
مختار الدبابي
تبدو الأزمة في مالي، في ظاهرها، صراعا داخليا معقّدا بين سلطة مركزية هشة وتحالفات مسلحة متداخلة تجمع بين الانفصاليين والجماعات الجهادية. لكن القراءة الأعمق لما يحدث في شمال البلاد تكشف أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في المواجهة العسكرية أو في احتمال سقوط مناطق جديدة خارج سيطرة الدولة، أو حتى سقوط النظام نفسه، بل في التحول التدريجي نحو نوع من “التطبيع” مع واقع تفرضه الجماعات المتشددة تحت غطاء التحالفات المحلية والعرقية والانفصالية.
لا يمكن التأسيس لوجود جهادي معترف به بشكل غير معلن ضمن لعبة غربية لقطع الطريق على مساعي روسيا لاستئناف نفوذها في منطقة الساحل والصحراء، أو ضمن أساليب المناكفة التي تلجأ إليها بعض دول الإقليم.
المعضلة ليست في أن جماعات مسلحة تسعى إلى إسقاط نظام مضطرب أو إنهاك سلطة انتقالية تواجه عزلة إقليمية ودولية، لأن مثل هذه التحديات يمكن احتواؤها مع الوقت، مهما كانت كلفتها. الخطر الأبعد مدى يتمثل في القبول الضمني، أو التغاضي المقصود، عن منح الجماعات الجهادية مساحة شرعية للعمل والحركة تحت مظلة تحالفات محلية يجري تقديمها أحيانا باعتبارها “حركات مقاومة” أو “قوى متمردة ذات مطالب سياسية”.
هذا النوع من المقاربة يفتح الباب أمام إعادة إنتاج السيناريوهات الكارثية التي شهدتها مناطق أخرى من العالم، حين جرى التهوين من خطر التنظيمات المتشددة أو توظيفها ظرفيا ضمن حسابات جيوسياسية ضيقة. وما يحدث في مالي اليوم يحمل مؤشرات مقلقة على هذا المسار، خاصة مع تصاعد الرهانات الإقليمية والدولية المرتبطة بالنفوذ الروسي في منطقة الساحل والصحراء.
هناك من يتعامل مع الأزمة من زاوية الصراع على النفوذ بين الغرب وروسيا، ويرى في الضغط على السلطة العسكرية في باماكو وسيلة لإضعاف الحضور الروسي المتنامي في الساحل. لكن حتى في ذروة التنافس الدولي، لا يمكن تبرير أي تساهل مع الجماعات الجهادية أو القبول بتحول مناطق واسعة من الصحراء الكبرى إلى فضاءات آمنة لإعادة بناء شبكات التطرف.
التجارب السابقة أثبتت أن الاعتقاد بإمكانية احتواء الجماعات الجهادية أو توجيهها أو استخدامها تكتيكيا سرعان ما ينقلب إلى تهديد استراتيجي واسع النطاق. هذا ما حدث في أفغانستان، ثم في العراق وسوريا، حين تحولت التنظيمات المتشددة من أدوات ضغط وصراع إلى كيانات عابرة للحدود تهدد دولا وقارات بأكملها.
وفي حالة مالي، فإن أي انتصار ميداني كبير للتحالفات التي تضم الجهاديين سيمنح تلك الجماعات زخما جديدا في القارة الأفريقية، خاصة أن التنظيمات المرتبطة بـ”داعش” و”القاعدة” حققت خلال السنوات الأخيرة اختراقات مهمة في وسط أفريقيا وشرقها، رغم الصراعات الدموية بين الفصائل المتنافسة على النفوذ والولاء.
الخطير في المشهد الحالي أن منطقة الساحل والصحراء لم تعد مجرد مسرح نشاط محلي معزول، بل تحولت إلى حلقة وصل استراتيجية بين شمال أفريقيا وعمق أفريقيا جنوب الصحراء، وبين المتوسط والمحيط الأطلسي. وأي فراغ أمني طويل الأمد في هذه المنطقة سيمنح الجماعات المتشددة فرصة لإعادة بناء شبكات الحركة والتجنيد والتمويل والتدريب.
هذا الخطر لا يتعلق بمالي وحدها، بل يمتد إلى كامل المجال الجغرافي المحيط بها. فالصحراء الكبرى كانت تاريخيا ممرا رئيسيا لتحركات الجماعات المتشددة منذ الحرب الأهلية الجزائرية في التسعينات، قبل أن تتوسع أنشطتها مع الفوضى التي رافقت مرحلة “الربيع العربي”، وخاصة في ليبيا خلال السنوات الأولى بعد سقوط نظام معمر القذافي.
حينها تحولت أجزاء واسعة من الجنوب الليبي ومنطقة الساحل إلى ممرات مفتوحة لنقل السلاح والمقاتلين، بل وإلى منصات لتجميع الجهاديين قبل إرسالهم إلى ساحات قتال أخرى مثل سوريا. واليوم تعود المخاوف نفسها ولكن في ظروف أكثر تعقيدا، لأن البيئة الإقليمية باتت أكثر هشاشة، ولأن الجماعات المتشددة اكتسبت خبرات قتالية وتنظيمية أكبر، وخاصة مع انسحاب غربي من الحرب على الإرهاب في منطقة الساحل ينظر إليه الجهاديون على أنه نصر لهم وهزيمة لدول غربية كانت في واجهة تلك الحرب مثل فرنسا والولايات المتحدة.
ومنذ سقوط نظام القذافي وانتشار الأسلحة التي كان يمتلكها لدى شبكات الإرهاب والتهريب، بادرت فرنسا إلى التدخل العسكري المباشر عبر عمليات حملت عدة أسماء مثل “سرفال” في مالي، و”الباشق” في تشاد، ثم عملية “برخان” التي اشتركت فيها دول أوروبية مثل بريطانيا وألمانيا.
ولكن هذه العمليات لم تنجح في توجيه ضربات نوعية للجماعات الإرهابية، وعلى العكس فقد وجدت تلك الجماعات في التدخل الفرنسي فرصة للمزيد من الاستقطاب. ويعزو خبراء محدودية هذه العمليات إلى طابعها الاستعراضي الذي يهدف إلى إظهار أن فرنسا ما تزال تمتلك القوة والنفوذ في الساحل والصحراء، دون مراعاة التطورات النوعية للأنشطة الإرهابية العابرة للدول، وهو ما يستدعي تحالفا دوليا أوسع وأكثر فعالية لا يضع أولوية له الاستثمار السياسي من هذه الدولة أو تلك.
ويعتقد خبراء في الجماعات الإرهابية أن التنافس الفرنسي الأميركي في الساحل والصحراء وفر فرصا أفضل للمتشددين من أجل أن يوسعوا دائرة تحركاتهم التي باتت تضرب في غرب أفريقيا ووسطها وشرقها بشكل يظهر وجود عقل ناظم حتى وإن كانت تلك الجماعات حاملة لهويات محلية وأفكار متضاربة، فما يجمع بينها هو ممارسة المزيد من العنف، وتحقيق المكاسب المالية، وإظهار أن تكتيكاتها نجحت في هزم الجيوش المحلية، وأنها تتحدى التدخلات الغربية الاستخبارية والعسكرية، وهو أمر سيكون له نتائج خطيرة على المدى البعيد.
ومن أخطر السيناريوهات المحتملة أن يتحول شمال مالي إلى مركز جذب جديد للجماعات المتشددة القادمة من بؤر أفريقية مختلفة، بما يسمح بإعادة تشكيل “حزام جهادي” يمتد من غرب أفريقيا إلى شرقها. وهذا الاحتمال لا يهدد دول الساحل فقط، بل يضع شمال أفريقيا أمام تحديات أمنية غير مسبوقة.
قد ينعكس الاختراق التدريجي للحدود الصحراوية الهشة على شمال أفريقيا، سواء عبر تنشيط شبكات التهريب والسلاح أو من خلال تسلل العناصر المتشددة وإعادة بناء الخلايا النائمة. كما أن تنامي الفوضى في الساحل سيزيد الضغوط الأمنية والاقتصادية على دول تواجه أصلا تحديات داخلية معقدة.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن ملف الهجرة غير النظامية، الذي يمثل أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى أوروبا. فكل انهيار أمني جديد في الساحل يعني موجات إضافية من النزوح والهجرة نحو الشمال، وهو ما سيضاعف الأعباء على دول العبور مثل تونس وليبيا، اللتين أصبحتا بالفعل تواجهان ضغوطا متزايدة نتيجة تمركز أعداد كبيرة من المهاجرين الأفارقة على أراضيهما.
كما أن تفاقم الأزمة في مالي قد يقوض الجهود الأوروبية الرامية إلى بناء تفاهمات مع دول شمال أفريقيا للحد من تدفقات المهاجرين وتقليص أعداد الواصلين إلى السواحل الأوروبية. فالفوضى الأمنية واتساع نشاط الجماعات المسلحة يجعلان السيطرة على الحدود أكثر صعوبة، ويمنحان شبكات التهريب والهجرة غير الشرعية بيئة مثالية للعمل.
المفارقة أن بعض القوى الدولية والإقليمية تبدو منشغلة اليوم بإدارة الصراع على النفوذ أكثر من اهتمامها بمنع تشكل تهديد طويل الأمد. وهذا من أخطر ما في الأزمة الحالية، لأن التعامل البراغماتي الضيق مع الجماعات المتشددة قد يفضي إلى إعادة إنتاج الكارثة نفسها التي دفعت المنطقة والعالم أثمانا باهظة لاحتوائها خلال العقدين الماضيين.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في مالي ليس سقوط مدينة هنا أو خسارة معركة هناك، بل ترسيخ فكرة أن الجماعات الجهادية يمكن أن تصبح جزءا من معادلة سياسية أو أمنية مقبولة بحكم الأمر الواقع. عندها لن تكون مالي وحدها أمام الخطر، بل ستدخل منطقة الساحل وشمال أفريقيا وأجزاء من أوروبا مرحلة جديدة من عدم الاستقرار قد تستمر لسنوات طويلة.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_211_0.jpg.webp?itok=poBpQhm-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0_0.jpg.webp?itok=JZzL4Iwa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_7_6_1.jpg.webp?itok=EtF2Zx6c)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Al-Qaeda-and-the-Houthis_1_0.jpg.webp?itok=m3wFK8u4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_72.jpg.webp?itok=Ke83_r_i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0_0.jpg.webp?itok=PovzOHl2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_15_1_1.jpg.webp?itok=aAmNhDza)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0_0_0.jpg.webp?itok=X_cwWGwT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_0_0.jpg.webp?itok=XgaEsisb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_26.jpg.webp?itok=FsHM-4Gc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_19_1.jpg.webp?itok=Sr99NZL9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

