الأطفال ذوو الإعاقة في غزة... معاناة مضاعفة جراء الحرب

الأطفال ذوو الإعاقة في غزة... معاناة مضاعفة جراء الحرب

الأطفال ذوو الإعاقة في غزة... معاناة مضاعفة جراء الحرب


22/03/2026

في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، حيث تتراكم أنقاض المنازل وتتهالك البنية التحتية، تعيش نسرين الجمال (29 عاماً)، مع ابنها يوسف البالغ من العمر سبع سنوات، الذي يعاني من شلل دماغي جزئي وصعوبات في النطق والحركة، في داخل منزلها شبه المدمر.

حياة يوسف اليومية ليست سهلة، وفي غزة تتحول إلى معركة مستمرة بين البنية التحتية المدمرة ونقص الخدمات الطبية والتعليمية، وبين آثار الحرب المستمرة على الأطفال.

وقبل اندلاع الحرب كان نحو 12% من أطفال غزة يعانون جراء إعاقات متنوعة، وفق إحصاءات رسمية فلسطينية، ولكن مع اشتداد القصف ارتفعت الأرقام بصورة كارثية، إذ تسجل يومياً ما بين 10 إلى 12 حالة بتر في صفوف الأطفال، بحسب منظمة (كسر الصمت).

ووثقت منظمة (هيومن رايتس ووتش) إصابة أكثر من 5230 طفلاً بجروح خطيرة خلال الأشهر الـ 11الأولى من سنة 2024، وكثير منها يهدد بإعاقات دائمة.

وتشير تقديرات منظمة (أنقذوا الطفولة) إلى أنّ الحرب تسببت في تعرّض ما يقارب 475 طفلاً كل شهر لإعاقات محتملة مدى الحياة، تتنوع بين فقدان الأطراف وضعف السمع أو إصابات خطيرة في العيون.

وقال الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إنّ نحو 42 ألف شخص في قطاع غزة يعانون من إصابات جسيمة مغيرة للحياة تتطلب تأهيلاً مستمراً طويل الأمد.

وذكر الجهاز في تقرير أصدره بمناسبة اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة الذي يوافق الثالث من كانون الأول/ديسمبر من كل عام، وجود قرابة 6 آلاف حالة بتر في القطاع، 75% منها في الأطراف السفلية.

ويشكل الأطفال نسبة كبيرة من هذه الإصابات، إذ يعاني أكثر من 10 آلاف طفل من إصابات جسيمة مسببة للإعاقة، شكلوا 51% من حالات الإجلاء الطبي خارج القطاع خلال الفترة من أيار/مايو 2024 حتى حزيران/يونيو 2025.

صعوبات يومية بلا نهاية

تقول الجمال بنبرة حزينة: "أصعب شيء أن ترى طفلك غير قادر على الحركة بحرية، وأنّ كل خطوة بالنسبة إليه تحتاج إلى رعاية مستمرة".

وتضيف وهي تجلس على كرسي متواضع داخل منزلها: "الصعوبة الحقيقية تكمن في أنّ الحرب والحصار يجعلان كل شيء أكثر تعقيداً، فالطرق مليئة بالحفر، والشوارع غير آمنة، وأحياناً أخشى أن يخرج من المنزل خوفاً من تعرضه للحوادث".

وتذكر الجمال لحظات النزوح قائلة: "خرجنا من بيتنا مجبرين نحو غرب مدينة غزة، وكانت القذائف الإسرائيلية تلاحقني وعائلتي، وأنا أحمل أمتعتي بيد، وأحتضن يوسف باليد الأُخرى، وأركض مع أطفالي بين الصرخات والانفجارات، وكلما سقطت قذيفة كان صراخهم يشق قلبي، وكان يوسف أكثرهم رعباً، ويتجمد جسده الصغير من الخوف".

وتصف الجمال صباحاتها مع يوسف التي تبدأ قبل بزوغ الفجر، فتقول: "أستيقظ باكراً لأعدّ له كل ما يحتاجه، من الأدوات الطبية والأدوية إلى الطعام والملابس، وأسعى للتأكد من أنّ كل شيء في موضعه الصحيح، فمجرد تأخري دقيقة واحدة عنه قد يضاعف حجم المعاناة".

وتتابع بصوت يختلط بالدموع: "الكرسي المتحرك الذي نستخدمه قديمٌ للغاية ويحتاج إلى صيانة مستمرة، والعلاج الطبيعي شبه معدوم، أمّا مستشفيات التأهيل، فهي مكتظة بالمرضى والجرحى، ممّا يضطرني للانتظار لأشهر طويلة من أجل تحديد جلسة علاج واحدة، في وقت يحتاج فيه إلى تدريب متواصل، حركياً ونطقياً".

وقد تركت الحرب أثرها النفسي العميق على يوسف، كما تقول الجمال، وتتابع: "كل صوت انفجار، وكل ضوضاء قوية، تجعله يصرخ ويختبئ، وأحياناً يبكي لساعات طويلة بدون سبب واضح، وكل مرة أشعر بالعجز، فالحرب لم تدمر فقط المنازل، بل دمرت شعور الأطفال بالأمان".

نقص الخدمات والدعم

وتكمل: "حتى اللعب مع الأطفال صعب جداً، فالأطفال الآخرون لا يفهمون حالته، وغالباً ما يتجنبونه، وهذا يضاعف شعوره بالعزلة والاختلاف، فأحاول أن أشرحه لهم، لكنّ المجتمع صغير، والوعي محدود".

وتتحدث الجمال عن نقص الخدمات الأساسية، وتوضح: "لا توجد أجهزة مساعدة كافية، ولا مراكز علاج كافية، والأدوية غير متوفرة، ونعيش في دائرة لا تنتهي من الانتظار والمعاناة، وكل يوم يمثل تحدياً جديداً، وكل لحظة حرجة تتطلب يقظة مستمرة".

وتبين: "كأم، أضطر لأن أكون المربية، والمعلمة، والمعالجة في الوقت نفسه، ليس لدينا أيّ دعم نفسي حقيقي، وكل شيء يعتمد على صبرنا وتحملنا".

وتؤكد الجمال وهي تنظر إلى يوسف بابتسامة حزينة: "حتى اللحظة كل يوم يحمل تحديات جديدة، لكن كل يوم أيضاً يحمل أملاً صغيراً أن يجد العالم مكاناً لطفلي والأطفال الذين مثله".

وتختتم الجمال حديثها قائلة: "أحلم بيوم يرى فيه يوسف والأطفال الذين مثله حقهم في الحياة الطبيعية، بدون خوف، وبدون انتظار، وأحلم بمجتمع يراهم كأطفال طبيعيين يستحقون الحب والرعاية، فالحرب دمرت الكثير، لكنّ يجب ألّا تدمر الإنسانية".

صعوبات يومية تتضاعف

وفي حي النصر غرب مدينة غزة، حيث ما تزال آثار الدمار تتخلل الشوارع والمباني، يجلس سامر الشرفا (32 عاماً) مع طفله  خالد (6 سنوات)، الذي يعاني من إعاقة حركية بعد بتر ساقيه خلال الحرب المستمرة على غزة.

يقول الشرفا، وهو ينظر إلى طفله في خيمته المتواضعة التي أقامها فوق أنقاض منزله، محاطاً بأدوات طبية بسيطة وألعاب تعليمية: "منذ إصابة خالد، ونحن نعرف أنّ طريقه سيكون مختلفاً، لكن لم نكن نتوقع أن تكون الحياة في غزة بهذه القسوة". 

ويضيف: "نزحت وعائلتي ثلاث مرات من منزلي إلى وسط قطاع غزة، كان آخرها قبل الهجوم البري بأيام قليلة في أيلول/ سبتمبر 2025، وبعد أن عدت إلى المنزل وجدته مدمراً بشكل جزئي، وعندما حاولت استصلاح مكان للعيش بداخله، دخل الجيش الإسرائيلي بشكل مفاجئ للحي المجاور لنا، وحوصرنا داخله".

ويتابع الشرفا: "أثناء نومنا في ساعة متأخرة من الليل قامت طائرات الاحتلال بقصف المنزل فوق رؤوسنا دون سابق إنذار، فقتلت زوجتي و(2) من أبنائي، وأصبت أنا بحروق مختلفة، وأصيب طفلي خالد ببتر في قدميه".

ويكمل: "لا يستطيع طفلي الخروج من المنزل بسبب صعوبة حركته جراء الإعاقة، وخاصة أنّ الشوارع والطرق الآن مدمرة بسبب العدوان الإسرائيلي، فالأشخاص الأصحاء يجدون صعوبة بالغة في عبورها، فكيف بمن يعاني من إعاقة؟".

