الضغط على لبنان للتطبيع مع إسرائيل قد يأتي بمفعول عكسي

الضغط على لبنان للتطبيع مع إسرائيل قد يأتي بمفعول عكسي

الضغط على لبنان للتطبيع مع إسرائيل قد يأتي بمفعول عكسي


17/02/2026

ترجمة: محمد الدخاخني

أعطى وقف إطلاق النار الذي أنهى الصراع بين حزب الله وإسرائيل في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 زخماً جديداً لما يُعرف بـ "الميكانيزم"، حيث وُسِّعَ نطاقه ليشمل لجنةً عسكريةً خماسية الأطراف لمناقشة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار. وتضم هذه اللجنة الولايات المتحدة الأمريكية، بصفتها رئيسة، ولبنان وإسرائيل وفرنسا والأمم المتحدة.

ومع ذلك، ثمة مؤشرات اليوم على أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى إلغاء "الميكانيزم" أو استبداله بصيغة ثلاثية الأطراف تُستبعد منها فرنسا والأمم المتحدة. ويبدو أنّ هدفهما هو بدء اتصالات ثنائية بين اللبنانيين والإسرائيليين، بوساطة أمريكية، للتوصل إلى اتفاق سلام.

وفي حين تشير مصادر دبلوماسية فرنسية إلى أنّها أقنعت الولايات المتحدة بالإبقاء على "الميكانيزم"، فإنّه من غير الواضح ما قد يترتب على ذلك، إن صحَّ. وفي الوقت نفسه، يُشكِّل الانتقال إلى صيغة ثلاثية الأطراف مخاطر جسيمة على لبنان.

أوّلاً، قد يؤدي تجاوز "الميكانيزم" إلى إبطال التزامات إسرائيل بموجب اتفاق وقف إطلاق النار بشكل شبه كامل. وقد فشلت إسرائيل بالفعل إلى حد كبير في تنفيذ شروط الاتفاق، إذْ تواصل قصف لبنان بشكل شبه يومي. كما تجوهِلَ الموعد النهائي للانسحاب الإسرائيلي، الذي كان في كانون الثاني/يناير من العام الماضي، وكذلك الموعد النهائي اللاحق. ومع ذلك، فإنّ قيام لبنان برَسمَنَة هذا الموقف من خلال قبول صيغة تفاوضية جديدة لن يؤدي إلا إلى تفاقم مشكلته.

ثانياً، من غير المرجح أن يتمكَّن لبنان من الوقوف بمفرده في وجه الولايات المتحدة وإسرائيل إذا ما تواطأتا في إطار ثلاثي لإجباره على التوقيع على "اتفاقيات إبراهيم". وقد تجلى هذا الهدف النهائي بوضوح في تصريحات أدلى بها المبعوث الأمريكي الخاص إلى لبنان، توم باراك، في آب/أغسطس الماضي، حين قال: "من شأن اتفاق السلام مع إسرائيل أن يكون سبيلاً إلى الازدهار والاستقرار".

عملت مورغان أورتاغوس، وهي مبعوثة أمريكية أخرى إلى لبنان، لشهور على ضمان تمثيل مدني من اللبنانيين في "الميكانيزم"، الذي كان يضم حتى الثالث من كانون الأول/ديسمبر ممثلين عسكريين فقط. وقد أدى ذلك إلى تعيين سيمون كرم، السفير السابق في واشنطن، رئيساً للوفد اللبناني. لكن ما الهدف من هذه الخطوة سوى تمهيد الطريق لمحادثات قد تُفضي في نهاية المطاف إلى معاهدة سلام وتطبيع العلاقات مع إسرائيل؟

أمّا الخطر الثالث لصيغة ثلاثية الأطراف، فهو أنّها ستتيح للولايات المتحدة وإسرائيل الضغط على اللبنانيين لتجاوز حدودهم الحالية. ويتمثل الموقف اللبناني من "الميكانيزم" في أنّها منتدى للتفاوض لتنفيذ وقف إطلاق النار وترسيم الحدود البرية مع إسرائيل، وهي الخطوة الأولى نحو الاتفاق على ضمانات أمنية متبادلة. وهذا هو أقصى ما ترغب بيروت في تقديمه اليوم، على الأقلّ رسمياً.

ومع ذلك، يبقى السؤال: هل سيتمكن لبنان من وضع حدود لنطاق المفاوضات مع إسرائيل إذا طالب الإسرائيليون والأمريكيون بالمزيد؟ يمتلك الطرفان الأخيران نفوذاً لتحقيق ذلك. تحتل إسرائيل مناطق في جنوب لبنان، وقد تفرض شروطاً على بيروت قبل الموافقة على الانسحاب من هذه الأراضي، مع استمرارها في قصف لبنان. وماذا يمكن أن يفعل اللبنانيون إذا تضمنت هذه الشروط تعزيز التعاون الاقتصادي، على سبيل المثال، أو زيادة التنسيق بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي داخل حدود لبنان؟

ستكون لنتائج هذه الضغوط آثار داخلية وخارجية. داخلياً، لا يوجد تأييد شعبي واسع النطاق لاتفاق سلام مع إسرائيل، ولذلك فإنّ أيّ إجراءات يُنظر إليها على أنّها تصبّ في هذا الاتجاه قد تُثير توترات داخلية، حيث من شأن بعض الجماعات أو الطوائف أن تحشد الجهود ضدها.

خارجياً، قد يعني اتفاق سلام لبناني إسرائيلي أنّ لبنان سيجد نفسه ضمن دائرة النفوذ الإسرائيلي. ومن غير المرجح أن ترحب القوى الإقليمية الأخرى، خاصة تركيا التي تتمتع بنفوذ كبير في سوريا، بمثل هذا التطور على حدود سوريا أو تسمح به. لكنّ الأتراك ليسوا وحدهم، ففي منطقة تتنافس فيها القوى الكبرى لمنع هيمنة خصومها، خاصة إسرائيل، قد يتحول لبنان إلى ساحة للتنافس الإقليمي.

في آذار/مارس 2014 كتب هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي السابق، مقالاً مؤثراً عن أوكرانيا، وصف فيه بدقة مأزق لبنان. كانت حجته بسيطة: أوكرانيا منقسمة، وبالتالي فإنّ أيّ محاولة من جانب أيّ طرف في البلاد للهيمنة على الآخر "ستؤدي في نهاية المطاف إلى حرب أهلية أو تفكك". ولذلك، خلص كيسنجر إلى أنّه "إذا أرادت أوكرانيا البقاء والازدهار، فيجب ألّا تكون معقلاً لأيّ من الطرفين ضد الآخر، بل يجب أن تعمل كجسر بينهما".

ومع أنّ لبنان وأوكرانيا مختلفان، فإنّ الديناميكيات ليست متباينة تماماً. فلبنان أيضاً بلد منقسم، حيث تسعى معظم الطوائف إلى الحصول على دعم من القوى الإقليمية. ولذلك، فإنّ أيّ اتفاق يسمح لقوة إقليمية واحدة بالسيطرة على لبنان على حساب منافسيها الإقليميين، من المرجح أن يدفع القوة أو القوى الخاسرة إلى حشد أنصارها داخل لبنان ضد هذا الاتفاق، ممّا يزيد من انقسام البلاد. إنّ لبنان يصلح أن يكون جسراً لا ساحة معركة.

ومن الفروق الرئيسة مع أوكرانيا أنّ إسرائيل لا تملك حليفاً محلياً فعلياً في لبنان، إذْ لا توجد جماعات ضغط داخل البلاد تدعو إلى السلام. لكن بمجرد تدخل قوى إقليمية خارجية في الشؤون اللبنانية، فمن المرجح أن يؤدي ذلك إلى تفاقم الانقسامات بين الطوائف اللبنانية.

وعلى الرغم من ثقة بعض المسؤولين اللبنانيين بأنّهم ما زالوا يسيطرون على عملية التفاوض مع إسرائيل، فإنّ هذا الأمر يبدو مشكوكاً فيه. فالتحالف الأمريكي الإسرائيلي شراكة يصعب دحضها، لا سيّما من جانب لبنان الضعيف والمنقسم. ولذلك يجب على اللبنانيين تجنُّب أيّ محاولات لتوسيع نطاق "الميكانيزم"، والإقرار بأنّ الجهود المبذولة لإجبارهم على اتفاق سلام مع إسرائيل ستؤدي على الأرجح إلى تدخل إقليمي لمنع ذلك.

المصدر: مايكل يونغ، ذي ناشيونال، 11 شباط/فبراير 2026

https://www.thenationalnews.com/opinion/comment/2026/02/11/by-forcing-normalisation-on-beirut-israel-could-turn-lebanon-into-another-ukraine/

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية