
في مشهد صادم يكشف حجم التدهور الإنساني والمعيشي الذي يعيشه اليمنيون داخل مناطق سيطرة حزب الإصلاح، "الذراع السياسية لتنظيم الإخوان المسلمين في اليمن"، أقدم الجندي عبد الواحد علي حسن، على إحراق نفسه داخل أحد مساجد مدينة مأرب، احتجاجًا على حرمانه المستمر من راتبه ومستحقاته المالية، في حادثة هزت الرأي العام اليمني، وأعادت إلى الواجهة ملف الفساد والانتهاكات التي تطال العسكريين والمدنيين على حد سواء في المحافظة التي تُعدّ المعقل الأبرز لنفوذ الحزب.
الحادثة التي وثقتها كاميرات المراقبة في جامع البقما بمأرب، أظهرت الجندي المنحدر من محافظة إب وهو يسكب مادة قابلة للاشتعال على جسده عقب صلاة المغرب، ويشعل النار في نفسه وسط ذهول المصلين الذين سارعوا لمحاولة إنقاذه، في مشهد مأساوي عكس حالة الانهيار النفسي واليأس التي وصل إليها الرجل بعد أشهر طويلة من المماطلة في صرف مستحقاته المالية.
الجندي كان يعاني أوضاعًا معيشية صعبة للغاية، شأنه شأن آلاف العسكريين الذين يشكون من توقف الرواتب أو تأخيرها بشكل متكرر، في وقت تتزايد فيه الاتهامات الموجهة لقيادات عسكرية وإدارية محسوبة على حزب الإصلاح بالاستيلاء على مخصصات المرتبات وتحويلها إلى شبكات ولاء حزبي وتمويلات خاصة بعيدًا عن مستحقيها.
احتقان على شفا الانفجار
الحادثة لم تكن مجرد تصرف فردي ناتج عن ضغوط نفسية، بل جاءت كتجسيد مأساوي لحالة الاحتقان المتفاقمة داخل المؤسسة العسكرية الخاضعة لنفوذ الحزب، حيث يعيش كثير من الجنود أوضاعًا قاسية في ظل انقطاع الرواتب، وغياب الرعاية، وتراكم الديون، مقابل حالة من الثراء والنفوذ التي يتمتع بها عدد من القيادات المتحكمة بالمشهد العسكري والإداري في مأرب.
مأرب، التي تحولت خلال سنوات الحرب إلى مركز ثقل سياسي وعسكري لحزب الإصلاح، شهدت توسعًا هائلًا في الموارد المالية بفعل عائدات النفط والغاز والدعم الحكومي والعسكري، إلا أنّ هذه الموارد لم تنعكس على حياة السكان أو الجنود، بل تركزت في دوائر ضيقة تديرها قيادات نافذة، بينما بقيت الأغلبية تعاني الفقر والتهميش.
وتكشف شكاوى متكررة من جنود وضباط عن وجود اختلالات واسعة في كشوف المرتبات، وحرمان متعمد لبعض الأفراد من مستحقاتهم، فضلًا عن استمرار ظاهرة "الأسماء الوهمية" التي تُستنزف عبرها مبالغ مالية ضخمة من موازنة الجيش، في واحدة من أكثر صور الفساد الإداري والمالي إثارة للغضب داخل مناطق الحكومة الشرعية.
ولطالما اتهم ناشطون وحقوقيون قيادات إصلاحية بتحويل المؤسسة العسكرية إلى أداة حزبية تخدم مشروع الجماعة، بدلًا من كونها مؤسسة وطنية. ويؤكد هؤلاء أنّ التعيينات والترقيات والامتيازات تُمنح وفق الولاء السياسي، بينما يتم تهميش مئات الجنود الذين لا ينتمون إلى البنية التنظيمية للحزب أو لا يملكون وساطات نافذة.
وتزداد خطورة هذه السياسات في ظل الانهيار الاقتصادي الذي يضرب اليمن عمومًا، حيث أصبحت الرواتب بالنسبة إلى الجنود وعائلاتهم شريان الحياة الوحيد، وهو ما يجعل حرمانهم منها بمثابة حكم بالإعدام البطيء. وفي ظل غياب المحاسبة والرقابة الفعلية تتحول هذه المعاناة إلى مأساة يومية صامتة لا تجد من يسمعها إلا عندما تنفجر في صورة كارثية كما حدث مع الجندي عبد الواحد.
إنّ حادثة إحراق الجندي نفسه داخل مسجد، وأمام المصلين، لم يكن مجرد محاولة لإنهاء حياته، بل رسالة احتجاج قصوى أراد من خلالها إيصال صوته إلى مجتمع تجاهل صرخات المظلومين طويلًا، وإلى سلطة تواصل إدارة الملفات الحيوية بعقلية الولاء الحزبي لا المسؤولية الوطنية.
وتعكس الواقعة حجم التصدع النفسي والاجتماعي الذي أصاب كثيرًا من العسكريين في مناطق سيطرة الحزب، بعدما وجدوا أنفسهم بين مطرقة الحرب وسندان الفساد، يقاتلون في الجبهات بينما تُنهب حقوقهم في الخلف، ويُتركون لمواجهة الجوع والعجز والخذلان.
نهب منظم تحت حكم الإخوان
وتشهد محافظة مأرب، التي تُعدّ المركز الرئيسي لنفوذ حزب الإصلاح في اليمن، أزمة اقتصادية ومعيشية متفاقمة رغم امتلاكها واحدة من أهم الثروات النفطية والغازية في البلاد، حيث تحولت المحافظة خلال السنوات الأخيرة إلى نموذج صارخ للتناقض بين وفرة الموارد واتساع رقعة الفقر والانهيار المعيشي.
وتُنتج مأرب النسبة الكبرى من الغاز المنزلي في اليمن عبر منشأة صافر، إضافة إلى حقول نفطية تمثل مصدرًا اقتصاديًا بالغ الأهمية، إلا أنّ هذه العائدات الضخمة لم تنعكس على حياة السكان أو العسكريين، وسط اتهامات متصاعدة لقيادات مرتبطة بحزب الإصلاح بالتحكم في الموارد وتوجيهها نحو شبكات النفوذ الحزبي والإنفاق غير الخاضع للرقابة.
وبحسب تقديرات اقتصادية وتقارير حكومية يمنية، فإنّ عائدات النفط والغاز في مأرب كانت تمثل قبل الحرب أحد أبرز مصادر الدخل القومي، وقد استمرت المحافظة بعد عام 2015 في تحصيل إيرادات كبيرة من مبيعات الوقود والغاز والطاقة، إضافة إلى الضرائب والجمارك والإتاوات المفروضة على حركة النقل والتجارة.
ورغم ذلك، تعاني المحافظة من انهيار حاد في الخدمات الأساسية، وارتفاع غير مسبوق في معدلات الفقر والبطالة، حيث تشير تقارير أممية إلى أنّ أكثر من 80% من اليمنيين باتوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية، بينما تُعدّ مأرب من أكثر المحافظات التي شهدت تضخمًا سكانيًا وضغطًا اقتصاديًا بسبب موجات النزوح المستمرة.
ووفق بيانات منظمات إنسانية، استقبلت مأرب ما يزيد على مليوني نازح خلال سنوات الحرب، وهو ما تسبب في تضاعف أسعار الإيجارات والمواد الغذائية والخدمات بصورة قياسية. وفي بعض مناطق المدينة ارتفعت إيجارات المنازل بنسبة تجاوزت 300% مقارنة بسنوات ما قبل الحرب، بينما قفزت أسعار الأراضي والعقارات إلى مستويات غير مسبوقة نتيجة المضاربات والاستحواذات الواسعة المرتبطة بمتنفذين نافذين.
وسجّل الريال اليمني انهيارات متتالية في مناطق الحكومة الشرعية، بما فيها مأرب، حيث تجاوز سعر صرف الدولار في بعض الفترات حاجز 2000 ريال يمني، الأمر الذي انعكس بشكل كارثي على أسعار السلع الأساسية والقدرة الشرائية للمواطنين والعسكريين.
وأدى هذا الانهيار النقدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء والوقود والأدوية بشكل حاد، إذ تضاعفت أسعار كثير من السلع عدة مرات خلال السنوات الأخيرة، بينما بقيت الرواتب متوقفة أو تُصرف بصورة متقطعة لقطاعات واسعة من الموظفين والجنود.
وتواجه مأرب أيضًا أزمة خانقة في البنية التحتية والخدمات رغم الموارد الكبيرة. فالتيار الكهربائي يشهد انقطاعات متكررة، وتعاني شبكات المياه والصرف الصحي من تدهور حاد، إلى جانب ضعف الخدمات الصحية والتعليمية، الأمر الذي يفاقم معاناة السكان والنازحين.
وتحولت الأسواق في المدينة إلى بيئة مرهقة للمواطنين بفعل الارتفاع المستمر للأسعار. وتشير تقديرات محلية إلى أنّ أسعار بعض السلع الأساسية ارتفعت بأكثر من 500% مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، في حين ارتفعت أسعار الوقود عدة أضعاف نتيجة الأزمات المتكررة واحتكار التوزيع.
بالتزامن مع ذلك تنامى اقتصاد السوق السوداء داخل مناطق نفوذ حزب الإصلاح، حيث يتم التحكم في تجارة الوقود والغاز والمشتقات النفطية عبر شبكات مرتبطة بقيادات نافذة، بينما يتحمل المواطن العادي تبعات الأزمات المتلاحقة وارتفاع تكاليف المعيشة.
في المقابل، تعيش شرائح واسعة من السكان على المساعدات الإنسانية والتحويلات الخارجية، مع تراجع فرص العمل وتوقف كثير من الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية. وأدى النزوح الكثيف إلى ضغوط إضافية على سوق العمل، وهو ما تسبب في ارتفاع معدلات البطالة والفقر بصورة غير مسبوقة.
الأزمة الاقتصادية في مأرب لم تعد مجرد نتيجة للحرب فقط، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بطبيعة الإدارة الاقتصادية والفساد واحتكار الموارد، في ظل غياب الشفافية والرقابة الحقيقية على الإيرادات الضخمة التي تدخل المحافظة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_4_0_0_2_0.jpg.webp?itok=bcMsNu4F)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85_0.jpg.webp?itok=QEuO2sEV)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=ZyKoW2DS)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_70_0_0.jpg.webp?itok=l2E0VzN5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%8A%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=8x2y4tXt)





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/yil65yhb0ltnpan5hqsv.jpg.webp?itok=i4xOuWNs)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-09%20131749.png.webp?itok=B5k53ons)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)