حياة صعبة ومعقدة

ويوضح الشرفا: "يوميات خالد ليست سهلة، والأوضاع في غزة تضاعف من قسوتها وتعقيدها، إذ تعاني المستلزمات الطبية كالكراسي المتحركة ووسائل الإعانة من ندرة حادة، ويقترب الدعم النفسي من الانعدام، مع غياب جهات تسانده وغيره من الأطفال على تجاوز تداعيات الصدمة النفسية التي خلفتها الحرب وتراجع الخدمات".

ويشير إلى أنّ "المدارس ذاتها تفتقر إلى التجهيزات اللازمة لاستيعاب الأطفال ذوي الإعاقة، إذ تعاني الصفوف من اكتظاظ شديد، في ظل غياب الكوادر التعليمية المتخصصة، ممّا يضطرني في أحيان كثيرة إلى تولي تعليم طفلي بنفسي داخل المنزل".

ويؤكد الشرفا أنّ "الوصول إلى المستشفى، ولو بشكل شهري ومتقطع، يمثل تحدياً كبيراً لخالد، فالطرق المليئة بالحفر والمطبات تعيق حركته، ونضطر للانتظار ساعات طويلة قبل العثور على وسيلة نقل مناسبة، مضيفاً أنّ كل خروج معه يضع حياتهم في حالة ترقب دائمة بين الخطر وبصيص الأمل".

ولفت إلى أنّ "خالد يعاني من سوء تغذية، إذ يكتفي بوجبة طعام واحدة يومياً، إلى جانب معاناته من نوبات بكاء متكررة، فضلاً عن قلقه من البقاء وحيداً، مؤكداً أنّ كل يوم يمر عليه يشكل تحدياً بالغ الصعوبة".

ويحلم الشرفا بيوم ينال فيه طفله حقه الكامل في الحياة بعيداً عن الخوف والترقب، وأن ينظر إليهم المجتمع كأطفال عاديين يستحقون الرعاية والاهتمام والمحبة، فالحرب بالرغم ممّا خلفته من دمار واسع، ينبغي ألّا تمسّ جوهر الإنسانية".

تأثير مضاعف

ترى الإخصائية النفسية في مركز العودة الصحي بغزة أماني محمود أنّ "الأطفال ذوي الإعاقة يتأثرون بشكل مضاعف مقارنة بالأطفال الآخرين، فهم يعانون بالفعل من صعوبات جسدية وعقلية، وعندما يتعرضون للحرب والانفجارات تزداد مستويات القلق والخوف لديهم بشكل كبير، فبعض الأطفال تظهر عليهم أعراض مثل الصرع النفسي، وصعوبة النوم، والكوابيس المتكررة، ونوبات الغضب والانزعاج، وهذا قد لا يكون واضحاً دائماً للوالدين".

وتضيف: "أبرز المشكلات النفسية التي يعانيها الأطفال نتيجة سماع القصف والانفجارات هو تجنب الكثير منهم  الخروج من المنزل لفقدان شعورهم بالأمان، وتظهر عليهم أعراض التوتر والانسحاب الاجتماعي، وبعض الأطفال من ذوي الإعاقة يتوقفون عن التفاعل مع الآخرين أو يفقدون مهارات اكتسبوها مسبقاً بسبب الصدمة المتكررة".

وتوضح: "الأطفال ذوو الإعاقة الجسدية غالباً ما يواجهون قيوداً تمنعهم من الهروب واللعب بحرّية، ممّا يزيد شعورهم بالعجز، أمّا الأطفال ذوو الإعاقات الذهنية أو النمائية، فقد يجدون صعوبة في فهم ما يحدث، وهو ما يجعلهم أكثر عرضة للصدمة النفسية، ونوبات الغضب، والسلوكيات الانسحابية".

وتتابع: "التعرض المستمر للصدمات يمكن أن يبطئ نمو الطفل النفسي والاجتماعي، ويؤدي إلى صعوبات في التعلم، والتواصل، وتكوين العلاقات، ويصبح الأطفال ذوو الإعاقة أكثر اعتماداً على الأهل، وأحياناً تظهر لديهم سلوكيات عدوانية وخوف مفرط من العالم الخارجي، وهو ما يعقد عملية دمجهم في المجتمع". 

وتؤكد الإخصائية النفسية أنّ "الدعم النفسي الضروري المطلوب للأطفال ذوي الإعاقة في مناطق النزاع، هو توفير بيئة آمنة ومستقرة داخل المنزل والمدرسة، بالإضافة إلى جلسات دعم نفسي منتظمة مع متخصصين، مع تعليم الوالدين كيفية التعامل مع نوبات القلق والخوف بشكل فعال".



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية