
منذ فجرِ التاريخِ، دأبَ البشرُ على تداول القصصِ بينهم. بعضُها يدورُ حولَ تجاربَ فرديّةٍ، والكثيرُ منها يعكسُ تجاربَ جماعيّةً؛ كالأساطيرِ والحكاياتِ الشعبيّةِ التي تفسّرُ نشأة العالم وتعكسُ تجربتَنا فيه، عبرَ سردِ قصصِ الآلهةِ والأبطالِ، معَ التعاليمِ الأخلاقيّةِ والمخلوقاتِ السحريّةِ، وتُستخدمُ هذه الرّواياتُ لتكريسِ الحكمةِ المشتركةِ، وغرسِ القيمِ، وإشاعةِ الشعورِ بالدّهشةِ.
وقد استطاعَ الإنسانُ الحفاظَ على الإرثِ الثقافيِّ والتقاليدِ والفلكلورِ على مدى آلافِ السّنينِ، بفضلِ تداولِ القصصِ شفهيًّا وتوثيقِها فيما بعدُ، وما يزالُ تأثيرُ هذهِ الأساطيرِ والحكاياتِ الشعبيّةِ ملموسًا في حياتِنا اليوميّة حتى الآنَ، حيثُ تشابكتْ هذه الحكاياتُ مع تفاصيلَ عديدةٍ في الحياةِ المعاصرةِ، سواء من خلال العلامةِ التجاريّةِ "نايكي" التي تحملُ اسمَ إلهةِ النّصرِ، أو البرامجِ الخبيثةِ المعروفةِ باسمِ فيروسِ طروادةَ المُستلهمِ من الحصانِ الأسطوريِّ؛ على سبيلِ المثال.
الأساطير السّلتية
يبرزُ الرقمُ ثلاثة كعنصرٍ محوريٍّ في مجالاتِ الفنِّ والعلمِ والفلسفةِ وحتّى الإيمانِ، إذ نجدُ في المسيحيّةِ الثالوثَ المقدّسَ، وفي الطاويّةِ الثلاثةَ الأطهارَ، وفي الشامانيّةِ العوالمَ الثلاثةَ.
أمّا التّحليلُ النّفسيُّ عندَ فرويدَ، فيرسمُ ملامحَ النفسِ البشريّةِ بين الهو، والأنا، والأنا العُليا. وفي النماذجِ الأصليّةِ التي طرحَها يونغ، تتشكّلُ الذّاتُ بينَ الظّلِّ والشخصيّةِ والجوهرِ. وحتى إدراكُنا للزّمنِ يعتمدُ على ثلاثيّةِ الماضي والحاضر والمستقبل.
وكان الرقمُ ثلاثة يحظى بتبجيلٍ خاصٍّ في الثّقافاتِ السّلتيةِ بأيرلندا وويلز، حيثُ ارتبطَ برمزيّةٍ قويّةٍ تُعرفُ بالثالوثيّةِ في الأساطيرِ الأيرلنديّةِ، وقد تجلّتْ آلهةُ الحربِ مثل مورينا وبادب وماشا دائمًا في هيئةٍ ثلاثيّةٍ. كما حوتِ الميثولوجيا الأيرلنديّة ثلاثةَ آلهةٍ للحِرَفِ، بينما رُسمتْ أيرلندا على هيئةِ ثلاثٍ من الآلهةِ تُدعى إيريوس وفودلا وبانبها، بينما كان المصيرُ المحتومُ للملوكِ سيّئي الحظِّ يتمثّلُ غالبًا في موتٍ ثلاثيِّ الخطواتِ: الجرحُ، ثمَّ الحرقُ، وأخيرًا الغرق.
أمّا في الفنِّ السّلتيِّ، فيظهرُ رمزُ "التريسكيلي" أو الدّوامةُ ثلاثيّةُ المحاور بشكلٍ متكرّرٍ، موحيًا بمفاهيمَ عميقةٍ كالارتباطِ بين الأرضِ والبحرِ والسّماءِ، أو الدورةِ الأبديّةِ للحياةِ والموتِ والبعث. كذلك تضمّنتْ بعضُ المنحوتاتِ تماثيلَ ذاتِ رؤوسٍ ثلاثيّةٍ أو حتّى وجوهٍ ثلاثيّةٍ على رأسٍ واحدٍ، كالنّقشِ الموجودِ في كورليك، بمقاطعةِ كافان الأيرلنديّة. وكانتْ أعينُ كلِّ وجهٍ تنظرُ في اتّجاهٍ مختلفٍ، وكأنّها تراقبُ العالمَ بزاويةِ 360 درجة. وربّما كان هذا التصميمُ المعقّدُ يُجسّدُ صورةً لإلهٍ، أو أداةً لاستكشافِ الأحداثِ والمعرفةِ البعيدةِ.
الأساطير الكوريّةُ
من أبرزِ سماتِ القرنِ الحادي والعشرين القدرةُ على الاستمتاعِ بثمارِ التبادلِ الثقافيِّ العالميِّ، وعندَ تصفّحِ مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِّ يظهرُ بوضوحٍ مدى الشعبيّةِ الكبيرةِ التي تتمتّعُ بها الثقافةُ الكوريّةُ، بدءًا من نجوم الكيبوبِ واتجاهاتِ الموضةِ وصولًا إلى الدّراما الكوريّةِ والرواياتِ المصوّرةِ.
والمثيرُ للاهتمامِ هو الطّريقةُ التي تُعادُ بها صياغةُ تلكَ القصصِ التّقليديّةِ في أشكالٍ جديدةٍ مثل الأفلامِ والمسلسلاتِ التلفزيونيّةِ وحتّى ألعابِ الفيديو. فعلى سبيلِ المثالِ يقدّمُ كتابُ "الأساطيرُ الكوريّةُ" لنا شخصيّةَ غوميهو، الثّعلب الأسطوريّ ذو التسعةِ ذيولٍ الذي يمتلكُ قوّةً إلهيّةً وسحريّةً، بينما يظهرُ الغوميهو في الكثير من أساطيرِ شرقِ آسيا عادةً كنذيرِ شرٍّ غيرِ مؤذٍ، لكن في الثقافةِ الكوريّةِ غالبًا ما يُصوَّرُ بشكلٍ أكثرَ شراسةً، حيثُ يتجسّدُ عادةً كامرأةٍ تسعى لخداعِ الرّجالِ وأكلِ قلوبِهم.
وفي الدّراما الكوريّةِ، يظهرُ الغوميهو في مسلسلِ "رفيقتي في السّكنِ غوميهو" (2021)، الذي يمزجُ بينَ الكوميديا والرّومانسيّةِ ويُصوّرُ قصّةَ ثعلبٍ ذي تسعةِ ذيولٍ يسعى لتحقيقِ حلمِهِ في أنْ يصبحَ بشريًّا. إضافةً إلى ذلكَ، يبرزُ تأثيرُ الغوميهو على الثّقافةِ الشّعبيّةِ العالميّةِ من خلالِ مخلوقِ ناينتيلز، الثعلبِ ذي العيونِ الحمراءِ من سلسلةِ بوكيمون الشّهيرةِ، الذي يدخلُ المعاركَ معَ بوكيموناتٍ أخرى بناءً على أوامرِ مدرّبيهِ.
أساطير المايا
لم يكن لدى حضارةِ المايا فرقٌ واضحٌ بين مفهومِ "الإلهِ" و"السّلفِ"، حيثُ امتزجتْ في أساطيرِهم السّماتُ البشريّةُ معَ القدراتِ الخارقةِ للطّبيعةِ، وهؤلاءِ الأبطالُ الأسطوريّون لم يكونوا مجرّدَ شخصيّاتٍ خارقةٍ، بل كانتْ لهم صلاتٌ وثيقةٌ معَ محيطِهم وثقافتِهم، وغالبًا ما تمَّ وصفُهم بأسماءٍ وعباراتٍ تشيرُ إلى علاقتِهم بالعوالمِ الرّوحيّةِ وأيضًا إلى أصولِهم البشريّةِ.
ومن أبرزِ أمثلةِ هذا الترابطِ العجيب كان ارتباطهم الوثيقُ بالذّرةِ، الغذاءِ الأساسيِّ والمحرّكِ لحضارتِهم.
تُعدُّ الذّرةُ رمزًا عميقَ الجذورِ في ثقافةِ المايا، فقد بدؤوا بزراعتِها منذ ما يقاربُ 5500 عامٍ على الأقلِّ في الأراضي الخصبةِ للمنخفضاتِ، وسرعانَ ما احتلَّ هذا النباتُ المركزيُّ مكانةً رئيسيّةً في نظامِهم الغذائيِّ، حيثُ شكّلَ حوالي 70% من غذاءِ الفردِ، وبمرورِ الزمنِ، أصبحتِ الذّرةُ جزءًا لا يتجزّأُ من حياتِهم اليوميّةِ، سواءٌ تمَّ تناولُها في الخبزِ المطهوِّ على البخارِ أو في شكلِ فطائرَ مسطّحةٍ أشبهَ بالتّورتيلا التي نعرفُها اليوم، وكان إلهُ الذّرةِ لدى المايا يتمتّعُ بهالةٍ خاصّةٍ تعكسُ أهميّةَ هذا المحصولِ.
ويتمُّ تصويرُ إلهِ الذّرةِ عادةً كشابٍّ وسيمٍ بشعرٍ مصفوفٍ على هيئةِ كوزِ الذّرةِ، وقد ألهمتْ هذهِ التّفاصيلُ السّكّانَ من خلالِ محاكاةِ صورتِهِ في تسريحاتِ الشّعرِ التقليديّةِ لديهم. وكان إلهُ الذّرةِ يمثّلُ دورةَ الحياةِ المستمرّةِ من النّشوءِ والنّموِّ إلى الحصادِ والموتِ، حيثُ كان الإلهُ معَ انتهاءِ موسمِ الحصادِ يسافرُ إلى العالمِ السّفليِّ المائيِّ، مصحوبًا بمجموعةٍ من الحيواناتِ التي تحملُ رمزيّةً مميّزةً تشملُ قردَ العنكبوتِ، وببغاءَ المكاو، والإغوانا، حيثُ يُدفنُ هناكَ ويتحلّلُ، لتبدأ دورةٌ جديدةٌ من الحياةِ، بينما تتحوّلُ بقاياهُ إلى أرضٍ خصبةٍ تزدهرُ فيها المحاصيلُ الأخرى المهمّة مثل الكاكاو والأفوكادو.
الأساطير الصينيّةُ
تلعبُ الأساطيرُ في المجتمعاتِ الزراعيّةِ دورًا كبيرًا في تفسيرِ القوى الطبيعيّةِ والظّواهرِ الجويّةِ التي تؤثّرُ على الحياةِ اليوميّةِ. وتملكُ الصّينُ تراثًا غنيًّا مرتبطًا بالنّهرِ الأصفرِ العظيمِ الذي يتدفّقُ عبرَ السهولِ الشماليّةِ، مغذّيًا الأراضي الخصبةَ بالخيرِ، هناكَ حيثُ تكتسبُ الآلهةُ والأرواحُ التي تتحكّمُ في الأنهارِ مكانةً خاصّةً في أساطيرِ الشّعبِ، فهي ليستْ فقط حاميةً من الفيضاناتِ الكارثيّةِ، ولكنّها أيضًا الضّامنُ لهطولِ الأمطارِ بانتظامٍ، الأمرُ الذي يُعدُّ حيويًّا للزّراعةِ.
ويتربّعُ التّنينُ في الثقافةِ الصّينيّةِ على عرشِ الرّموزِ المميّزةِ للبلادِ، ويختلفُ التّنينُ الصّينيُّ عن التّنينِ الغربيِّ، الذي غالبًا ما يُجسَّدُ ككائنٍ مخيفٍ يهدّدُ حياةَ الإنسانِ ويسعى للتّدميرِ.
أمّا التّنينُ الصّينيُّ، فهو عكسُ ذلكَ تمامًا: روحٌ نبيلةٌ وطيّبةٌ تسكنُ السّماءَ، ترتبطُ بشكلٍ وثيقٍ بعنصرِ الماءِ، وهذهِ الصّفاتُ جعلتِ التّنينَ صورةً من صورِ الأملِ العظيمِ خلالَ أوقاتِ الجفافِ، إذ تُقامُ طقوسٌ لاستدعائِها بهدفِ جلبِ المطرِ. ويُعتقدُ أنّ التّنانينَ تحملُ الغيومَ الماطرةَ أثناءَ مرورِها عبرَ السّماءِ، مانحةً الحياةَ للأراضي العطشى.
ومن بينِ الاحتفالاتِ التي ما زالتْ قائمةً حتّى اليومِ ويعبّرُ فيها الشّعبُ عن ارتباطِهِ بهذا الموروثِ، مهرجانُ قواربِ التنين أو دوانوو، ويُقامُ هذا المهرجانُ في اليومِ الخامسِ من الشهرِ الخامسِ بالتقويمِ القمريِّ، الذي يتزامنُ معَ فترةِ الأمطارِ الموسميّةِ في جنوبِ الصّينِ، ويعكسُ هذا الاحتفالُ حبَّ الشّعبِ للتّنانينِ وإيمانَهُ القديمَ بالدّورِ المحوريِّ الذي تلعبُهُ هذهِ الكائناتُ الأسطوريّةُ في تحقيقِ التّوازنِ بينَ الطبيعةِ والبشرِ.
أساطير الأزتك
شكّلت الألوهةُ في حضارةِ الأزتكِ جزءًا جوهريًّا من الحياةِ اليوميّةِ، حيثُ كانتْ حاضرةً في كافّةِ مظاهرِ الكونِ، وكانتْ محاولةُ تقسيمِ مجموعةِ الآلهةِ، كما في الحضارةِ اليونانيّةِ القديمةِ، مهمّةً معقّدةً للغايةِ، كما هو الحالُ معَ آلهةِ الأولمب؛ إذ تتشعّبُ أسماءُ الآلهةِ وصفاتُها، وتتداخلُ أدوارُها، وتظهرُ بأشكالٍ وصورٍ متعدّدةٍ. فقد يتجلّى وجودُ الإلهِ في نواةِ الذّرّةِ أثناءَ طهيِها، أو في نقوشِ حجرٍ يحتضنُهُ طائرُ البجعِ، أو في تدفّقِ مياهِ النّهرِ، أو وميضِ شهابٍ مندفعٍ، وحتّى قوس قزح البهيِّ.
وكان لكلِّ جماعةٍ صغيرةٍ إلهُها الخاصُّ أو قوّةُ حمايةٍ تُسبغُ عليها الدّعمَ والرّعايةَ، ومن بينِ آلهةِ الأزتك البارزينَ كان "تيزكاتليبوكا"، الذي مثّلَ السّماءَ اللّيليّةَ والأعاصيرَ والحربَ والنّمورَ، ويتجلّى كيانُ هذا الإلهِ بشكلٍ بارزٍ في معتقداتِهم، حيثُ اكتسبَ مكانةً محوريّةً، جعلتْ محاربي النّمرِ من النّخبةِ العسكريّةِ الأزتيكيّةِ اسمَهم تكريمًا لهُ، من خلالِ ارتداءِ ملابسَ مزخرفةٍ بأنماطِ جلدِ النّمورِ، في جميعِ المعاركِ التي خاضوها، مجسّدينَ القوّةَ التي يمثّلُها إلهُهم الحامي.
الأساطير المصريّةُ
عُرفَ المصريّون القدماءُ بشغفِهم الكبيرِ بتقديسِ القططِ، ولم تقتصرْ مكانتُها على دورِها العمليِّ كصائدةٍ بارعةٍ للفئرانِ وحاميةٍ للمحاصيلِ، بل ارتقتْ لتصبحَ رمزًا مقدّسًا يُجسّدُ الإلهةَ باستيت.
كانتْ باستيت في بداياتِ الأسطورةِ تُصوَّرُ على هيئةِ لبؤةٍ شرسةٍ، بما يعكسُ قوّتَها ورشاقتَها ودورَها الحامي، وبمرورِ الزمنِ تطوّرتْ صورتُها لتصبحَ مزيجًا بين امرأةٍ برأسِ قطةٍ أو لبؤةٍ، وهو ما يعبّرُ عن جوانبِها المتناقضةِ كإلهةٍ تجمعُ بين الهيبةِ والقوّةِ من جهةٍ، والحنانِ والحمايةِ الأبويةِ من جهةٍ أخرى. ويتجسّدُ هذا التناقضُ السّاحرُ بوضوحٍ في القصصِ المرتبطةِ بها، حيثُ تظهرُ في إحدى الحكاياتِ بمظهرِ لبؤةٍ قاسيةٍ تحملُ خنجرًا مخفيًّا في مخلبِها، لتدافعَ عن أرضِها وتقطعَ رؤوسَ أعدائِها بحزمٍ. ومعَ ذلكَ، ومعَ تعمّقِ ارتباطِها بشكلِ القطِّ المنزليِّ الأليفِ، تحوّلتْ بصورةٍ أكبرَ إلى رمزٍ للأمومةِ والرّاحةِ، معبودةً داخلَ البيوتِ كحاميةٍ لأبنائِها من المخاطرِ.
وقد تركتْ باستيت إرثًا خالدًا ألهمَ عشّاقَ القططِ عبرَ الأجيالِ، ومن دلائلِ ذلكَ اكتشافُ ما يقاربُ 300 ألفِ قطةٍ محنّطةٍ في ضريحِها، ممّا يؤكّدُ أهميّةَ تلكَ العلاقةِ الوثيقةِ بين البشرِ والقططِ. وامتدّتْ أسطورةُ باستيت إلى حضاراتٍ أخرى، لتبقى إرثًا خالدًا مرتبطًا بجاذبيّةِ القططِ وسحرِها الفريدِ.
الأساطير اليونانيّةُ والرّومانيّةُ
قد تبدو الأساطيرُ اليونانيّةُ والرومانيّةُ في غايةِ التعقيدِ، ولا شكَّ أنّ العديدَ من أشهرِ حكاياتِها تُشكّلُ جزءًا لا يتجزّأُ من نسيجِ الثقافةِ الغربيّةِ، فحتّى أولئكَ الذين يعشقونَ الأساطيرَ الميثولوجيّةَ بعمقٍ قد يواجهون أحيانًا ارتباكًا عندما تظهرُ القصّةُ نفسها بمعانٍ وأسماءٍ مختلفةٍ، ويعودُ ذلك إلى التداخلِ بين الحضارتينِ اليونانيّةِ والرومانيّةِ، إذ حرصَ الرّومانُ على دمجِ آلهتِهم معَ آلهةِ الإغريقِ لتكوينِ تراثٍ مشتركٍ، وأحدُ أمثلةِ هذا التّراثِ حكايةُ "صندوقِ باندورا".
وتحملُ قصّةُ باندورا، القادمةُ إلينا من أعماقِ الأساطيرِ اليونانيّةِ القديمةِ، رمزيّةً عميقةً ودروسًا مستوحاةً من إحدى القصائدِ الملحميّةِ، حيثُ كانتْ باندورا وفقًا للأسطورةِ، أوّلَ امرأةٍ خلقَها زيوسُ، لكنّها لم تكنْ هديّةً يُقصدُ بها الخيرُ، وكان غرضُ زيوس من خلقِها معاقبةَ بروميثيوس لسرقتِه النّارَ ومنحِها للبشر.
يعكسُ اسمُ باندورا طبيعةَ سلوكِها، فهو يعني "مانحةَ كلِّ الهدايا"، لكنّها جاءتْ محمّلةً بجرّةٍ مليئةٍ بالمصائبِ التي لم يكنْ لها مثيلٌ آنذاك. وتدورُ أحداثُ القصّةِ حولَ قيامِ زيوس بإهداءِ باندورا إلى إبيميثيوس، شقيقِ بروميثيوس، رغمَ التحذيراتِ بعدمِ قبولِ أيِّ هدايا من زيوس. ومعَ ذلكَ أصبحتْ باندورا زوجتَهُ، ولكنَّ فضولها كان أقوى من أيِّ تحذيرٍ، وما إنْ فتحت الجرّة حتّى أطلقتْ كلَّ الشرورِ والمصائبِ التي لم تكن البشريّةُ مستعدّةً لها، تاركةً وراءَها الأملَ وحيدًا في قاعِ الجرّةِ.
ومن هنا تبدأ المفارقاتُ التّاريخيّةُ، حيثُ تشيرُ الترجماتُ اللّاحقةُ للقصّةِ إلى أنّ الجرّةَ قد تغيّرتْ لتصبحَ ما نعرفُهُ اليومَ بصندوقِ باندورا، وهو ما أعطى الحكايةَ طابعًا مألوفًا أكثرَ لدى الأديانِ والثقافاتِ الأخرى. وربّما تبدو باندورا للوهلةِ الأولى كأنّها انعكاسٌ للأسطورةِ المسيحيّةِ عن حوّاءَ التي جلبتْ معها بدايةَ المعاناةِ البشريّةِ، والمثيرُ للاهتمامِ أنّ هذا التشابهَ لم تؤكّدهُ أصداءُ تلكَ الحقبةِ، حيثُ لم يعترف الرّومانُ بالمسيحيّةِ بشكلٍ رسميٍّ إلّا بعدَ العامِ 325 الميلاديِّ.
الأساطير الإسكندنافيّةُ
عالمٌ مصنوعٌ من أجزاءِ الجسمِ البشريِّ! يبدو هذا كأنّه حبكةُ فيلمٍ خياليٍّ، ولكنّهُ في الواقعِ جزءٌ مذهلٌ من الأساطيرِ الإسكندنافيّةِ. تلكَ المجموعةُ الغنيّةُ بالقِصصِ القديمةِ التي تمزجُ بينَ العنفِ والرّوعةِ، ألهمتْ كثيرًا من صناعاتِ الفنِّ والتّرفيهِ، بدءًا من السينما وصولًا إلى شخصيّاتِ مارفل الشهيرةِ مثل لوكي وثورَ. وتُعدُّ هذه الحكاياتُ جزءًا من إرثِ إسكندنافيا وأيسلندا في حقبةِ ما قبلَ المسيحيّةِ، تاركةً أثرًا كبيرًا على أعمال فنّانين مرموقين مثل فاغنر وتولكين.
وبعيدًا عن الصّورةِ اللّامعةِ التي رسمتْها هوليوود للآلهةِ الإسكندنافيّةِ، فإنَّ الأساطيرَ هنا تتجاوزُ الحدودَ لتقدّمَ لنا بعضَ القصصِ التي تجعلكَ تقفُ مذهولًا، أبرزُها بدونِ شكٍّ قصّةُ الخلقِ الإسكندنافيّةِ، التي لا تقلُّ غرابةً عن كونِها بشعةً؛ حينَ لم يكنْ هناكَ في البدءِ شيءٌ؛ سوى فراغٍ يُدعى جينونغاغاب. وسطَ هذا الفراغِ اصطدمت البرودةُ الجليديّةُ بحرارةِ النّارِ، ومن هذا الاشتباكِ الغريبِ وُلدَ يمير، كائنٌ خنثى، الذي أصبحَ أصلًا لكائناتِ العمالقةِ، ومن خلالِ سلسلةٍ طويلةٍ من الأجيالِ جاءَ أودين وفيلي وفي ليغيّروا هذهِ المعادلة، حيثُ قرّرَ هذا الثلاثيُّ أنّ عالمَ يمير لم يكنْ يناسبُهم، فخطّطوا لتغيير كلِّ شيءٍ بعمليّةٍ ذاتِ طابعٍ جنونيٍّ، فقاموا بذبحِ يمير وصنعوا عالمًا جديدًا باستخدامِ جسدِهِ: فحوّلوا دمَهُ إلى محيطاتٍ، ودماغَهُ إلى غيومٍ، وجمجمتَه إلى سماء، وشكّلتْ عظامُهُ الجبالَ، وهذا اختصارٌ أسطوريٌّ لقصّةِ ميلاد الكون.
قد تبدو هذهِ الحكايةُ مظلمةً وغيرَ مألوفةٍ بالنسبةِ إلى الكثيرين، ولكنّها تحملُ إرثًا ثقافيًّا غنيًّا يعكسُ كيفيّةَ تفسيرِ الإنسانِ القديمِ للخلقِ والطّبيعةِ، ولذلك استمرَّ تأثيرُها حتى اليوم في الأدبِ والفنِّ والثقافاتِ الشعبيّةِ.
الأساطير اليابانيّةُ
اليابانُ، بلدٌ يتميّزُ بغناهُ الثقافيِّ وعمقِهِ التّاريخيِّ، معَ تقديرٍ كبيرٍ للجذورِ والتقاليدِ، ويُعتبرُ كتابُ كوجيكي، الذي يعني سجلاّتِ الأمورِ القديمةِ، أقدمَ سجلٍّ تاريخيٍّ في اليابانِ، ويُعتقدُ أنّهُ أُنجزَ في عامِ 712 ميلاديّةٍ، ويستهلُّ الكتابُ بأسطورةِ إيزاناغي وإيزانامي، اللّذين يُنسبُ إليهما خلقُ جزرِ اليابانِ، إلى جانب حكاياتٍ عن حياتِهما ونسلِهما الإلهيِّ.
ونجدُ في العصرِ الحديثِ أنّ الأنمي يُعيدُ إحياءَ الأساطيرِ اليابانيّةِ بطرقٍ مبتكرةٍ، حيثُ تتحوّلُ الشّخصيّاتُ الإلهيّةُ إلى أبطالِ قصصٍ معاصرةٍ، ويُعدُّ استوديو جيبلي، وهو من أبرزِ استوديوهاتِ الرّسومِ المتحرّكةِ اليابانيّةِ، من الجهاتِ الرّائدةِ في تقديمِ أعمالٍ تستندُ إلى التراثِ والأساطيرِ. من بينِ إنتاجاتِهِ الشّهيرةِ، إعادةُ سردٍ مباشرةٍ لإحدى أقدمِ القصصِ الشعبيّةِ المسجّلةِ في اليابانِ، والمعروفةِ بـ "حكايةِ قاطعِ الخيزران".
وتحكي القصّةُ عن زوجينِ لا يُرزقانِ بأطفالٍ يكتشفانِ أميرةً قمريّةً داخلَ ساقِ خيزرانٍ متوهّجةٍ، فيقرّرانِ تبنّيَها ورعايتَها كابنتِهما، وبمرورِ الوقتِ تجلبُ الطّفلةُ لهما الحظَّ والثّروةَ وتنمو لتصبحَ شابّةً فائقةَ الجمالِ تلفتُ أنظارَ إمبراطورِ اليابان.
لكنّها تشعرُ بالحنينِ إلى وطنِها الأصليِّ وتقرّرُ العودةَ إلى القمرِ بعدَ شربِ إكسيرِ الخلودِ؛ وتُشيرُ الأسطورةُ إلى أنّ هذه القصّةَ كانتْ مصدرَ إلهامٍ لتسميةِ جبلِ فوجي، أعلى قمّةٍ في اليابانِ، حيثُ يرتبطُ اسمُهُ بكلمةِ "فوشي" اليابانيّةِ التي تعني الخلود

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/206-163002-ahmed-siam-suleimania-compound-video_700x400.jpg.webp?itok=yQBDiNPM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B2%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_0_4_0.jpg.webp?itok=Fs7SU17f)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_1_1_3_1_1_1_0_2_0_0_2_0_0_13.jpg.webp?itok=Lxgv51Y8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/IMG_6460_0_13_0_1.jpeg.webp?itok=bH5KwbUH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A_0_2.jpg.webp?itok=IENVdgqk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_105_0.jpg.webp?itok=5MGA_Q_7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_8_0.jpg.webp?itok=3bSQ70A2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D9%8A_3_1.jpg.webp?itok=_TsrbYRw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D8%B1_2_0.jpg.webp?itok=8uAkrmB_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0101_1_2_3_3_0_0.jpg.webp?itok=Km22ulUd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_10_0_0.jpg.webp?itok=wZswlMai)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D8%A7%D9%84_0_1.jpg.webp?itok=1kHCgfuN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_1_0_0_2.jpg.webp?itok=hZvK4uaf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_1_1_3_1_1_1_0_2_0_0_2_0_0_14.jpg.webp?itok=ne_zy6Ow)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0_0.jpg.webp?itok=YAM1ftNt)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-16%20142601.png.webp?itok=2qlF45oa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_23.jpg.webp?itok=psAtISEJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/shutterstock_691088758_0_1.jpg.webp?itok=J3_6oJup)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)