إدارة السجون الإسرائيلية تستخدم التجويع كسلاح ضد الأسرى للنيل من عزيمتهم

إدارة السجون الإسرائيلية تستخدم التجويع كسلاح ضد الأسرى للنيل من عزيمتهم

إدارة السجون الإسرائيلية تستخدم التجويع كسلاح ضد الأسرى للنيل من عزيمتهم


كاتب ومترجم فلسطيني‎
09/02/2026

 

في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني يواصل الاحتلال الإسرائيلي استخدام سياسة التجويع الممنهج كسلاح عقابي ضد الأسرى الفلسطينيين في سجونه، في محاولة لكسر إرادتهم والنيل من كرامتهم الإنسانية، وفرض المزيد من العقوبات الجماعية عليهم.

هذه السياسة التي تصاعدت بشكل ملحوظ خلال الفترات الأخيرة لم تعد تقتصر على تقليص كميات الطعام، بل تحولت إلى منظومة متكاملة من الحرمان الغذائي المتعمد، وهو ما يهدد حياة آلاف الأسرى، ويعرّضهم لأمراض خطيرة قد تصل إلى حد الموت البطيء.

إنّ استخدام التجويع كسلاح ضد الأسرى الفلسطينيين يمثل جريمة أخلاقية وإنسانية لا يمكن تبريرها تحت أيّ ذريعة أمنية، ومع استمرار هذه السياسة تتعاظم المسؤولية الملقاة على عاتق المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية لكسر الصمت، وحماية الأسرى من الموت البطيء خلف القضبان، وضمان الحد الأدنى من حقوقهم الإنسانية.

وتشير شهادات أسرى محررين وتقارير مؤسسات حقوقية إلى أنّ إدارة السجون تعتمد سياسة تقليص الوجبات كمّاً ونوعاً، حيث يتم تقديم طعام رديء الجودة وقليل القيمة الغذائية، وغير صالح للاستهلاك الآدمي في كثير من الحالات، ويحرم الأسرى من الفواكه والخضروات الطازجة، والبروتينات الأساسية، في مخالفة واضحة لأبسط المعايير الصحية، ولا يقتصر الأمر على ذلك بل يستخدم الطعام كأداة ابتزاز، إذ يتم ربط تحسين الوجبات بسلوك الأسرى أو بمواقفهم الاحتجاجية، مثل الإضراب عن الطعام أو رفضهم لإجراءات السجن التعسفية.

وقد أدت سياسة التجويع إلى تدهور خطير في الأوضاع الصحية للأسرى، حيث سجلت حالات نقص حاد في الوزن، وفقر دم وضعف في المناعة، وأمراض مزمنة مثل السكري وأمراض الجهاز الهضمي، ويعاني الأسرى المرضى وكبار السن من إهمال مضاعف، إذ لا تراعى احتياجاتهم الغذائية الخاصة، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً لحياتهم.

ويؤكد أطباء وحقوقيون أنّ سوء التغذية المتعمد قد يسبب أضراراً دائمة لا يمكن علاجها حتى بعد الإفراج عن الأسير، خاصة في حالات الاعتقال الطويلة. ويُعدّ استخدام التجويع كسلاح ضد الأسرى جريمة حرب بموجب اتفاقيات جنيف التي تلزم القوة القائمة بالاحتلال بتوفير الغذاء الكافي والرعاية الصحية للمعتقلين، وتنصّ القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا)، على حق السجين في غذاء صحي وكافٍ يحفظ كرامته الإنسانية، إلا أنّ الاحتلال يتجاهل هذه القوانين بشكل ممنهج، في إطار سياسة عقاب جماعي تستهدف الحركة بأكملها، وليس أفراداً بعينهم.

ويروي أسرى محررون أنّ الوجبات المقدمة لا تسدّ الجوع، وأنّهم يضطرون أحياناً للنوم وهم جائعون، ويعجز الكثيرون عن شراء الطعام من "الكنتينا" بسبب ارتفاع الأسعار وسياسة الاستنزاف المالي لعائلاتهم، ويصف بعضهم الطعام بأنّه أداة إذلال أكثر منه وسيلة للبقاء، وسط صمت دولي مجحف يعطي الاحتلال الحرية في ممارسة سياسة الإذلال بحق الأسرى القابعين خلف القضبان، فرغم خطورة هذه الانتهاكات، ما يزال ردّ الفعل الدولي دون المستوى المطلوب، وسط مطالبات متزايدة للمنظمات الحقوقية والإنسانية بالتدخل العاجل، وإرسال لجان تحقيق مستقلة لزيارة السجون، والضغط على الاحتلال لوقف سياسة التجويع فوراً.

يقول الأسير المحرر سليم المقيد، الذي اعتقل لمدة عام ونصف داخل سجن نفحة الإسرائيلي: "عشت برفقة مئات الأسرى طوال فترة اعتقالي حياة كالجحيم، إدارة السجن كانت تقدّم لنا مع كل وجبة طعام رغيفاً صغيراً من الخبز مع القليل من الطعام، وفي كثير من الأحيان يتم تقليص وجبات الطعام من ثلاث وجبات إلى وجبتين."  

وأوضح في حديثه لـ (حفريات) أنّ "الاحتلال يحاول النيل من عزيمة الأسرى القوية والتجويع والحرمان من الحصول على الغذاء الكافي، حتى اللحوم ومشتقاتها من الأطعمة الغنية بالعناصر الغذائية لا يقدمها الاحتلال للأسرى، لجعلهم في حالة من الهزال طوال الوقت، لكنّ عزيمة الأسرى قوية رغم كل محاولات الإذلال." 

ولفت إلى أنّ "ما يفعله الاحتلال هو شيء محرّم، فهناك أسرى مرضى يعانون من أمراض مزمنة هم بحاجة إلى الغذاء الصحي وتناول الأدوية بانتظام، لكنّ الاحتلال يتجاهل القوانين والأعراف الدولية التي تكفل حقوق السجناء من خلال تقديم الطعام الكافي والرعاية الصحية والتعليم."  

أمّا الأسير المحرر من سجن عوفر منذر شعبان, فقد وصف السجن بأنّه مسلخ لتعذيب الأسرى والتنكيل والضرب والتجويع، حيث قضى (9) سنوات داخل السجن، وخسر أكثر من (40) كيلو جراماً من وزنه، نتيجة الإهمال الطبي وسوء التغذية، ورفض إدارة السجن تلبية مطالبه العادلة بالحصول على الغذاء والعلاج الكامل."  

ويشير في حديثه لـ (حفريات) إلى أنّ "الاحتلال بعد أحداث السابع من تشرين الأول (أكتوبر) زاد من حدة الضغط على السجناء، من خلال تقليص وجبات وكميات الطعام وحرمان الأسرى من الخروج في "الفورة"، وكل هذه الإجراءات زادت من معاناة السجناء، ودفعت البعض منهم إلى مهاجمة السجانين رفضاً لمحاولات النيل من الأسرى."  

وبالرغم من توقف حرب الإبادة، إلا أنّ الاحتلال يواصل اعتقال أكثر من (6) آلاف فلسطيني تم اعتقالهم خلال العمليات البرية في مناطق مختلفة من غزة،  في حين يخفي الاحتلال معلومات عن المئات من الأسرى المجهولين، ويرفض إعطاء المؤسسات الحقوقية معلومات عنهم، سواء كانوا على قيد الحياة أم قتلوا تحت التعذيب، وهذا ما يزيد من ألم أهالي الأسرى الذين يواصلون مساعيهم لمعرفة مصير ذويهم.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية