عائدون إلى غزة يفضحون انتهاكات الاحتلال عند معبر رفح: تحقيق وإذلال ومصادرة

عائدون إلى غزة يفضحون انتهاكات الاحتلال عند معبر رفح: تحقيق وإذلال ومصادرة

عائدون إلى غزة يفضحون انتهاكات الاحتلال عند معبر رفح: تحقيق وإذلال ومصادرة


11/02/2026

لم تكن إلهام الشامي (51 عاماً) تتخيل أنّ عودتها إلى غزة، بعد رحلة علاج شاقة خارج القطاع، ستتحول إلى ساعات طويلة من التحقيق والإذلال، ومصادرة مقتنيات شخصية لا تحمل سوى ذكريات المرض والغربة، فعند معبر رفح، حيث يفترض أن تنتهي المعاناة، بدأت فصول جديدة منها.

وتجلس السيدة الخمسينية في منزلها المتواضع غرب مدينة غزة، تمسك بملف أوراقها الطبية بيد مرتجفة، وتقول بصوت خافت: "كنت أعدّ الدقائق لأدخل غزة، لأشمّ رائحة بيتي وأولادي، لكنّهم جعلوني أندم على كل لحظة حلمت فيها بالعودة." 

في الثاني من شباط/ فبراير 2026 فُتح معبر رفح البري الحدودي جنوب قطاع غزة في كلا الاتجاهين أمام مغادرة المرضى والحالات الإنسانية وعودة العالقين إلى غزة، بعد أن ظل المعبر مغلقاً لعامين تقريباً بسبب الحرب والقيود الأمنية.

ومنذ إعادة افتتاحه يشهد معبر رفح مغادرة عدد محدود من المرضى ومرافقيهم، ويسمح بدخول أعداد محدودة أيضاً.

وكان من المتوقع وفق الاتفاق بين حماس وإسرائيل أن يعبر إلى القطاع في اليوم الأول 50 فلسطينياً، وإلى مصر 50 مريضاً مع مرافقين لكل شخص، لكنّ أول يوم للتشغيل الفعلي للمعبر شهد السماح بدخول 12 فلسطينياً فقط إلى القطاع، ولم يغادره سوى 8 أشخاص.

وتشير تقديرات في غزة إلى أنّ 22 ألف جريح ومريض يأملون مغادرة القطاع لتلقي العلاج في الخارج، في ظل الوضع الكارثي للقطاع الصحي جراء حرب الإبادة الإسرائيلية.

وتزداد الأزمة تعقيداً بسبب القيود والعراقيل التي تفرضها سلطات الاحتلال على سفر المرضى لتلقي العلاج خارج القطاع.

وأفادت وزارة الصحة في غزة بأنّ أكثر من 1200 مريضاً فارقوا الحياة أثناء انتظارهم الحصول على تصاريح سفر للعلاج، في وقت تواجه فيه مستشفيات القطاع أزمات مركّبة وصعبة، وتكافح بإمكانات محدودة من أجل الاستمرار في تقديم الخدمات الصحية وإنقاذ حياة المرضى.

وبحسب القيود الإسرائيلية، يُسمح فقط للفلسطينيين بالعودة إلى القطاع إن كانوا قد غادروه بعد اندلاع الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023.

وقبل حرب الإبادة كان مئات الفلسطينيين يغادرون غزة يوميّاً عبر المعبر إلى مصر، ويعود مئات آخرون إلى القطاع في حركة طبيعية، وكانت آلية العمل في المعبر تخضع لوزارة الداخلية في غزة والجانب المصري دون تدخل إسرائيلي.

وكان من المفترض أن تعيد إسرائيل فتح المعبر في المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ سريانه في تشرين الأول/أكتوبر 2025، لكنّها تنصلت من ذلك.

ساعات انتظار ثم تحقيق

تقول الشامي بعد الخروج من الجانب المصري: "انتظرت ساعات طويلة دون تفسير من الجهة الفلسطينية من المعبر الذي بدا كسجن وليس معبراً للمسافرين، قبل أن يتم السماح لنا أخيراً بالمغادرة باتجاه غزة."

وتضيف: "بعد استقلال الحافلة ووصولها على بعد عشرات الأمتار من المعبر، أوقفتنا مجموعة مسلحة كانت تضع حاجزاً لعرقلة المرور، ومن ثم قامت بتسليمنا جميعاً لقوات الاحتلال." 

وتوضح الشامي: "قام الجيش بتعصيب عينيّ وتقييد يديّ بأصفاد بلاستيكية وأخضعت لتحقيق قاسٍ 4 ساعات، وذلك بعد مصادرة جواز سفري. وبعد الجلوس بمفردي داخل غرفة صغيرة، دخلت مجندة ومعها رجل بملابس مدنية، وبدأ التحقيق: لماذا سافرت؟ من قابلت؟ من دفع تكاليف علاجك؟ وماذا تعرفين عن السابع من أكتوبر؟".

تقول: "الأسئلة لم تكن عادية، بل حملت طابع الاتهام والتشكيك، وكأنّ العلاج أصبح جريمة، فكنت أشرح لهم أنّي مريضة سرطان، وأنّ لديّ تقارير طبية، لكنّهم لم يهتموا، وكانوا يعيدون الأسئلة نقسها بأسلوب مهين." 

مصادرة مقتنيات شخصية

وتضيف: "إنّ الأمر لم يتوقف عند التحقيق، فقد صادرت قوات الاحتلال كافة مقتنياتي الشخصية، وبينها هاتفي المحمول، ومبلغ مالي بسيط كنت قد ادخرته للعلاج، إضافة إلى بعض الهدايا التي أحضرتها لأطفالي، والعلاج الذي أحضرته معي الخاص بمرض السرطان." 

خلال المقابلة، تتوقف الشامي أكثر من مرة، كأنّها تستعيد المشهد بكل ثقله، وتقول: "أسلوب التفتيش كان قاسياً ومهيناً، خاصة للنساء، فطلبوا منّي خلع ملابسي الخارجية بالكامل، شعرت أنّ كرامتي تسحق، قلت لهم: أنا مريضة، جسدي ضعيف، لكن لا أحد يسمع." 

بعد أكثر من ثماني ساعات سُمح للشامي بالعبور، لكنّ لحظة الوصول لم تكن كما تخيلتها، وتتابع دخلت غزة وأنا منهكة، بلا هاتف، بلا مال، بلا ملابس أو علاج، وبقلب مكسور، ولم أشعر أنّي عدت إلى وطني، بل خرجت من سجن ودخلت إلى سجن أكبر." 

عودة بلا كرامة

صبحي السقا، الشاب الغزي البالغ من العمر (27 عاماً)، لم يكن يتوقع أن تتحول عودته إلى قطاع غزة بعد عامين من السفر خارج غزة إلى تجربة قاسية تختزل معنى القهر والإذلال، فعند معبر رفح، حيث تنتهي الجغرافيا وتبدأ السياسة، وجد نفسه لساعات طويلة يخضع للتحقيق، مجرداً من مقتنياته، متهماً بلا تهمة.

ويجلس السقا عند مدخل خيمة عائلته في مخيم النصيرات، ينظر إلى هاتف قديم استعاره من أحد أقاربه، بعد أن صودر هاتفه الشخصي على المعبر، ويقول بنبرة تجمع بين الغضب والتعب: "كنت أظن أنّ أصعب ما سوف أمرّ به هو الغربة، لكنّ المعبر علّمني أنّ العودة قد تكون أقسى." 

السقا غادر غزة قبل عامين عبر معبر رفح، بعد حصوله على فرصة عمل في سلطنة عُمان، ويقول: "السفر لم يكن خياراً سهلاً، لكنّه جاء نتيجة الحصار والبطالة وانعدام الأفق، فسافرت لأساعد عائلتي، تركت عائلتي على أمل أن أعود وقد وفرت لهم شيئاً من الأمان." 

وبعد انتهاء عقد عمله قرر العودة بشكل نهائي، حمل معه بعض الملابس، وهدايا بسيطة لأسرته، وهاتفه الذي يحتوي على تفاصيل عام كامل من الغربة، ويكمل: "كنت أشتاق لغزة رغم كل شيء، اشتقت للبحر، للزقاق، لصوت أمي." 

ويتابع: "عند وصولي إلى الجانب الفلسطيني من معبر رفح بدت الإجراءات في البداية عادية، لكن بعد ختم جواز سفري طلب منّي الوقوف جانباً، قالوا لي: انتظر، لم أفهم لماذا، حتى مرّت ساعتان، ثم بدأ القلق." 

إذلال متعمّد

ويوضح: بعد انتظار طويل، وأثناء السير بالحافلة لعدة أمتار، تم إيقافنا ونقلنا إلى نقطة تفتيش إسرائيلية، ووضعت داخل غرفة تحقيق، دخلت غرفة صغيرة، وكان هناك محققان، أحدهما بدأ يسألني عن عملي، والآخر كان يقلب جواز سفري ببرود أكثر من أربع ساعات، تخللتها أسئلة وصفها بأنّها "استفزازية ومهينة".

ويكمل: "أثناء التحقيق تمّ توجيه عدة أسئلة من قبل الجنود الإسرائيليين عن سبب سفري؟ وأين؟ وماذا كنت أعمل، وكم كنت أتقاضى من المال؟ ومع من كنت أتواصل؟ ومدى معرفتي ببعض الأشخاص الذين أسمع بهم لأوّل مرة." 

حاول السقا الإجابة بهدوء، لكنّه شعر أنّ الهدف لم يكن الحصول على معلومات، بل الضغط النفسي، ويبين: "كلما أجبت، أعادوا السؤال بصيغة أخرى، كأنّهم يريدون أجوبة متناقضة." 

ويصف السقا أسلوب المعاملة بأنّه قائم على التقليل من الشأن والإهانة المتعمدة، ويؤكد: "كانوا يتحدثون معي بنبرة استعلاء، أيّ اعتراض يقابل بالصراخ: اصمت!، وبعد انتهاء التحقيق لم يسمح لى بالمغادرة فوراً، بل تركت في قاعة الانتظار لساعات إضافية، كنت مرهقاً، وجائعاً، ولم يقدموا لي شيئاً سوى الانتظار." 

ويختم السقا حديثه برسالة تختصر تجربته: "نحن لا نحمل سلاحاً، نحمل حقائب فقط، ونحاول أن نعيش، لكنّهم يعاقبوننا حتى على العودة." 

جريمة حرب

يرى رئيس الهيئة الشعبية لمناصرة حقوق الشعب الفلسطيني الدكتور صلاح عبد العاطي أنّ  "الاحتلال الإسرائيلي لا يملك أيّ أساس قانوني للتحقيق أو الاحتجاز التعسفي للعائدين المدنيين الفلسطينيين عند معبر رفح، فهؤلاء المدنيون يعودون إلى أراضيهم، وأيّ احتجاز أو تحقيق بدون أساس قضائي يُعدّ جريمة حرب وانتهاكاً صريحاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة 1949، والممارسات الحالية ليست سوى انتهاكات استعمارية هدفها فرض السيطرة والإذلال وترهيب السكان." 

ويضيف عبد العاطي: "هذه الممارسات تشكل خرقاً صارخاً للمادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر العقاب الجماعي وتحمي المدنيين من المعاملة المهينة أو القاسية، وتحظر المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة العقاب الجماعي للمدنيين، ويمنع القانون الدولي الإنساني العرفي استخدام المدنيين كوسيلة ضغط سياسية أو عسكرية، ويجرم المعاملة اللاإنسانية والإذلال الممنهج." 

ويوضح: "التحقيق والإذلال والتعذيب الذي تقوم به قوات الاحتلال بحقّ العائدين هو عقاب جماعي يستهدف كل العائدين بلا تمييز، بما في ذلك النساء والأطفال، لإرهاب السكان وكسر إرادتهم، وهو احتجاز تعسفي يتم دون أيّ أساس قانوني أو قضائي، وإنّما وسيلة ترهيب وابتزاز، ويشكل انتهاكاً مباشراً للقانون الدولي واتفاقيات جنيف." 

ويتابع: "الممارسات الإسرائيلية تترك انعكاسات نفسية على المرضى والسكان، وتتسبب بصدمات نفسية شديدة، واضطرابات ما بعد الصدمة، والاكتئاب، والقلق المستمر، والشعور بالعجز وفقدان الثقة والأمان، ولعلّ التداعيات النفسية تكون أعلى لدى الأطفال والنساء الذين سيبقون يعانون من التوتر النفسي والذهني الذي يفاقم الأوضاع الإنسانية والصحية." 

ويؤكّد عبد العاطي أنّ ما يحدث سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر الكرامة الإنسانية، وإخضاع السكان الفلسطينيين للسيطرة والإرهاب النفسي ومنع عودة العالقين من خارج غزة، وبالتالي بقاء المرضى والجرحى معرّضين لتفاقم حالتهم الصحية بسبب التأخير في منحهم حق السفر  للعلاج وحرمانهم من الخدمات الطبية الحيوية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية