلك لا تنظر الدولة الحديثة إلى الفرد باعتباره عضوًا في جماعة ملتزمة، بل باعتباره مواطنًا مستقلًا يمتلك حقوقًا شخصية ويشارك في المجال العام من خلال المؤسسات السياسية والقانونية المعترف بها، وهنا يظهر التوتر الكامن بين النموذجين.

عندما تتزاحم الولاءات

في الظروف العادية قد لا يظهر أيّ تعارض بين الانتماء إلى تنظيم والانتماء إلى الدولة. لكنّ الإشكالية تبرز عندما تختلف أولويات التنظيم مع أولويات المجال الوطني العام، أو عندما يطلب التنظيم من أعضائه مواقف سياسية لا تتطابق مع ما تراه مؤسسات الدولة أو قطاعات واسعة من المجتمع.

في هذه اللحظة يصبح السؤال أكثر حساسية: أيّ الولاءات يتقدم على الآخر؟ هل تكون الأولوية للالتزام التنظيمي أم للمواطنة العامة؟ وهل يستطيع الفرد الفصل بينهما بصورة كاملة؟ أم أنّ أحدهما سيؤثر حتمًا في الآخر؟

لم تقتصر هذه الإشكالية على الحركات الإسلامية وحدها، فقد عرفتها أحزاب إيديولوجية وحركات عقائدية عديدة عبر التاريخ. لكنّ خصوصية الإسلام الحركي جاءت من الجمع بين رابطة تنظيمية قوية ورؤية فكرية تعتبر نفسها معبرة عن مشروع يتجاوز الحدود السياسية القائمة. ومن هنا اكتسبت مسألة الولاء والانتماء أهمية استثنائية داخل النقاشات المتعلقة بهذه الحركات.

ازدادت هذه الأسئلة تعقيدًا مع ظهور التنظيمات العابرة للحدود. فحين يقتصر التنظيم على دولة واحدة تبقى إشكالية الولاء محصورة داخل المجال الوطني. أمّا عندما تنشأ شبكات تنظيمية تمتد بين عدة دول، فإنّ العلاقة بين التنظيم والدولة تصبح أكثر تعقيدًا.

وقد مثلت تجربة التنظيم الدولي للإخوان أحد أبرز النماذج على ذلك. فوجود هياكل تنسيق وعلاقات تنظيمية عابرة للحدود أعاد طرح أسئلة السيادة والانتماء بصورة جديدة. لم يعد الأمر متعلقًا فقط بعلاقة العضو بجماعته داخل دولته، بل بعلاقته بشبكة أوسع تتجاوز الحدود الوطنية نفسها. وهنا انتقل النقاش من مستوى الالتزام التنظيمي الداخلي إلى مستوى العلاقة بين التنظيمات العابرة للحدود والدولة الوطنية الحديثة.

تكشف تجربة الإسلام الحركي خلال القرن الماضي أنّ الجدل حول البيعة والمواطنة لم يكن مجرد خلاف تنظيمي أو سياسي، بل كان تعبيرًا عن تصورين مختلفين للجماعة السياسية نفسها. فالدولة الحديثة تنطلق من المواطن بوصفه الوحدة الأساسية للحقوق والواجبات والشرعية السياسية، بينما تقوم التنظيمات الحركية على العضو الملتزم الذي تربطه بالجماعة رابطة فكرية وتنظيمية تتجاوز أحيانًا المجال الوطني الضيق.

ولهذا لم يكن التوتر بين الدولة الوطنية والتنظيمات الإسلامية نتيجة صراعات ظرفية أو أحداث عابرة، بل ارتبط بسؤال أعمق يتعلق بطبيعة الانتماء السياسي وحدوده. فمنذ أن انتقلت البيعة من المجال السياسي العام إلى المجال التنظيمي الخاص، ومنذ أن ظهرت جماعات تمتلك هياكل ولاء تتجاوز الدولة أحيانًا، أصبح من الصعب تجنب هذا السؤال: أين تنتهي حدود التنظيم، وأين تبدأ حدود الدولة؟ وحتى اليوم ما يزال هذا السؤال حاضرًا في قلب الجدل الدائر حول الإسلام الحركي والدولة الوطنية في العالم العربي.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية