
غم الخسائر العسكرية الكبيرة التي تكبدتها إيران خلال الحرب الجارية، فإن مسألة استسلامها أو حتى سعيها السريع إلى وقف إطلاق النار لا تبدو مطروحة بجدية في حسابات القيادة في طهران.
ويظهر المشهد العسكري، كما تشير تقارير متعددة، تراجعاً واضحاً في القدرات الهجومية الإيرانية مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، إضافة إلى تدمير واسع للبنية التحتية العسكرية.
ومع ذلك، فإن استمرار القتال يعكس منطقاً مختلفاً عن الحسابات التقليدية التي تربط بين حجم الخسائر العسكرية وقرار الاستسلام. لفهم ذلك، لا بد من النظر إلى طبيعة الاستراتيجية التي تعتمدها إيران، والتي تقوم بدرجة كبيرة على إدارة الوقت والصمود الطويل بدلاً من السعي إلى حسم عسكري مباشر.
وفي كثير من الحروب الحديثة، تُفترض قاعدة أساسية مفادها أن الدولة التي تتعرض لضربات عسكرية مكثفة وتفقد جزءاً كبيراً من قدراتها القتالية ستتجه في النهاية إلى التفاوض أو الاستسلام. لكن التجارب التاريخية، خصوصاً في الشرق الأوسط وبعض النزاعات التي خاضتها الولايات المتحدة خلال العقود الماضية، تشير إلى أن هذه القاعدة ليست مطلقة. فهناك نماذج عديدة لحروب استمرت رغم اختلال ميزان القوة، لأن أحد الأطراف لم يكن يقاتل بهدف تحقيق نصر عسكري تقليدي، بل بهدف الصمود ومنع الخصم من تحقيق أهدافه السياسية.
ويقول مارك كيميت الباحث في تقرير نشرته مجلة ناشيونال أنتريست إن هذا هو الإطار الذي يمكن من خلاله فهم سلوك إيران في الحرب الحالية. فطهران لا تتعامل مع المواجهة باعتبارها معركة عسكرية قصيرة المدى يمكن حسمها عبر التفوق في الجو أو عبر ضرب البنية التحتية العسكرية، بل تنظر إليها باعتبارها اختباراً للإرادة السياسية والتحمل الاستراتيجي.
وفي هذا النوع من الحروب، لا يكون معيار الفوز هو تدمير قدرات الخصم أو السيطرة على الأرض فقط، بل القدرة على الاستمرار لفترة أطول من خصم يُفترض أنه أقل استعداداً لتحمل حرب طويلة ومكلفة.
وأحد الأسباب الرئيسية التي تفسر عدم استسلام إيران رغم الخسائر هو قناعة راسخة لدى قيادتها بأن خصومها، وخاصة الولايات المتحدة، يواجهون قيوداً سياسية واقتصادية داخلية تجعلهم أقل استعداداً لخوض حرب طويلة. فالتجربة الأميركية في العراق وأفغانستان تركت أثراً عميقاً في الرأي العام الأميركي، الذي بات أكثر حذراً من الانخراط في نزاعات مفتوحة في الشرق الأوسط.
كما أن الحسابات السياسية المرتبطة بالانتخابات والضغوط الاقتصادية الداخلية قد تجعل استمرار الحرب لفترة طويلة عبئاً على صناع القرار في واشنطن.
وفي المقابل، تراهن إيران على أن عامل الزمن قد يعمل لصالحها، حتى لو كانت الخسائر العسكرية كبيرة في المرحلة الأولى. فالحروب الطويلة لا تُقاس فقط بعدد الطائرات أو القواعد العسكرية المدمرة، بل أيضاً بقدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها الداخلي واستمرار مؤسساتها السياسية والأمنية.
ومن هذا المنطلق، ترى طهران أن بقاء النظام واستمرار قدرته على إدارة الدولة يشكلان بحد ذاتهما نوعاً من النجاح في مواجهة حملة عسكرية واسعة.
كما أن إيران تعتمد على مفهوم سياسي وأيديولوجي راسخ في خطابها الرسمي يعرف بـ“المقاومة”. هذا المفهوم لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يشمل أيضاً البعد النفسي والسياسي للحرب. ففكرة الصمود في مواجهة قوة أكبر تُستخدم لتعزيز الشرعية الداخلية للنظام وتعبئة الرأي العام. وفي مثل هذه الحالات، تتحول الخسائر إلى جزء من رواية سياسية تُقدم باعتبارها تضحية ضرورية في معركة طويلة مع خصوم خارجيين.
ولا يمكن إغفال أن إيران تمتلك أدوات غير تقليدية لتعويض ضعفها العسكري المباشر في مواجهة القوى الكبرى. فبدلاً من التركيز على المواجهة التقليدية الواسعة، يمكنها تنفيذ هجمات محدودة ومدروسة تستهدف نقاطاً حساسة مثل منشآت الطاقة أو خطوط الملاحة أو البنية التحتية الإقليمية.
وهذه العمليات، حتى لو كانت محدودة من حيث التأثير العسكري المباشر، يمكن أن تحمل تداعيات اقتصادية وسياسية كبيرة، خاصة إذا أدت إلى اضطراب أسواق الطاقة أو زيادة المخاوف بشأن أمن الممرات البحرية.
وهنا يظهر عنصر آخر مهم في الحسابات الإيرانية، وهو البعد الاقتصادي العالمي للحرب. فإيران تدرك أن أي توتر كبير في أسواق النفط أو تهديد للممرات البحرية الحيوية قد ينعكس بسرعة على الاقتصاد العالمي، وبالتالي يخلق ضغوطاً دولية لوقف الحرب أو تخفيف حدتها.
ومن هذا المنظور، لا تحتاج طهران إلى تحقيق انتصارات عسكرية كبرى بقدر ما تحتاج إلى إبقاء مستوى معين من التوتر الذي يجعل استمرار الحرب مكلفاً للجميع.
وإضافة إلى ذلك، فإن القيادة الإيرانية قد ترى أن الاستسلام في هذه المرحلة سيحمل مخاطر سياسية داخلية أكبر من الاستمرار في القتال.
وفي الأنظمة التي تقوم على خطاب المقاومة والصمود، يمكن أن يُنظر إلى أي تنازل كبير على أنه هزيمة سياسية تهدد تماسك النظام نفسه.
ولذلك قد يكون خيار الاستمرار في المواجهة، حتى في ظل خسائر كبيرة، أقل خطورة سياسياً من القبول بشروط يُنظر إليها داخلياً على أنها استسلام.
كما تلعب الحسابات الإقليمية دوراً مهماً في قرار إيران مواصلة الحرب. فطهران لا تنظر إلى المواجهة الحالية بمعزل عن شبكة علاقاتها وتحالفاتها في المنطقة. إذ إن صورتها كقوة قادرة على مواجهة الضغوط الخارجية تُعد جزءاً من نفوذها الإقليمي.
وبالتالي، فإن أي تراجع سريع قد يضعف موقعها في هذه المعادلة ويؤثر على توازن القوى في عدد من الساحات التي تعتبرها مهمة لأمنها الاستراتيجي.
وفي الوقت نفسه، تراهن إيران على أن الحرب قد تتحول تدريجياً من مواجهة عسكرية مباشرة إلى صراع طويل متعدد الأبعاد يشمل الاقتصاد والسياسة والأمن الإقليمي. وفي مثل هذا السيناريو، قد تتغير الحسابات الدولية، خاصة إذا بدأت تكاليف الحرب بالارتفاع على مستوى الاقتصاد العالمي أو إذا ظهرت خلافات بين القوى المشاركة فيها.
ومع مرور الوقت، يمكن أن يصبح السؤال الرئيسي ليس من يحقق تفوقاً عسكرياً أكبر، بل من يستطيع تحمل تبعات الحرب لفترة أطول. وهذا بالضبط هو الرهان الذي يبدو أن إيران تضعه في صميم استراتيجيتها الحالية. فبدلاً من محاولة موازنة القوة العسكرية مع خصوم يمتلكون تفوقاً واضحاً في هذا المجال، تسعى إلى نقل المعركة إلى مستوى مختلف، حيث يصبح الصبر والتحمل والقدرة على إدارة الأزمات عناصر حاسمة.
وفي النهاية، قد لا يكون استمرار إيران في القتال رغم الخسائر العسكرية الكبيرة دليلاً على قوة عسكرية متفوقة، بل على اختلاف في طريقة فهم الحرب نفسها. فبينما يركز خصومها على إضعاف قدراتها العسكرية لإجبارها على التراجع، تراهن طهران على أن بقاءها وصمودها لفترة أطول قد يكون كافياً لتغيير مسار الصراع أو على الأقل منع خصومها من تحقيق أهدافهم الكاملة.
وفي هذا الإطار، يصبح عدم الاستسلام بحد ذاته جزءاً من الاستراتيجية، وليس مجرد رد فعل على تطورات الميدان.
العرب






![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_1_0_0_0_0_3_0_1_0.jpg.webp?itok=2QgRc-Y1)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1mpDtUyNuppx5wA4RLM50kLzs-N3DVqtOFyLTsKQNOfdoNI0SXRL41L4TalauhrWnJzqNeiqiO19JLllbIww_gs_Xbex6oxfXqqIunFxOaVjs5bblfAvwHVGIYs2GvUiK1Vlz9__xWFQ-OlxXYWNN2bh4KIE6hZR9C1VX4TG5UdHmS6xMn0k_qyTLoEXU6Io.jpg.webp?itok=4u-QQL8o)





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_2.jpg.webp?itok=6xnH0ImP)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5YTmzoxRDC9d4MmYVdeZ-s961mAllXxIWexH58DYTH4Ca3CxJ6td92-OSRFfcrckM8hdtTRYBcBBT4-tCjfiME-tN5gPkmrXuI1OqpSZ0LPQ8PFVl4jcBbjYdjDU-Qr27B7zbOY2bLjYpebK6gUD8qkAbEZtt6C33eqQHvE46uuyhlw75mD0pHUEeP-wPT7W.jpg.webp?itok=I39PCZfU)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)