
قدّم المُنظّر الرئيس لجماعة الإخوان المسلمين والجماعات الجهادية سيد قطب مشروعًا لإقامة مدينة الله، أو المدينة الإسلامية التي يحكم فيها الله، ويُعلن أنّ ما يُقدمه من أهداف هي الأهداف الإلهية، ويوحد بين ما يطرحه وما هو إلهي كأنّه يعرف ما هو كامن في الضمير الإلهي، والواقع أنّ جماعة الإخوان المسلمين تقدّم نفسها بهذه الصورة أيضًا؛ إذ أنّها تُقدم نفسها بوصفها الوكيل الحصري للإرادة الإلهية على هذه الأرض، وليست فصيلًا سياسيًا يمكن الاختلاف معه.
ومن نظرة واقعية تاريخية فإنّ خطاب قطب انطلق من بُعدٍ سياسي قبل أن يكون دينيًا، فقد خرج خطابه من الأفق السياسي في مرحلة الستينيات الذي أخذ زاوية القومية العربية والوطنية، ولم يكن أمام قطب من بديل إيديولوجي موازٍ لخطاب القومية العربية غير الخطاب الإسلامي، خاصة أنّ نظام عبد الناصر هو من انقلب على قطب، وكان يحمل عداءً كبيرًا له، وكانوا يكفرونه بوصفه نظامًا شيوعيًا.
البُعد الإيديولوجي لخطاب قطب
أوضح الباحث والمفكر المصري "نصر حامد أبو زيد" (1943- 2010) البُعْدَ الإيديولوجي لخطاب "قطب"، ويرى أنّه "يتوجه بخطابه مباشرةً إلى الشعارات التي صاغها النظام في مرحلة الستينيات وهي شعاراتُ: الحرية والاشتراكية والوحدة"، ولا يمكن تبرئة خطابِ السلطة السياسية في مرحلة الستينيات، ولكنّه لم يحول المعركة السياسية إلى معركة دينية إيمانية، وإن تناولها من زاوية الوطنية وعدم الوطنية والخيانة، وما لها من واقعٍ مرفوض ومستهجن، ولكنّها لا توازي الاختلاف مع القرآن وخيانة الدين.
وضع قطب نظامه على أنّه النظام الإلهي الذي جاء به القرآن، ومن ثم فالاختلاف معه يُعدّ اختلافًا على القرآن، وكفرًا بالدين الإسلامي، وهو ما طُرح من خطاب واحد لا يقبل الاختلاف من خلال السلطة القائمة باسم السيادة الوطنية، بيد أنّ قطب شكله في أرضيته، والخُطورة تقع على النص الديني الذي إذا دخل ميدان السياسة يُصبح وقودًا تسير به العملية السياسية، ويُصبح أداةَ إقصاءٍ وقمعٍ ضد المواطنين الذين يبحثون فيه عن التواصل الرُوحي.
فقد رأى "قطب" أنّه لا مجال للتنافس مع النظام السياسي المُعاصر، إلا من خلال الأرضية الدينية، ومن ثم ذهب إلى إحياء مفهومَ الدولةِ بوصفها حارسةً للدين، وطرح الإسلام هُويةً، ونصّب نفسه حارسًا عليه ومدافعًا عن الدين، وأضحى عدم الخضوع لمبدأ الحاكمية يُعَدُّ تمرّدًا على عبودية الإنسان لله، وخيانةً للدولة والدين وعهد الله.
وأضحت الحاكمية على يد قطب تُمَثِّلُ ركنًا من أركان العبادة، وعليه أصبحت أحدَ المنطلقات التي ينطلق منها الخطاب الديني، الذي يدعو إلى حكم الإسلام، والله عزّ وجلّ، وعودة الإسلام من جديد، وهو أمرٌ شبه متفقٍ عليه داخل الفئات الدينية.
والله لا يمكن أن ينزل ليحكم بنفسه، ولكن يمكن الحكمُ من خلال النصوص التي تعرف تأويلها الفئات الدينية -التي تصدر الخطاب الديني– وتخلط أحيانًا بين رؤيتها والمقصد الإلهي، ممّا يجعلها في حالة تماهٍ مع الذات الإلهية، ومن ثم يحكم الله من خلالها؛ فالحكم لله وفق النسق الأصولي (الجهادي منه والوسطي) يكون باتخاذ القرآن دستورًا حاكمًا يجب على الجميع الإذعان له وتنفيذ أوامره والعمل به؛ ويكون القرآن المصدر الأساسي ولا يعود العقل الإسلامي إلا إليه.
امتلاك المنهج الإلهي
يقول قطب في كتابه "الإسلام ومشكلات الحضارة": "نحن -أصحاب المنهج الإسلامي للحياة ـ نملك للبشرية ما لا يملكه أحدٌ آخر على هذه الأرض... وحدنا مكلفون أن نتقدم لحمل العبء، ولندلّ البشرية على هذا الطريق، ولننشئ الطريق أيضًا". وقد تخلى تمامًا عن طرح نسقه الفكري بوصفه نسقًا إنسانيًا كغيره من الأنساق السياسية، ويقدمه وثيقةً إرشاديةً للبشرية كلها من الله، والحياد عنها حياد عن دين الله.
فيزعم أنّ "قيام المجتمع الإسلامي ضرورةٌ إنسانية وحتمية فطرية"، و"النظام الإسلامي يعدل بعدل الله، ويزن بميزان الله، ويرفع راية العدالة الاجتماعية باسم الله وحده، ويسمّيها راية الإسلام، لا يقرن إليها اسمًا آخرَ ويكتب عليها: لا إله إلا الله." و"المجتمعُ الإسلامي هو الذي يتخذ المنهجَ الإسلامي كله منهجًا لحياته كلها"، والواقع أنّ مثلَ هذه الشعارات لها وَقْعٌ طيبٌ وربما سحري في نفوس المسلمين، أن يكون هناك نظامٌ يعدل بعدل الله ويحكم بما أنزل الله، هي أمنيةُ كل مسلم، بَيْدَ أنّ "قطب" يضع هذا النظام ويحكمه هو ليكون الاختلاف معه اختلافًا مع الله.
واستقى قطب البُعد النضالي لقيام المجتمع الإسلامي من الفلسفة الماركسية التي أخذت بُعدًا نضاليًا مقاومًا في ذلك الحين، حيث كانت الفلسفة الماركسية آنذاك تمثل فلسفة مقاومة للسيطرة والاستعباد الرأسماليين، وخروج حالة الاغتراب التي يخلقها النظام الرأسمالي، والاستهلاك الدائم، التي تخضع الإنسان لقيود الرأسمالية وتجعله يفقد إنسانيته، وكان النظام المصري آنذاك يتبنّى النظام الاشتراكي الذي رأى أنّه يُعبّر عمّا هو إنساني وفطري.
وعلى ذلك وجد قطب نفسه مضطرًا للبحث عن نظام يمكنه أن يزعم بضرورته وفطريته، ليُواجه به سيطرة النظام القائم فعليًا، خاصة أنّ النظام القائم يملك مفاصل السلطة والقدرة على صياغة الوحي الجمعي، وبدأ بالبحث عن نظام اجتماعي، أو إنتاجه، ولكنّه لجأ في الأخير إلى أفيون الشعوب، وهو الدين، ليستهلكه في بناء خطابه الموازي لخطاب السلطة، خاصة أنّ الاشتراكية كانت تتحدث كذلك باسم الإنسانية والنبل وإحياء الإنسان، ولا يوجد ما يُعادل هذه القيم في الاستهلاك أكثر من الدين.
خاصة أنّ الدين على مرّ التاريخ أثبت قوة إقناعه في ميدان السياسة، ممّا جعله أول الأدوات التي تلعب بها السلطة السياسية عادة، واتخذته جماعة الإخوان ذريعة لحضورها السياسي المتعالي على كل الفصائل السياسية، والذي يمكنها من تجييش الجموع رغم غياب انتصاراتها السياسية، وعدم وجود مشروع حيوي قابل للتطبيق أو ينطلق من الواقع المُعاش والملموس.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)