من المقاصد إلى التعبئة: كيف تحوّل علم المقاصد من أداة للفهم إلى لغة للتبرير؟

من المقاصد إلى التعبئة: كيف تحوّل علم المقاصد من أداة للفهم إلى لغة للتبرير؟

من المقاصد إلى التعبئة: كيف تحوّل علم المقاصد من أداة للفهم إلى لغة للتبرير؟


22/03/2026

انتشرت في السنوات الأخيرة، خاصة على منصات الإسلاميين، موجة كثيفة من الحديث عن علم المقاصد بوصفه المدخل الحداثي القادر على ربط الشريعة بالدولة الحديثة، وتقديم صيغة تبدو أكثر مرونة وانفتاحًا في التعامل مع الواقع. غير أنّ هذا الاحتفاء المتزايد يتجاهل إشكالية أعمق بكثير، تتمثل في أنّ أزمة الخطاب الديني المعاصر لم تكن يومًا أزمة نصوص، بقدر ما كانت أزمة منهج في الفهم. فالنصوص، في جوهرها، لم تتغير عبر القرون، لكنّ طرق قراءتها، وكيفية استدعائها في لحظات التوتر والصراع، هي التي شهدت تحولات حادة وجذرية. في قلب هذه الإشكالية يقف مفهوم "مقاصد الشريعة"، لا باعتباره مصطلحًا فقهيًا تقنيًا فحسب، بل باعتباره اختبارًا حاسمًا لطبيعة التفكير الديني ذاته: هل يُستدعى الدين لفهم الواقع بكل تعقيداته، أم يُستخدم لتبسيطه وتغطيته، ومنح مواقف جاهزة شرعية مسبقة؟

قد يبدو الحديث عن "المقاصد" مألوفًا في النقاشات العامة، لكنّه في كثير من الأحيان يُستدعى باعتباره كلمة مفتاح، تُغلق بها النقاشات بدل أن تُفتح. يُقال إنّ هذا القرار "يحقق المقاصد"، أو إنّ هذا الموقف "أقرب لروح الشريعة"، دون أن يكون واضحًا ما المقصود بهذه الروح، أو كيف جرى تحديدها، أو بأيّ معايير تم ترجيح مقصد على آخر. هنا تحديدًا تبدأ المشكلة، لأنّ المقاصد، في أصلها، لم تُنشأ لتكون غطاءً لغويًا للقرارات، بل لتكون أداة منهجية لفحصها قبل اتخاذها.

كيف وُلد التفكير المقاصدي؟ من الحكم إلى الغاية

لفهم ذلك التحول، لا بدّ من العودة خطوة إلى الوراء، إلى اللحظة التي بدأ فيها التفكير المقاصدي يتشكل داخل التراث الإسلامي. لم يظهر هذا العلم في فراغ، ولا بوصفه ترفًا فكريًا، بل جاء استجابة لمأزق حقيقي واجهه الفقهاء مع اتساع العمران وتعقّد الحياة. النصوص محدودة، والوقائع لا تنتهي، والتطبيق الحرفي لبعض الأحكام في سياقات جديدة قد يؤدي إلى نتائج تناقض الغايات الأخلاقية التي يفترض أنّ الشريعة جاءت لتحقيقها. من هنا بدأ السؤال يتغير: لم يعد كافيًا أن نسأل "ما الحكم؟"، بل أصبح ضروريًا أن نسأل "لماذا هذا الحكم؟ وما الذي يراد تحقيقه من خلاله؟".

بهذا المعنى لم يكن علم المقاصد دعوة إلى تجاوز النص، بل محاولة لفهمه في سياقه الأوسع، وربطه بغاياته الكليّة. الأحكام لم تعد تُرى بوصفها غايات في ذاتها، بل وسائل لتحقيق مقاصد أعمق تتعلق بحماية الإنسان وتنظيم المجتمع وضبط العمران. ولهذا ركّز علماء المقاصد على ما عُرف بالكليات الكبرى، مثل حفظ النفس والعقل والمال والدين، ليس بوصفها شعارات عامة، بل بوصفها معايير يُقاس عليها تنزيل الأحكام الجزئية، ويُعاد في ضوئها تقييم نتائجها.

