الجماعة الإسلامية في الهند... ذراع إخوانية تدعم إيران على حساب أولويات الأمة الهندية

الجماعة الإسلامية في الهند... ذراع إخوانية تدعم إيران على حساب أولويات الأمة الهندية

الجماعة الإسلامية في الهند... ذراع إخوانية تدعم إيران على حساب أولويات الأمة الهندية


10/03/2026

تُجسد الجماعة الإسلامية في الهند النموذج الأوضح لتيارات الإسلام السياسي التي تضع "الانحيازات الإيديولوجية" فوق مصلحة الدولة الوطنية. فمنذ نشأتها على يد "أبو الأعلى المودودي" عام 1941 لم تكن هذه الجماعة سوى "وكيل" لمشروع أممي يرفض الاعتراف بحدود الأوطان ومصالحها العليا، ويُسخّر طاقات المسلمين الهنود لخدمة صراعات إقليمية لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

ومع بدء الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران في 28 شباط/ فبراير الماضي سارعت قيادة الجماعة الإسلامية في الهند إلى إصدار بيان أدانت فيه العمليات العسكرية ووصفتها بأنّها "عدوان على دولة ذات سيادة".

البيان حذّر من احتمال توسع الصراع إلى حرب إقليمية، وطالب بوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار الدبلوماسي. غير أنّ البيان ركّز بصورة أساسية على إدانة الهجمات على إيران، متجاهلاً في الوقت نفسه تعقيدات المشهد الإقليمي أو المخاوف المتعلقة باستقرار المنطقة.

ومع الإعلان عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، ارتفعت نبرة التعاطف داخل أوساط الجماعة وبعض القيادات الإسلامية في الهند. وشهدت عدة مدن هندية فعاليات احتجاجية ومسيرات تندد بالضربات العسكرية وتحمّل الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية التصعيد.

وفي تصريحات لعدد من قيادات الجماعة الإسلامية، جرى تقديم خامنئي بوصفه "داعماً رئيسياً للقضية الفلسطينية"، في محاولة لتجاوز الخلافات المذهبية بين السنّة والشيعة وتوظيف الحدث في إطار خطاب تعبوي يركز على الصراع مع إسرائيل.

انحياز واضح للموقف الإيراني

ومع تصاعد العمليات العسكرية وبدء إيران بتنفيذ ضربات مضادة ضد دول الخليج العربي التي يعمل فيها ملايين الهنود، اتخذ خطاب الجماعة منحى أكثر وضوحاً في الانحياز.

فقد أكدت تصريحات الجماعة أنّ إيران لها الحق في الدفاع عن نفسها في مواجهة الهجمات العسكرية، وهو موقف بدا أقرب إلى تبنّي الرواية الإيرانية منه إلى الدعوة الحيادية لخفض التصعيد.

الخطاب العام للجماعة استمر في دعم إيران، وغضّ الطرف عن تهديد مصدر دخل ملايين الهنود وأرواحهم، وتجاهلت الجماعة سلسلة الانتهاكات الإيرانية على مدى السنوات الماضية، مثل دعم نظام بشار الأسد في قمع الشعب السوري وقتل عشرات الآلاف من المدنيين، وتحريك ميليشيات حزب الله، ممّا أدى الى زعزعة استقرار لبنان، إلى جانب دعم الحوثيين في اليمن وتهريب الأسلحة إلى الميليشيات  في العراق.

تجاهل مصالح الهند

مع اتساع نطاق الحرب وامتدادها إلى دول الخليج برزت فجوة واضحة في خطاب الجماعة الإسلامية. فدول الخليج تمثل أحد أهم الشرايين الاقتصادية للهند، إذ يعمل فيها ملايين العمال الذين تشكل تحويلاتهم المالية سنوياً مصدراً رئيسياً للعملة الأجنبية ودعامة مهمة للاقتصاد الهندي، إلى جانب الاعتماد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة القادمة من الخليج.

ورغم هذه الأهمية الاستراتيجية لم تُظهر بيانات الجماعة اهتماماً يُذكر بالمخاطر التي قد تواجه المصالح الاقتصادية أو أوضاع الجاليات الكبيرة المقيمة في دول الخليج. وبدلاً من ذلك استمر خطابها في التركيز على إدانة الضربات ضد إيران والدعوة إلى تضامن أوسع داخل العالم الإسلامي، في موقف يعكس تغليب الاعتبارات الإيديولوجية على مصالح ملايين العاملين في الخارج وعلى المصالح الاقتصادية الحيوية للهند.

الجماعة تنطلق أساساً من تصور إيديولوجي يرى أنّ كثيراً من الصراعات في الشرق الأوسط هي مواجهة بين العالم الإسلامي والقوى الغربية، وهو إطار فكري يدفعها إلى التعاطف مع أيّ طرف يدخل في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، بغضّ النظر عن التعقيدات السياسية للصراع.

وتعتمد الجماعة على توظيف القضية الفلسطينية في خطابها السياسي، إذ يجري تقديم دعم إيران باعتباره جزءاً من مقاومة إسرائيل، وهو ما يسمح بإعادة تفسير الصراع ضمن سياق أوسع يرتبط بالقضية الفلسطينية، حتى لو لم يكن الصراع مرتبطاً بها بشكل مباشر. ويُضاف إلى ذلك تبنّي خطاب يقوم على فكرة وحدة المسلمين في مواجهة التحديات الخارجية، حيث يتم التقليل من أهمية الخلافات المذهبية بين السنّة والشيعة لصالح خطاب يركز على التضامن الإسلامي.

وفي الوقت نفسه لا يخلو هذا الموقف من حسابات داخلية تتعلق بتعزيز حضور الجماعة داخل المجتمع المسلم في الهند. فتبنّي خطاب يتناول القضايا الإقليمية الكبرى في العالم الإسلامي يمنح الجماعة فرصة الظهور كمدافع عن قضايا المسلمين على المستوى الدولي، وهو ما يُسهم في توسيع نفوذها الدعوي والسياسي داخل الأوساط الإسلامية في البلاد.

ويكشف هذا الموقف مرة أخرى عن الفجوة بين خطاب الإسلام السياسي ومصالح الدول الوطنية. فبينما تتعامل الحكومات مع الأزمات الدولية بحسابات دقيقة تتعلق بالاقتصاد والطاقة والأمن، تواصل الحركات الإخوانية قراءة الصراعات من منظور إيديولوجي ضيق يقوم على منطق "الولاء والبراء"، حيث يتم تحديد المواقف السياسية وفق اعتبارات الانتماء الإيديولوجي لا وفق مصالح الدول.

ويمتد هذا التجاهل إلى أوضاع المسلمين في الهند، الذين يواجهون صراعات يومية مع الأغلبية الهندوسية تؤدي أحياناً إلى توترات ومشاكل أهلية، إلا أنّ ذلك لا يشكل أولوية للجماعة. فكلّ ما يهمها هو دعم أجندتها العابرة للحدود وتعزيز نفوذها الإيديولوجي والسياسي في العالم الإسلامي، حتى لو جاء ذلك على حساب الأمن والاستقرار المحلي لمسلمي الهند.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية