أيرلندا تستفيق... إجراءات جديدة لمواجهة تحركات الإخوان

أيرلندا تستفيق... إجراءات جديدة لمواجهة تحركات الإخوان

أيرلندا تستفيق... إجراءات جديدة لمواجهة تحركات الإخوان


28/01/2026

في السنوات الأخيرة بات ملف جماعة الإخوان المسلمين أحد أكثر القضايا إثارة للنقاش داخل الدوائر السياسية والأمنية في أوروبا، مع تزايد المؤشرات على تحوّل التعامل الرسمي من مقاربة تركز على حماية الحريات العامة إلى مقاربة أكثر تشددًا تسعى إلى تفكيك شبكات النفوذ التنظيمي والإيديولوجي التي تُنسب إلى الجماعة داخل المجتمعات الأوروبية. وفي هذا السياق برزت أيرلندا خلال الفترة الماضية كحلقة جديدة في سلسلة المواجهة المفتوحة بين عدد من الحكومات الأوروبية وبين منظمات وهيئات يُنظر إليها على أنّها ترتبط فكريًا أو تنظيميًا بالإخوان، وهو ما أعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة حول حدود العمل المدني، والفصل بين النشاط الديني المشروع وبين ما تعتبره بعض العواصم نشاطًا سياسيًا عابرًا للحدود.

جدل في أيرلندا

الجدل الذي تفجّر في دبلن لا يمكن عزله عن المناخ العام الذي تشهده القارة منذ سنوات، حيث بدأت دول مثل فرنسا والنمسا وألمانيا في إعادة تقييم سياساتها تجاه التنظيمات الإسلامية السياسية، على خلفية مخاوف أمنية وتقارير رسمية تتحدث عن محاولات لبناء نفوذ طويل الأمد عبر المؤسسات التعليمية والخيرية والدعوية. وفي حين تؤكد هذه الحكومات أنّ إجراءاتها لا تستهدف الدين الإسلامي، بل تستهدف أنماطًا تنظيمية محددة، يرى منتقدوها أنّ الخط الفاصل بين حماية الأمن وصون الحريات بات أكثر تعقيدًا من أيّ وقت مضى.

داخل هذا الإطار جاءت المطالبات التي أطلقها غانم نسيبة، رئيس مجموعة "مسلمون ضد معاداة السامية"، للحكومة الأيرلندية باتخاذ إجراءات تجاه منظمة تُعرف باسم المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، التي تتخذ من العاصمة دبلن مقرًا لها. واعتبر نسيبة أنّ المجلس يروّج لتعاليم الشيخ يوسف القرضاوي، الذي كان يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز المرجعيات الفكرية لجماعة الإخوان، والذي سبق أن مُنع من دخول عدد من الدول الغربية بسبب مواقف وتصريحات أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية.

هذه الدعوة فتحت بابًا واسعًا للنقاش داخل أيرلندا حول طبيعة الأنشطة التي تمارسها الهيئات الدينية ذات الطابع العابر للحدود، ومدى توافقها مع الإطار القانوني الوطني. وطرح نسيبة تساؤلات مباشرة حول ما وصفه بتناقض يسمح لهيئة يُنظر إليها على أنّها تروّج لأفكار مثيرة للجدل بالعمل داخل دولة أوروبية، في الوقت الذي يُمنع فيه دخول شخصيات مرتبطة بها أو يُنظر إليها باعتبارها مؤثرة في توجهاتها الفكرية.

من جانبها، حاولت الحكومة الأيرلندية التعامل مع هذه الضغوط عبر خطاب يؤكد التزامها بمبادئ سيادة القانون وحماية الحقوق المدنية. وأكدت وزارة العدل تصميمها على مواجهة جرائم الكراهية والتصدي لأيّ شكل من أشكال التحريض على العنف أو التمييز، مشددة على تنفيذ الخطة الوطنية لمكافحة العنصرية باعتبارها الإطار الجامع للتعامل مع القضايا ذات الصلة بالتنوع الديني والثقافي داخل المجتمع الأيرلندي.

غير أنّ هذا الموقف الرسمي لم يُنهِ الجدل، بل أعاد طرح سؤال أوسع حول كيفية تحقيق التوازن بين الانفتاح الذي يميز النموذج الأوروبي في التعامل مع العمل المدني والديني، وبين متطلبات الأمن الوطني التي باتت تتصدر أجندة الحكومات في ظل تصاعد المخاوف من التطرف العنيف ومن أشكال النفوذ السياسي غير المباشر. ويرى متابعون أنّ القضية في جوهرها لا تتعلق بهيئة واحدة أو دولة بعينها، بل تعكس تحوّلًا أعمق في النظرة الأوروبية إلى ما يُعرف بـ "النفوذ الناعم" الذي تمارسه بعض التنظيمات الإسلامية السياسية عبر شبكات من الجمعيات والمراكز البحثية والمؤسسات التعليمية.

تحول في السياسات

هذا التحوّل ظهر بوضوح في تجارب دول أخرى داخل الاتحاد الأوروبي. ففي فرنسا أطلقت السلطات خلال السنوات الماضية سلسلة من الإجراءات لمراقبة الجمعيات الدينية وإعادة تنظيم تمويلها، في إطار سياسة تهدف إلى حماية ما تصفه بـ "القيم الجمهورية" ومنع استغلال المساحات القانونية المفتوحة لأغراض سياسية. وفي النمسا اتخذت الحكومة خطوات مشابهة، شملت تحقيقات في أنشطة منظمات يُشتبه في ارتباطها بالإخوان، إلى جانب تشديد القوانين المتعلقة بالتمويل الأجنبي.

أمّا في ألمانيا، فقد كشفت تقارير صادرة عن أجهزة حماية الدستور عن متابعة مستمرة لشبكات مرتبطة بالتنظيم، معتبرة أنّ بعض أنشطتها تسعى إلى بناء هياكل موازية داخل المجتمع، وهو ما ترى فيه تهديدًا للنظام الديمقراطي على المدى الطويل. هذه التحركات مجتمعة تعكس مسارًا أوروبيًا يتجه نحو مزيد من التدقيق في طبيعة العمل الذي تمارسه الهيئات الإسلامية السياسية، حتى وإن كانت تعمل تحت مظلة قانونية ظاهريًا.

في الحالة الأيرلندية يكتسب النقاش بُعدًا خاصًا بسبب الصورة التي لطالما ارتبطت بالبلاد باعتبارها واحدة من أكثر الدول الأوروبية انفتاحًا على قضايا الهجرة والتعددية الثقافية. ويشير محللون إلى أنّ دبلن تجد نفسها اليوم أمام اختبار صعب: كيف تحافظ على هذا الإرث الليبرالي، وفي الوقت ذاته تستجيب لمخاوف داخلية وخارجية تتعلق بأمن الدولة وبالتزاماتها داخل المنظومة الأوروبية الأوسع.

من جهة أخرى، يلفت بعض الخبراء إلى أنّ جماعة الإخوان، منذ انتقال جزء من نشاطها إلى أوروبا في عقود سابقة، اعتمدت على بناء شبكات مؤسسية تتجاوز الأطر التقليدية للتنظيم السياسي. ووفقًا لهذه الرؤية فإنّ التركيز على العمل المجتمعي والدعوي وتأسيس مراكز بحثية وهيئات إفتاء ومنظمات شبابية، مكّن الجماعة من ترسيخ حضور طويل الأمد في عدد من الدول الأوروبية، مستفيدة من القوانين التي تضمن حرية التنظيم والعمل المدني.

هذا النموذج، بحسب منتقديه، يخلق تحديًا خاصًا للحكومات، لأنّه يُصعّب عملية الفصل بين النشاط الديني المشروع والنشاط السياسي الذي قد يتخذ طابعًا غير مباشر أو طويل المدى. وفي المقابل يرى مدافعون عن هذه الهيئات أنّ كثيرًا من الاتهامات الموجهة إليها تفتقر إلى أدلة قانونية واضحة، وأنّ التضييق عليها قد يفتح الباب أمام انتهاكات لحرية التعبير والتنظيم.

وسط هذا السجال تبرز أهمية الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث في تشكيل الرأي العام الأوروبي تجاه هذه القضية. فالتقارير التي تتناول ما تصفه بـ "شبكات النفوذ" للإخوان غالبًا ما تستند إلى وثائق رسمية أو إفادات من مسؤولين أمنيين، بينما تعتمد المنظمات المعنية على خطاب قانوني يؤكد التزامها بالقوانين المحلية ورفضها لأيّ ارتباط بأعمال عنف أو تحريض.

في هذا السياق يرى مراقبون أنّ المرحلة المقبلة قد تشهد مزيدًا من المواجهات القانونية والسياسية داخل المحاكم والبرلمانات الأوروبية، مع سعي الحكومات إلى تحديث تشريعاتها بما يسمح لها بمراقبة الأنشطة التي تعتبرها مهددة للأمن أو للنظام الديمقراطي، دون الوقوع في فخ التعميم أو استهداف جماعات دينية بعينها.

خيارات معقدة

أيرلندا، التي وجدت نفسها فجأة في قلب هذا الجدل، تبدو اليوم أمام خيارات معقدة. فالمضي في إجراءات صارمة قد يضعها في مواجهة انتقادات منظمات حقوق الإنسان، في حين أنّ تجاهل المطالبات قد يُعرّضها لضغوط من شركائها الأوروبيين الذين يسعون إلى تنسيق سياساتهم تجاه التنظيمات الإسلامية السياسية على مستوى القارة.

وبين هذين المسارين تحاول الحكومة الأيرلندية صياغة موقف يوازن بين التزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان وبين ما تعتبره ضرورة لحماية السلم الاجتماعي والأمن الوطني. ويؤكد مسؤولون في تصريحاتهم أنّ أيّ خطوات مستقبلية ستستند إلى القانون والأدلة، وليس إلى الانطباعات أو الضغوط الإعلامية.

في المحصلة، تعكس القضية المطروحة في دبلن جزءًا من مشهد أوروبي أوسع يعيد فيه صانعو القرار النظر في العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني والتنظيمات ذات الطابع الديني والسياسي. وهو مشهد يتسم بالتعقيد، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن مع مبادئ الحرية، وتتداخل فيه الحسابات الوطنية مع الأطر الأوروبية المشتركة.

ومع استمرار هذا الجدل، يبدو أنّ ملف جماعة الإخوان سيظل حاضرًا بقوة على جدول الأعمال الأوروبي، ليس فقط بوصفه قضية أمنية أو سياسية، بل باعتباره اختبارًا لقدرة القارة على إدارة التنوع والتعددية في ظل تحديات متزايدة تفرضها التحولات الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق تبقى أيرلندا واحدة من الساحات التي ستتجه إليها الأنظار خلال الفترة المقبلة، لرصد كيف ستتطور هذه المواجهة، وما إذا كانت ستُسهم في بلورة نموذج أوروبي جديد للتعامل مع التنظيمات العابرة للحدود داخل فضاء قانوني مفتوح ومعقّد.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية