
لطالما مثّل شهر رمضان في أدبيات جماعة الإخوان المسلمين "موسماً استراتيجياً" يتجاوز البُعد التعبدي الصرف، ليتحول إلى منصة للاستعراض الحركي والتمكين الاجتماعي.
فمنذ عقود كانت الإفطارات الحاشدة و"موائد الرحمن" هي القوة الناعمة التي تتسلل من خلالها الجماعة إلى وجدان الطبقات الشعبية، وتمرر عبرها رسائلها السياسية للنخب.
اليوم، مع انحسار الحضور الميداني للجماعة في معاقلها التقليدية، وتلقيها ضربات قاصمة في بنيتها التنظيمية، لم يعد رمضان مجرد شعيرة، بل استحال إلى" جهاز إنعاش" إيديولوجي. وتحاول الجماعة عبر "المسجد الافتراضي" وشبكات التواصل الاجتماعي استعادة "الشرعية المتآكلة"، موظفة الرموز الدينية لخدمة مآرب سياسية في لحظة تاريخية يتسم فيها مشهد الجماعة بالتشظي والارتباك.
"المسجد الافتراضي": التعبئة الرقمية في زمن العزلة
مع فقدان الجماعة لسيطرتها على المنابر التقليدية والمساجد الكبرى، انتقلت معركتها في رمضان إلى الفضاء السيبراني. لم يعد الاعتكاف خلوة روحية، بل تحول في التكتيك الإخواني الجديد إلى "استنفار رقمي".
تعتمد الجماعة حالياً على ما يمكن تسميته" الوعظ الحركي الموجّه"، حيث يتم إغراق منصات مثل) تيك توك وتليجرام (بمقاطع دعوية قصيرة لرموزها، تخلط بين الحث على العبادة وبين "مظلومية الجماعة".
هذا "المسجد الافتراضي" يهدف بالأساس إلى اختراق جيل الشباب الذي لم يعاصر مرحلة التمكين الإخواني، عبر تقديم صورة ذهنية مغسولة للجماعة بصفتها حامية حمى الدين في مواجهة" العلمنة". إنّ رمضان في هذا السياق هو "فخ عاطفي" يُستخدم لإعادة تدوير الأفكار القطبية، "نسبة إلى سيد قطب"، ولكن بلغة عصرية تتناسب مع خوارزميات السوشيال ميديا.
غزة في رمضان الإخوان: تجارة الآلام وغسل السمعة
تستغل جماعة الإخوان هذا العام تزامن شهر رمضان مع استمرار العدوان على قطاع غزة كفرصة ذهبية لاستعادة الحضور الشعبي. يبرز خطاب الإخوان في رمضان الحالي محاولاً احتكار صفة "ظهير المقاومة"، حيث يتم الربط بشكل قسري ومتكرر بين الصيام وبين الانتماء إلى مشروع الجماعة السياسي عبر بوابة "حماس".
التحليل المتأني لخطاب الجماعة يكشف عن عملية "غسل سمعة" سياسية؛ فبدلاً من مراجعة أخطائها التي أدت إلى انهيارها في دول الربيع العربي، تحاول الهروب إلى الأمام عبر المزايدة بقضية غزة. رمضان هنا هو "المسرح الكبير" الذي تمارس عليه الجماعة أدوار البطولة الافتراضية، مستغلة المشاعر الدينية الجياشة تجاه القدس لتحويل الأنظار عن أزماتها الداخلية، وتحويل التبرعات والزكوات نحو قنوات تخدم شبكات نفوذها تحت ستار العمل الإغاثي.
صراع" المحاريب": لندن وإسطنبول ومعركة الشرعية
كشف نشاط شهر رمضان عن حجم التصدع البنيوي داخل التنظيم الدولي؛ فبدلاً من "البيان الموحد"، وجد القواعد أنفسهم أمام "شرعيتين" و"مرشدين". في لندن، تصدر جبهة صلاح عبد الحق رسائل تركز على" التربية والابتلاء"، محاولة الحفاظ على ما تبقى من التنظيم عبر خطاب صوفي ناعم. وفي إسطنبول، تواصل جبهة محمود حسين استخدام نبرة أكثر حدة وصدامية، موظفة الآيات القرآنية المتعلقة بالجهاد والتمكين لإثبات أنّها الوريث الشرعي لمكتب الإرشاد.
هذا "الاشتباك الرمضاني" على من يمثل روح الجماعة يعكس تحول التنظيم إلى "إقطاعيات سياسية" تستخدم الفتوى والدعاء كسلاح في تصفية الحسابات الداخلية. رمضان هنا ليس شهراً للتسامح الإخواني، بل هو موسم "عضّ الأصابع" التنظيمي، حيث تحاول كل جبهة استمالة القواعد من خلال "الخواطر الرمضانية" التي تحمل في طياتها سموماً موجهة ضد الجبهة الأخرى.
الزكاة كشريان حياة للتنظيم المتآكل
يمثل رمضان "الرئة المالية" التي يتنفس منها الإخوان، خاصة في ظل التضييق الدولي على منابع تمويلهم، وتحت شعارات "إفطار الصائم" و"كفالة اليتيم" تنشط الجمعيات "الواجهة" في أوروبا والولايات المتحدة لجمع الملايين.
في )حفريات) نلحظ أنّ الجماعة طورت آليات" التمويل الديني" لتصبح أكثر تعقيداً؛ حيث يتم استغلال فريضة الزكاة لتمويل المنصات الإعلامية المحرضة وقنوات اليوتيوب التي تهاجم الدولة الوطنية. إنّ "بزنس الوعظ "في رمضان هو ما يبقي الكادر الإخواني في الخارج قادراً على الاستمرار، ممّا يحوّل الشعيرة من واجب ديني إلى ضرورة حركية لبقاء الهيكل التنظيمي على قيد الحياة.
الصدام مع" الوعي الدرامي": محاولات تفكيك الصورة الحقيقية
يأتي رمضان ليضع الإخوان في مواجهة "قوة ناعمة" أخرى، وهي الدراما العربية التي باتت تخصص مساحات واسعة لكشف تاريخ الجماعة السرّي، كما رأينا في سنوات سابقة وفي ملامح الدراما التاريخية الحالي. تدرج الجماعة في رمضان الحالي ضمن خطتها ما يمكن تسميته "الجهاد الإعلامي المضاد"، حيث تخصص ساعات من البث لمهاجمة الأعمال الدرامية وتشويه صناعها.
هذا التشنج الإخواني تجاه الفن في رمضان نابع من إدراكهم أنّ "الصورة" باتت أقوى من" الخطبة"، لذا يسعون في هذا الشهر إلى تقديم "سردية بديلة" من خلال إنتاج برامج وثائقية قصيرة تتحدث عن تاريخهم المشرق المزعوم، في محاولة يائسة لترميم صورتهم الذهنية التي تهشمت أمام الحقائق التاريخية التي تُعرض على الشاشات.
سحر الدين الذي لم يعد ينطلي على أحد
يبدو أنّ استراتيجية "رمضان الإخواني" بدأت تفقد فاعليتها التقليدية، فالمواطن العربي، الذي عاين ممارسات الجماعة في السلطة وشاهد تناقضاتها الإيديولوجية، لم يعد يتقبل بسهولة ذلك الخلط الفج بين" المحراب" و"المنصة".
إنّ محاولات الجماعة لتحويل رمضان إلى "مساحة مسيسة" لم تعد سوى رقصة أخيرة على أطلال مشروع فكري يلفظ أنفاسه. فالاحتماء بالنص الديني لتبرير الفشل السياسي، واستغلال العاطفة الرمضانية لتغطية الانقسامات التنظيمية، لم يعد كافياً لإحياء تنظيم يواجه "خريفاً" طويلاً، ليس فقط على مستوى السياسة، بل على مستوى المصداقية الأخلاقية والدينية لدى الشعوب التي باتت تفرّق جيداً بين "جوهر الصيام"، وبين "تجار الشعارات".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)