ماذا وراء شائعة وفاة خيرت الشاطر في السجن؟

ماذا وراء شائعة وفاة خيرت الشاطر في السجن؟

ماذا وراء شائعة وفاة خيرت الشاطر في السجن؟


10/06/2026

فجأة انتشرت شائعة وفاة خيرت الشاطر على صفحات عناصر جماعة الإخوان الإرهابية، قبل أن تصدر وزارة الداخلية بيانًا ينفي الخبر، وسرعان ما تراجعت الصفحات نفسها عن روايتها الأولى، بعدما كانت قد بدأت بالفعل في تقديم سيرة الرجل من منظور يغلب عليه تمجيده وإظهاره كأنّه البطل المسجون ظلمًا. ولفهم ما وراء إطلاق الجماعة لمثل هذه الشائعات، فلنرجع بضع سنوات وقت أن توفي القيادي الإخواني البارز عصام العريان أثناء محبسه.

وقتها نعاه بعض خصومه قبل أنصاره، انطلاقًا من مساحات إنسانية مشتركة كانت قائمة قبل سنوات، وقت ادعاء الإخوان أنّهم فصيل وطني، وأنّ هناك قواسم مشتركة بينهم وبين فصائل المعارضة، وقت خديعتهم للقوى السياسية والزعم أنّ الجماعة حركة مدنية بمرجعية إسلامية. وبعد سيطرة الجماعة وظهور وجهها الحقيقي الإرهابي، انصرف الجميع عنهم، ولكنّ الشعب المصري بطبعه عاطفي ولا يعرف اللدد في الخصومة، لذا وقفوا إجلالًا أمام الموت، وترحموا على الرجل، هنا استغل الإخوان تلك اللحظة الإنسانية بانتهازية شديدة ومقيته وقاموا بتوظيف الوفاة توظيفًا سياسيًا متعمدًا.

المظلومية بوابة العودة

فتح التعاطف الإنساني شهية الإخوان على تكرار الحكاية، فكل فترة يتم إشغال الرأي العام بشائعات متكررة عن وفاة قيادات بارزة داخل السجون أو تدهور أوضاعهم الصحية بصورة خطيرة، ثم يتبين عدم صحة بعضها أو المبالغة فيها لعلها تصادف ما صادف وفاة عصام العريان، للأسف ظنّ عناصر الجماعة أنّ تلك الحالة فرصة لإعادة إنتاج خطاب المظلومية، واستدعاء التعاطف العام، وتذكير المجتمع بما تعتبره روابط إنسانية سابقة على الخلافات السياسية.

والأكثر إثارة للانتباه أنّ هذه الشائعات تظهر كثيرًا بالتزامن مع أحاديث عن مبادرات أو مع أحداث مفصلية، فقبل نحو ستة أشهر، وبالتزامن مع ذكرى 25 يناير، انتشرت شائعة مشابهة عن وفاة خيرت الشاطر، ثم تبين لاحقًا أنّ مصادر محسوبة على الجماعة كانت وراء ترويجها.

لا يمكن اعتبار الأمر مجرد مصادفة، أو أنّه رمية بدون رامٍ، فالجماعة منذ سنوات تركز على خطاب المعاناة لقياداتها داخل السجون، بحيث تتحول المعاناة الى أداة ضغط سياسي ووسيلة لاستثارة التعاطف العام، عبر الترويج لصورة "السجين المريض" أو القيادي الذي يواجه الموت خلف القضبان، فالمشاعر الإنسانية تتجاوز أحيانًا الخلافات السياسية، وقد تدفع بعض المتابعين إلى إعادة طرح فكرة العفو أو الإفراج أو التسويات السياسية.

الجماعة الإرهابية لا تتعاطف مع أحد بل تشمت في الجميع

غير أنّ المفارقة تكمن في أنّ الجماعة نفسها لا تبدي القدر ذاته من التعاطف مع خصومها، بل حتى مع المنشقين عنها أو المختلفين معها من أبنائها السابقين، فكثيرًا ما شهدنا حملات تخوين وتشويه وقطيعة كاملة تجاه قيادات إخوانية سابقة، بل وصل الأمر في بعض الحالات إلى الشماتة العلنية، ولعل ما جرى عقب وفاة الأستاذ مختار نوح يمثل مثالًا واضحًا على ذلك، فضلًا عن مواقف مشابهة تجاه قضاة ووزراء وشخصيات عامة ارتبطت بأحداث 30 يونيو 2013.

لذلك تبدو الجماعة كأنّها تطالب الجميع بالتعاطف معها، بينما لا تمنح الآخرين المعاملة ذاتها، فالتعاطف بالنسبة إليها ليس قيمة إنسانية عامة بقدر ما هو مدخل لإعادة إحياء خطاب المظلومية، وهو الخطاب الذي مثل لعقود أحد أهم مصادر شرعيتها الشعبية.

جماعة الإخوان تتمسكن حتى تتمكن

لقد أدركت الجماعة أنّ قطاعات واسعة من المجتمع لم تكن تؤمن بمشروعها السياسي أو الفكري بقدر ما تعاطفت مع الصورة التي قدمت بها نفسها كجماعة مضطهدة ومظلومة، ومن هنا أصبح التعاطف الشعبي بوابة المظلومية، وأصبحت المظلومية بدورها إحدى الركائز الأساسية التي تستند إليها الجماعة في الحصول على الشرعية الشعبية وكسب الرأي العام، أو كما يقول المثل المصري: "يتمسكن حتى يتمكن".

من الواضح أنّ الإخوان اكتشفوا أنّ اللجوء إلى تدوير الشائعات أقرب طريقة لإشغال الرأي العام والتمسكن وابتزاز التعاطف معهم، فبعد سنوات من فشل الجماعة في التأثير على المجال العام أو صناعة أحداث سياسية مؤثرة، باتت الشائعات هي وسيلتهم، سواء عبر الحديث عن انفراجات وشيكة للأزمة، أو عبر الترويج لوفاة أحد رموزها أو تدهور حالته الصحية، كل هذا لاستعادة الاهتمام الإعلامي والتغطية على أزماتها الداخلية وانشقاقاتها المتواصلة.

ولهذا لا يكاد يمر حدث أو ذكرى ذات رمزية سياسية إلا وتظهر معها حملات مشابهة. ففي "25 يناير، و11 فبراير، و30 يونيو، و3 يوليو، و14 أغسطس"، تتكرر محاولات استثمار زخم الذكرى، إمّا بالاستفادة منها، وإمّا بمحاولة توجيه الأنظار إلى ملفات أخرى تخدم خطاب الجماعة.

كلمة أخيرة

إنّ التعاطف مع أيّ إنسان يمر بمرض أو محنة يظل قيمة أخلاقية نبيلة لا خلاف عليها، لكنّ تحويل هذه المشاعر إلى أداة في الصراع السياسي أمر مرفوض تمامًا، فالمجتمعات قد تتعاطف مع الأفراد، لكنّها لا تمنح ثقتها للتنظيمات إلا بقدر ما تتمتع به من صدق ومصداقية، والإخوان حصلوا على أكثر من فرصة لإثبات أنّهم صادقون، ولكنّهم كلّ مرة يظهرون ما يخفونه من عداء.

سواء توفي خيرت أو المرشد أو أيّ قيادي إخواني، فهذا لا يعني أنّهم مظلومون، ولا يعني أن ننسى جرائمهم ضدّ الإنسانية وضد الوطنية. وكلمة أخيرة: إنّ قيادات الإخوان في السجن بحكم القضاء لأنّهم مدانون وليس لأنّهم مضطهدون. نقطة ومن أوّل السطر.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية