
لم تعد التغيرات الجغرافية في قطاع غزة مجرد تعديلات على الخرائط، بل أصبحت واقعاً يضيق الخناق على أكثر من مليوني فلسطيني، ومع اتساع السيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة من القطاع، تتقلص المساحات المتاحة للسكان وتتفاقم المخاوف من تحول الأزمة الإنسانية والاقتصادية إلى واقع دائم يهدد مستقبل المجتمع الغزي.
وفي شوارع مكتظة بالنازحين، وبين أبنية مهدمة وخيام متراصة، تبدو غزة كأنّها تدخل مرحلة جديدة من التآكل البطيء، مرحلة لا تقاس فقط بحجم الدمار، بل بما تتركه من آثار عميقة على قدرة السكان على الحياة والاستمرار.
وينتاب السكان في غزة الخوف، عقب تصريحات علنية ومباشرة أطلقها نتنياهو مؤكداً أنّه أصدر توجيهات رسمية إلى الجيش بالانتقال خطوة بخطوة للسيطرة على 70 % من مساحة قطاع غزة.
وفي كلمة ألقاها خلال مؤتمر في الضفة الغربية، كشف نتنياهو عن التدرج الميداني لعمليات الجيش في السيطرة على أراضي قطاع غزة، قائلاً: "كنا عند الـ 50%، وانتقلنا إلى الـ 60، وتوجيهاتي الحالية هي الانتقال إلى 70%، لنبدأ بذلك لتشديد الخناق".
ويأتي هذا التطور في سياق توسع ما يُعرف "بالخط الأصفر"، الذي نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025، حيث يفصل بين مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي شرقاً، والمناطق التي يُسمح بوجود الفلسطينيين فيها غرباً، ويغطي نحو 53% من مساحة القطاع.
ونصت خرائط اتفاق خطة السلام والازدهار على أنّه يتوجب على القوات الإسرائيلية الانسحاب من غزة إلى الخط الأصفر، الذي يمنح تل أبيب سيطرة ميدانية وعسكرية على نحو 53% في إجمال مساحة القطاع.
وأفادت هيئة البث الإسرائيلية بأنّ الجيش دفع هذا الخط تدريجياً نحو الغرب خلال الأشهر الماضية، لترتفع مساحة سيطرته من 53% عند بدء وقف إطلاق النار إلى نحو 59% حالياً.
حين تضيق غزة بسكانها
يقول أحمد مقداد (56 عاماً)، الذي نزح من حي الزيتون شرق مدينة غزة خلال الحرب الإسرائيلية: إنّ أكثر ما يثير القلق لديه ليس فقط فقدان منزله أو عمله، بل الإحساس المتزايد بأنّ القطاع يفقد مساحته القابلة للحياة.
ويضيف مقداد في حديث مطول: "عندما تنظر إلى الخريطة قد ترى أرقاماً ومساحات، لكننا نرى شيئاً مختلفاً تماماً، فنحن نرى أحياء اختفت، وطرقات لم يعد ممكناً الوصول إليها، وأراضي زراعية كانت مصدر رزق لعائلات كاملة وأصبحت خارج الاستخدام، حتى بات القطاع يضيق كل يوم، والخيارات المتاحة أمام الناس تتقلص باستمرار."
ويتوقف للحظات قبل أن يكمل حديثه بنبرة مثقلة بالإرهاق: "في السابق كنا نتحدث عن الحصار بوصفه حالة سياسية واقتصادية، أمّا الآن فالأمر أصبح محسوساً في كل تفصيلة، فعدد الناس يزداد في المناطق المتاحة، والخدمات تتراجع، والمياه أقل، وفرص العمل معدومة، وهناك شعور بأنّ الحياة نفسها أصبحت محاصرة."
وفي مركز إيواء العاصمة بحي النصر غرب مدينة غزة، يعيش مقداد وعائلته ويصف مشهداً بات يتكرر يومياً: "عشرات العائلات تتشارك مساحة صغيرة، والخصوصية اختفت تقريباً، والأطفال يكبرون وسط أصوات الطائرات والخوف الدائم، حتى النوم أصبح رفاهية، والناس لا تسأل عن المستقبل البعيد، ومعظمهم يسأل فقط كيف سيمضي هذا اليوم."
شلل اقتصادي ومستقبل غامض
وقبل الحرب كان مقداد يعمل في مجال التجارة الصغيرة، أمّا اليوم فيقول إنّ مصدر دخله اختفى بالكامل، ويشرح: "المحال أغلقت، والأسواق تضررت، وسلاسل التوريد انهارت، حتى من يملك بعض المال يجد صعوبة في الحصول على الاحتياجات الأساسية، فالاقتصاد هنا لا يمر بأزمة عابرة، بل يواجه حالة شلل عميقة."
ويتابع: "الكثير من الشباب كانوا يحلمون بالسفر أو الدراسة أو تأسيس مشاريع صغيرة، أمّا الآن فقد أصبحت الأولويات مختلفة تماماً، والحديث يدور حول الغذاء والماء والمأوى والأمان، وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة لفترة طويلة، تبدأ قدرته على النهوض بالتراجع."
وأكثر ما يقلق مقداد، كما يقول، هو أن يتحول الواقع الاستثنائي إلى وضع دائم، ويؤكد: "هناك خوف متزايد من التلاشي البطيء، ليس بمعنى اختفاء السكان، بل اختفاء مقومات الحياة الطبيعية، المدرسة، والجامعة، والحي، والعمل، فإذا استمر هذا الوضع سنوات طويلة، فماذا سيبقى من المجتمع؟".
ورغم المشهد القاتم، يرفض مقداد الاستسلام لفكرة النهاية، ويواصل: "غزة ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي مجتمع كامل من البشر، وما نريده في النهاية هو أن نعيش حياة طبيعية كبقية شعوب العالم، وأن يكون لدينا أفق للمستقبل بدلاً من البقاء في دائرة الخوف والانتظار."
مستقبل معلق
وفي منزله المدمر بحي التفاح شرقي مدينة غزة، يقيم سالم ربيع (28 عاماً)، الخريج الجامعي الذي أجبرته أهوال الحرب على النزوح مع عائلته منذ اندلاع العدوان، متنقلاً بين محطات اللجوء القسري في ظل واقع إنساني بالغ القسوة.
يقول ربيع: "حين كنت طفلاً، كنت أشعر أنّ غزة صغيرة مقارنة ببقية الأماكن، لكنّها كانت تتسع لحياتنا، واليوم نشعر أنّها تنكمش أمام أعيننا، فهناك مناطق كاملة لم نعد نستطيع الوصول إليها، وأحياء اختفت معالمها، وأراضٍ زراعية كانت تشكل متنفساً اقتصادياً وغذائياً للسكان".
ويضيف: "المشكلة لا تتعلق فقط بالمكان الجغرافي، بل بكل ما يرتبط به، فعندما تفقد الأرض تفقد معها الوظائف والإنتاج الزراعي والحركة التجارية، حتى بات الناس هنا لا يتحدثون عن السياسة بقدر ما يتحدثون عن كيفية إيجاد مساحة للنوم والحصول على مياه صالحة للشرب."
ويشرح ربيع أنّ الأزمة الحالية تختلف عن أيّ مرحلة سابقة مر بها القطاع، ويتابع: "في السابق كان الناس يعتقدون أنّ كل جولة تصعيد ستنتهي ويعودون إلى منازلهم وأعمالهم، أمّا الآن فهناك شعور عام بأنّ حجم التغيرات أكبر من مجرد أزمة مؤقتة، والجميع يتساءل، هل ستعود الأحياء كما كانت؟ هل ستعود الجامعات والمصانع والأسواق؟".
ويكمل: "الشباب هم الأكثر قلقاً، وآلاف الخريجين لا يملكون أيّ فرصة حقيقية للعمل، وحتى أصحاب المهن والحرف فقدوا أدواتهم وأماكن عملهم، وأصبحنا نعيش حالة انتظار طويلة لا نعرف نهايتها."
أحلام تحت الأنقاض
وفي وصفه للمشهد السكاني الراهن، يشير ربيع إلى ظاهرة جديدة لم تكن مألوفة بهذا الحجم، ويواصل: "هناك أحياء كاملة أصبحت تضم أعداداً تفوق قدرتها الاستيعابية بأضعاف، وقد تحولت المدارس إلى مراكز إيواء، والساحات امتلأت بالخيام، وحتى الشوارع الضيقة أصبحت أماكن للسكن المؤقت."
وعن تأثير الأوضاع على الشباب، يوضح ربيع أنّ الحرب لم تدمر المباني فقط، بل أصابت طموحات جيل بأكمله، ويقول: "كنت أخطط لإكمال دراستي العليا، وكثير من أصدقائي كانوا يستعدون لافتتاح مشاريع والبحث عن فرص عمل، واليوم أصبحت أحلامنا مؤجلة إلى أجل غير معلوم."
ويبين: "هناك أطفال فقدوا سنوات دراسية كاملة، وطلاب جامعات لا يعرفون متى سيعودون إلى مقاعد الدراسة، وعندما تتوقف عجلة التعليم لفترة طويلة فإنّ آثار ذلك تستمر لسنوات وربما لعقود."
وبسؤاله عن أكبر المخاوف التي تراوده اليوم، أجاب ربيع بعد صمت قصير: "الخوف ليس فقط من الدمار الحالي، بل في ما قد يتركه من آثار طويلة المدى على المجتمع، فإذا استمرت حالة الاختناق هذه، فإنّ إعادة بناء الإنسان ستكون أصعب من إعادة بناء الحجر."
وقائع جديدة على الأرض
يرى الكاتب والمحلل السياسي طلال أبو ركبة أنّ "التوسع الإسرائيلي في السيطرة على قطاع غزة يندرج ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى فرض واقع جغرافي وديموغرافي جديد يختلف جذرياً عمّا كان قائماً قبل "السابع من أكتوبر"، في حين تسعى إسرائيل إلى إعادة تشكيل الخريطة الميدانية للقطاع بما يخدم مصالحها الأمنية، ويحدّ من قدرته على تشكيل أيّ تهديد مستقبلي."
ويضيف أبو ركبة: "الرؤية الجيوسياسية الإسرائيلية تستهدف تحويل غزة إلى مناطق معزولة، مع إعادة تركيز الكثافة السكانية في المناطق الغربية للقطاع، بما ينسجم مع التصورات الإسرائيلية طويلة الأمد، وتسعى إسرائيل إلى الإبقاء على منطقة عازلة لمنع تكرار هجمات "السابع من أكتوبر"، وهو ما قد ينعكس على أيّ تسوية سياسية مستقبلية، خاصة تلك المرتبطة بإقامة دولة فلسطينية، في ظل رفض حكومة اليمين الإسرائيلي الحالية لهذا المسار."
ويوضح أنّ "الأزمات الإنسانية في قطاع غزة ليست مجرد تداعيات للحرب، بل تستخدم، وفق هذا الطرح، كأداة ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى جعل القطاع بيئة غير قابلة للحياة عبر التدمير الممنهج واستدامة الأزمات المعيشية والإنسانية، ويهدف ذلك، بحسب هذا التصور، إلى ترسيخ قناعة لدى الفلسطينيين بأنّ البقاء في غزة بات مستحيلاً، بما يدفع بعضهم إلى التفكير في الهجرة بوصفها مخرجاً من واقع طويل الأمد يتسم بانعدام الاستقرار وتفاقم المعاناة الإنسانية."
ويتابع أنّ "إسرائيل ستواصل توسيع نطاق سيطرتها الميدانية في قطاع غزة بهدف تثبيت الوضع القائم ودفع السكان نحو المناطق الغربية والوسطى، في إطار سياسة تقوم على القضم التدريجي للأرض وفرض وقائع جديدة، ويستند هذا التوجه إلى تراجع قدرة فصائل المقاومة على ردع التحركات الإسرائيلية، في ظل غياب ضغوط دولية فعالة تلزم إسرائيل بالانسحاب ووقف عملياتها في القطاع."
ويؤكّد أبو ركبة أنّ "ملف "اليوم التالي" في غزة سيظل مؤجلاً إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، قبل أن تتضح ملامح أيّ رؤية سياسية أو أمنية مستقبلية للقطاع."
ولا يستبعد الكاتب والمحلل السياسي أن "تواجه غزة خلال السنوات المقبلة أوضاعاً إنسانية وسكانية وأمنية أكثر تعقيداً، مع استمرار إسرائيل في تعزيز سيطرتها على المناطق الشرقية للقطاع ومواصلة استهداف عناصر المقاومة الفلسطينية، مستندة إلى موقفها المعلن بشأن رفض بقاء السلاح بيد حركة حماس."











![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_2.png.webp?itok=6N6mahHB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/633193666_122093146971272727_762315335892036104_n.jpg.webp?itok=_DNRtBTr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B70_1.jpg.webp?itok=9rrtY40N)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4.jpg.webp?itok=vlQ84KAo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/307141_1.jpg.webp?itok=9VA84zAM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-09%20131749.png.webp?itok=B5k53ons)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9_3_1_0_2.jpg.webp?itok=4oE7wZlp)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84_3_0.jpg.webp?itok=BfiWNj8q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Lessons-learned-from-the-Israeli-Iranian-war.jpg.webp?itok=DpvuieEl)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)