في هذا الإطار كان التفكير المقاصدي بطبيعته تفكيرًا مُركّبًا، يقوم على الموازنة لا على الحسم السريع، وعلى النظر في المآلات لا الاكتفاء بالنوايا. لم يكن الفقيه المقاصدي يبحث عن إجابة جاهزة، بل عن صيغة تحقق أكبر قدر ممكن من العدل بأقلّ قدر ممكن من الضرر. كان السؤال دائمًا مفتوحًا: ماذا سيحدث إذا طُبّق هذا الحكم هنا؟ من سيتضرر؟ وهل توجد بدائل تحقق الغاية نفسها دون كلفة أعلى؟ هذه الأسئلة لم تكن ضعفًا في اليقين، بل كانت جوهر المنهج.

لحظة التحول: من الفحص إلى التبرير

لكنّ هذا المنهج، الذي نشأ في سياق علمي هدفه ضبط العلاقة بين النص والواقع، دخل لاحقًا إلى سياق مختلف تمامًا: سياق الصراع السياسي. ومع هذا الانتقال لم تتغير المفاهيم فقط، بل تغيّرت وظائفها. لم تعد المقاصد تُستدعى لفحص القرار، بل لتبريره، ولم يعد السؤال: "هل يحقق هذا الفعل المقاصد؟"، بل أصبح: "أيّ مقصد يمكن أن نستخدمه لتسويغ هذا الفعل؟".

هنا حدث التحول الحاسم. المقاصد لم تعد منهجًا سابقًا على الفعل، بل أصبحت خطابًا لاحقًا له. لم تعد أداة نقد للسلطة، بل أداة لإضفاء المشروعية عليها. ومع تكرار هذا النمط، بدأت المقاصد تفقد تدريجيًا موقعها كعلم، وتتحول إلى لغة مرنة، قابلة للتطويع وفق مقتضيات اللحظة. أصبح بالإمكان استدعاء "حفظ الدين" لتبرير قرار، ثم استدعاء "درء المفاسد" لتبرير عكسه، دون أن يمر ذلك بعملية مراجعة حقيقية أو مساءلة منهجية.

الأخطر من ذلك أنّ التفكير المقاصدي، الذي كان يقوم في أصله على الموازنة بين كليات متعددة، تحوّل داخل هذا السياق إلى تفكير انتقائي، يقوم على تضخيم مقصد واحد حتى يبتلع ما عداه. بدل أن يكون السؤال: كيف نوازن بين حفظ النفس وحفظ الدين؟ أصبح السؤال: أيهما يخدم المشروع أكثر؟ وبدل أن تُفهم المقاصد بوصفها شبكة مترابطة من القيم، أصبحت أقرب إلى خزان يمكن سحب ما يناسب اللحظة منه، وإهمال ما سواه.

في هذا التحول لم تعد المقاصد تضبط الفعل، بل أصبحت تتكيّف معه. القرار يُتخذ أوّلًا، ثم تُبحث له عن شرعية لاحقًا. وهذا يعيد ترتيب العلاقة بين الفكرة والممارسة: لم تعد الفكرة تقود الفعل، بل الفعل هو الذي يعيد تشكيل الفكرة بما يناسبه. هنا يفقد المنهج وظيفته الأساسية، ويتحول إلى أداة خطابية، حتى وإن احتفظ بلغته العلمية الظاهرية.

المقاصد في المجال العام: حين تتحول إلى لغة سائبة

هذا الاستخدام الانتقائي لا يبقى داخل الدوائر النخبوية، بل ينتقل تدريجيًا إلى المجال العام، حيث تتحول المقاصد إلى مفردات متداولة في الخطاب اليومي، لكنّها مفردات منزوعة من سياقها العلمي. تُستخدم كلمات مثل "المصلحة"، و"الضرورة"، و"الواقع"، دون تحديد دقيق لمعانيها أو لشروط استخدامها. ومع الوقت يفقد الجمهور القدرة على التمييز بين التفكير المنهجي والتبرير الخطابي، ويصبح الحديث عن المقاصد نفسه موضع شك، لا لأنّه إشكالي في أصله، بل بسبب الطريقة التي استُخدم بها.

وهنا تظهر واحدة من أخطر نتائج هذا التحول: تآكل الثقة في الخطاب الديني ذاته. حين يرى الناس أنّ اللغة نفسها تُستخدم لتبرير مواقف متناقضة، أو أنّ القيم الكبرى تُستدعى في لحظات معينة وتُهمَل في لحظات أخرى، يتولد انطباع عام بأنّ الحديث عن المقاصد ليس إلا غطاءً بلاغيًا للسياسة. تلك النتيجة لا تضر بالفاعلين السياسيين فقط، بل تضر بفكرة الاجتهاد نفسها، لأنّها تضعف الثقة في أيّ محاولة لربط الدين بالواقع بطريقة عقلانية.

بهذا المعنى لا تكمن المشكلة في علم المقاصد، بل في تحوّله من أداة للفهم إلى أداة للتعبئة. من منهج يوازن بين القيم إلى خطاب ينتقي منها ما يخدم موقفًا مسبقًا. ومن تفكير يقبل التعقيد إلى لغة تبحث عن الحسم السريع. وهذا التحول، في جوهره، ليس مجرد انحراف فقهي، بل هو انعكاس لأزمة أعمق في طريقة التفكير، حيث يصبح الهدف هو تبرير الفعل لا فهمه، وتأكيد الموقف لا مراجعته.

لكنّ ذلك التغير لا يمكن فهمه فقط بوصفه انحرافًا في استخدام مفهوم ديني، بل بوصفه انعكاسًا لطبيعة أعمق في التفكير المعاصر، حيث لم يعد مطلوبًا من المفاهيم أن تفسّر الواقع بقدر ما يُطلب منها أن تمنحه معنى سريعًا ومريحًا. في هذا السياق  تصبح المقاصد مغرية للغاية، لأنّها تمنح المتكلم قدرة على الحديث بلغة أخلاقية واسعة دون الاضطرار إلى الدخول في تعقيدات الفقه أو إكراهات الواقع. هي لغة تبدو عميقة، لكنّها قابلة للاستخدام السريع، وهذا تحديدًا ما يجعلها عرضة للتحول إلى أداة تعبئة لا أداة فهم.

غير أنّ المشكلة لا تقف عند حدود الاستخدام السياسي المباشر، بل تمتد إلى طريقة تلقّي هذا الخطاب داخل المجتمع. فحين يتكرر توظيف المقاصد بوصفها غطاءً جاهزًا، يتشكل تدريجيًا وعي عام يرى في الدين منظومة مرنة إلى حد السيولة، يمكن توجيهها حسب الحاجة، أو منظومة صلبة إلى حد التناقض، تستخدم القيم نفسها لتبرير أفعال متعارضة. في الحالتين يفقد الدين موقعه بوصفه مرجعية أخلاقية مستقرة، ويتحول إلى ساحة صراع لغوي، تُستخدم فيها الكلمات الكبرى دون أن تحسم شيئًا.

هل يمكن استعادة المقاصد؟

هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل يمكن استعادة المقاصد بوصفها منهجًا، لا بوصفها خطابًا؟ الإجابة لا تتعلق بإعادة تعريف المصطلح، بل بإعادة ترتيب العلاقة بين الفكرة والفعل. فالمقاصد، في أصلها، لا تعمل بعد اتخاذ القرار، بل قبله. لا تبرر ما حدث، بل تختبر ما يمكن أن يحدث. وهذا يتطلب قدرًا من التواضع المعرفي، والاعتراف بإمكانية الخطأ، والقدرة على التراجع، وهي عناصر لا تنسجم بسهولة مع منطق التعبئة السياسية أو الخطاب الجماهيري الذي يقوم على الحسم واليقين.

إعادة الاعتبار للمقاصد تعني أوّلًا استعادة فكرة الموازنة الحقيقية بين الكليات، لا الاكتفاء برفع شعار أحدها. لا معنى للحديث عن "حفظ الدين" إذا كان تطبيقه يؤدي إلى إهدار النفس أو تمزيق المجتمع، ولا معنى للحديث عن "المصلحة" إذا لم تُقس بنتائج ملموسة على حياة الناس. المقاصد ليست قائمة شعارات، بل شبكة معقدة من القيم، لا تعمل إلا إذا أُخذت كوحدة واحدة، لا كأجزاء منفصلة.

وتعني ثانيًا إعادة إدخال الزمن في التفكير. أحد أخطر ما فقده الخطاب المعاصر هو الحس بالمآلات. القرار لا يُقاس فقط بنيّته، بل بنتائجه على المدى المتوسط والبعيد. التفكير المقاصدي الحقيقي يسأل: ماذا سيحدث بعد ذلك؟ لا يكتفي بالسؤال: ماذا نريد الآن؟ وهذا الفارق هو ما يفصل بين منهج يحاول فهم الواقع، وخطاب يحاول السيطرة عليه.

وتعني، ثالثًا، إعادة الاعتبار للصوت البشري داخل العملية كلها. فالمقاصد، في جوهرها، ليست معادلات مجردة، بل محاولة لفهم أثر الفعل على الإنسان. حين يغيب الإنسان الحقيقي-بخوفه، وتعقيداته، وتناقضاته - ويُستبدل بصورة ذهنية مثالية عن "المجتمع" أو "الأمة"، تتحول المقاصد بسهولة إلى أدوات فوقية، تُفرض من أعلى دون أن تُختبر في حياة الناس. الصوت البشري هنا ليس عنصرًا جماليًا في الكتابة، بل هو شرط معرفيّ: أن يُسمع أثر القرار في الواقع، لا أن يُفترض نظريًا.

ذلك الصوت يظهر في التفاصيل الصغيرة التي لا تراها الشعارات: في أسرة تتفكك لأنّ حكمًا طُبّق بلا نظر في السياق، في شاب يفقد ثقته في الخطاب الديني لأنّه رآه يتغير حسب الموقف، في مجتمع يتسع فيه الشك لأنّ اللغة لم تعد تعني الشيء نفسه في كل مرة. تلك التفاصيل، التي تبدو هامشية في النقاشات الكبرى، هي في الحقيقة المكان الذي تُختبر فيه المقاصد فعليًا، وهي التي تحدد ما إذا كانت أداة للفهم أم مجرد غطاء للتبرير.

ومن هنا، فإنّ ترميم المنهج المقاصدي لا يبدأ من إعادة صياغة التعريفات، بل من إعادة بناء الحس النقدي الذي يسمح بسؤال الفعل لا الدفاع عنه. أن يصبح من الطبيعي أن يُسأل: هل أخطأنا؟ هل كانت الكلفة أعلى ممّا توقعنا؟ هل كان يمكن اختيار مسار أقلّ ضررًا؟ هذه الأسئلة لا تُضعف الدين، بل تحميه من أن يتحول إلى أداة صراع.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بالمقاصد وحدها، بل بطريقة التفكير التي تكشفها. هل نستخدم المفاهيم لنفهم العالم، أم لنختصره؟ هل نبحث عن إجابات نهائية، أم عن فهم أعمق؟ وهل نملك الشجاعة لأن نُبقي الأسئلة مفتوحة حين لا تكون الإجابات واضحة؟ هذه الأسئلة هي ما يحدد ما إذا كان الدين سيظل مجالًا للمعنى والأخلاق، أم سيتحول إلى لغة تُستخدم عند الحاجة وتُترك عند أول اختبار.

بهذا المعنى لا تكون المقاصد حلًا جاهزًا، بل مرآة تعكس كيف نفكر، قبل أن تقول لنا ماذا نفعل. وإذا كانت قد تحولت في لحظة ما إلى أداة للتعبئة، فإنّ استعادتها لا تكون برفضها، بل بإعادتها إلى مكانها الطبيعي: منهجًا بطيئًا، نقديًا، إنسانيًا، يقاوم الإغراء الدائم بالاختصار، ويعيد ربط الفكرة بحياة الناس، لا بخطابة اللحظة.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية