"اقتصاد خفي وملاذات سرية"... كيف يدير إخوان السودان إمبراطورية المال تحت مقصلة "الإرهاب"؟

"اقتصاد خفي وملاذات سرية"... كيف يدير إخوان السودان إمبراطورية المال تحت مقصلة "الإرهاب"؟

"اقتصاد خفي وملاذات سرية"... كيف يدير إخوان السودان إمبراطورية المال تحت مقصلة "الإرهاب"؟


21/04/2026

 

دخلت الشبكات المالية لإسلاميي السودان مرحلة "المنطقة الرمادية" بعد قرارات التصنيف الأمريكية الأخيرة، حيث تحولت الأموال من أرصدة بنكية مكشوفة إلى "أخطبوط مالي" يتغلغل في شرايين الاقتصاد الخفي. 

ومع إعلان واشنطن في آذار (مارس) 2026 تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية كياناً إرهابياً عالمياً، بدأت ملامح استراتيجية الهروب الكبير للأموال تظهر عبر واجهات تجارية وملاذات آمنة تمتد من مسقط وكوالالمبور إلى قلب العواصم الأوروبية، وفق تقرير لمركز (عاين).

تسييل الأصول والتمويه المالي

تؤكد التقارير أنّ التنظيم لجأ إلى عملية "تسييل" واسعة النطاق لأصوله، محولاً إيّاها إلى استثمارات صغيرة مجهولة الهوية تديرها شخصيات من "الصف الثاني" لا تظهر في سجلات الرقابة الدولية. هذه الشبكة الموازية لم تعد تعتمد على نظام "سويفت" العالمي، بل باتت تتحرك عبر نظام "الحوالات" التقليدي، وتجارة المعادن، والمحافظ العقارية في دول لا تلتزم بصرامة بالعقوبات الأمريكية.

ويكشف مختصون أنّ خارطة استثمارات التنظيم باتت "مبعثرة" استراتيجياً لتجنب التتبع؛ فبينما تتركز العقارات في بريطانيا، وتركيا، وماليزيا، نشأت في الداخل السوداني واجهات جديدة كلياً. وتشير الإحصاءات إلى تأسيس ما لا يقلّ عن 27 شركة لاستيراد الوقود مؤخراً برأسمال يتجاوز 500 مليون دولار، تقودها شخصيات عامة لإيهام الرأي العام ببعدها عن التنظيم، بينما تمثل في الحقيقة المورد المالي الأهم لتمويل الأنشطة السياسية والعسكرية الحالية.

وفي هذا الصدد يقول الباحث في الاقتصاد السياسي، عثمان عبد المنعم: "في الوقت الذي تتحدث فيه التقارير الدولية عن شلل اقتصادي في السودان بسبب العقوبات المصرفية والاقتصادية، كانت هناك تدفقات نقدية تعبر الحدود عبر نظام "الحوالات" التقليدي تارة، وعبر تجارة الذهب والمعادن النفيسة تارة أخرى، لتستقر في محافظ استثمارية عقارية وزراعية في دول لا تطبق العقوبات الأمريكية بصرامة. هذه الحركة كانت تُدار بوساطة الإسلاميين أو بوساطة مسؤولين حكوميين وجنرالات في الجيش السوداني لديهم ولاء للتنظيم الإسلامي." 

ويتفق عبد المنعم مع الاتجاه الذي يعتقد أنّ شركات الجيش السوداني هي "الأكثر ثراءً" من التنظيم الإسلامي. لافتاً إلى أنّ بعض الإسلاميين عملوا على تهريب الأموال بعد سقوط الرئيس عمر البشير في نيسان (أبريل) 2019 تحت بصر العسكريين الذين تولوا السلطة الانتقالية، مشيراً إلى أنّ هذه الأموال تُوجه للإنفاق على تحركات عناصر التنظيم وتمويل الأعباء الإدارية للتنظيم نفسه." 

مستقبل الأصول

أمّا أحمد خليفة، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، فيعتقد أنّ الحديث عن تواضع ثروات "التنظيم الإسلامي السوداني" غير صحيح، مشيراً إلى أنّ شركات الجيش نفسها صمدت بفضل وجود عناصر من "التنظيم الإسلامي" خلف نموها وصمودها، موضحاً أنّ الريع العقاري لرموز الإسلاميين في الخليج ومصر وبريطانيا وماليزيا وتركيا لا يقلّ عن 200 مليون دولار سنوياً، بينما قيمة الأصول والأنشطة التجارية والعقارات لا تقلّ عن 50 مليار دولار.

منجم الذهب... صراع النفوذ وعائلة البرهان

في قلب هذا الاقتصاد الخفي يبرز الذهب كأهمّ مورد استراتيجي يغذي خزائن القوى المسيطرة في السودان. وتشير التقارير إلى أنّ السيطرة على موارد الذهب لم تعد مجرد نشاط اقتصادي، بل أصبحت محور "تحالف مصالح" يجمع بين قيادات عسكرية وعناصر متنفذة في التنظيم الإسلامي.

وتهيمن شركات تابعة للجيش، وأخرى مرتبطة بدوائر ضيقة حول قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، على مناطق التنقيب الكبرى ومنافذ التصدير.

ويعمل مهندسون ماليون من تنظيم الإخوان كـ "وسطاء" لتسويق الذهب في الأسواق العالمية عبر شبكات تهريب منظمة تمر عبر دول الجوار، مستفيدين من خبراتهم الطويلة في حقبة البشير.

وتتوارد معلومات عن منح امتيازات تنقيب وتصدير لشركات واجهة ترتبط بعائلة البرهان ودوائر المقربين منه، ويتم استخدام عائدات المعدن الأصفر لتأمين الولاءات القبلية والعسكرية وضمان استمرارية تمويل المجهود الحربي بعيداً عن رقابة وزارة المالية.

تآكل الموارد أم صمود الأصول؟

رغم فقدان تنظيم الإخوان للسلطة الرسمية منذ عام 2019، ممّا أدى إلى تآكل بعض موارده النقدية بسبب منافسة شركات الجيش، إلا أنّ تقديرات الخبراء تشير إلى أنّ قيمة الأصول العقارية والأنشطة التجارية للإسلاميين ما تزال ضخمة، وتتراوح قيمتها السوقية ما بين 20 إلى 40 مليار دولار.

هذه الثروة الضخمة تحقق ريعاً سنوياً لا يقلّ عن 200 مليون دولار من العقارات في الخليج وأوروبا، وهو ما يفسر قدرة التنظيم على الصمود الإداري وتمويل تحركات عناصره رغم الحصار المالي. ومع ذلك يظل الرهان على "الذهب" هو القشة التي يتمسك بها التحالف العسكري ـ الإسلامي لمواجهة جفاف السيولة الناتج عن العقوبات الدولية.

المستقبل الضبابي

إنّ ملاحقة هذه الأموال تبدو كمطاردة "شبح في ليلة عاصفة"؛ فالتنظيم أتقن فن التخفي المالي عبر عقود من العقوبات السابقة. وبينما يرى البعض أنّ تجفيف منابع تمويل "لواء البراء بن مالك" والكتائب الموازية قد يضعف الجبهة العسكرية، يرى آخرون أنّ التداخل العميق بين أموال التنظيم وشركات المؤسسة العسكرية يجعل من الصعب ضرب طرف دون الآخر، ممّا يترك الاقتصاد السوداني رهينة لملاذات سرّية تدار من خلف الستار.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية