تحالفات بلا عقيدة: كيف توظّف جماعة الإخوان الدين والمذهب كأدوات سياسية؟

تحالفات بلا عقيدة: كيف توظّف جماعة الإخوان الدين والمذهب كأدوات سياسية؟

تحالفات بلا عقيدة: كيف توظّف جماعة الإخوان الدين والمذهب كأدوات سياسية؟


14/01/2026

لم تعد التحالفات السياسية في الشرق الأوسط تقوم فقط على التقارب الأيديولوجي أو الانسجام العقائدي، بل باتت تُبنى في كثير من الأحيان على منطق المصالح المتغيرة والضرورات المرحلية. 

في هذا السياق، برزت جماعة الإخوان المسلمين كنموذج واضح لتنظيم سياسي يتعامل مع الدين والمذهب بوصفهما أدوات قابلة لإعادة التوظيف، لا باعتبارهما مرجعيات ثابتة تحكم سلوكه وتحالفاته. 

هذا التحوّل جعل الجماعة قادرة على الانتقال بين ضفاف فكرية وسياسية متباعدة، دون أن ترى في ذلك تناقضًا، ما دام يخدم هدفها المركزي: البقاء، والتمكين، واستعادة النفوذ.

ولم يكن هذا السلوك وليد مرحلة بعينها، بل يمثل امتدادًا لمسار طويل من البراغماتية السياسية التي ميّزت الجماعة منذ نشأتها. فمنذ أن قدّمت نفسها كحركة دعوية إصلاحية، ثم تحوّلت تدريجيًا إلى تنظيم سياسي يسعى للسلطة، أصبحت العلاقة بين "الدعوي" و"السياسي" علاقة ملتبسة، تُعاد صياغتها وفق متطلبات كل مرحلة. وهكذا، تحوّل الدين من مرجعية أخلاقية عليا إلى خطاب تعبوي قابل للتكييف، وتحول المذهب من هوية عقدية إلى ورقة سياسية يمكن استخدامها أو تجاوزها حسب الحاجة.

اليوم، ومع تراجع نفوذ الجماعة في عدد من الدول العربية، وتصاعد الضغوط الأمنية والسياسية عليها، باتت هذه البراغماتية أكثر وضوحًا، وأكثر فجاجة أحيانًا، إذ لم يعد التحالف مع قوى متناقضة فكريًا أمرًا استثنائيًا، بل أصبح جزءًا من "العقل الاستراتيجي" للجماعة، التي ترى في أي تقاطع مصالح فرصة قابلة للاستثمار، حتى لو كان ذلك على حساب سردياتها التقليدية حول الهوية، والعقيدة، ووحدة الصف الإسلامي. 

وهذا يفتح نقاشًا واسعًا حول مدى قدرة الجماعة على الموازنة بين خطابها الديني وخططها السياسية، وكيفية تأثير ذلك على صورتها ومصداقيتها أمام جمهورها وعامة الناس.

 من الدعوة إلى السلطة… كيف تشكّلت البراغماتية الإخوانية؟

 

عندما تأسست جماعة الإخوان المسلمين في أواخر عشرينيات القرن الماضي، قدّمت نفسها كمشروع إصلاحي أخلاقي يهدف إلى إعادة "أسلمة المجتمع" من القاعدة إلى القمة. غير أن هذا المشروع حمل منذ بدايته بذور التحول السياسي، عبر ربط الإصلاح الديني بإقامة "النظام الإسلامي" وإعادة تشكيل الدولة وفق تصور الجماعة للشريعة والحاكمية. وهذا الربط بين الدين والسياسة جعل التنظيم بطبيعته مشروع سلطة، حتى وإن غُلّف في البداية بخطاب تربوي ودعوي.

ومع مرور الوقت، خصوصًا بعد احتكاك الجماعة المباشر بالأنظمة السياسية القائمة، دخلت في صدامات، ثم في مساومات، ثم في تحالفات ظرفية مع قوى مختلفة، بعضها علماني، وبعضها قومي، وبعضها حتى مناوئ دينيًا لها. 

هذه التحولات لم تكن مجرد ردود أفعال، بل أسست لما يمكن تسميته "العقل البراغماتي الإخواني"، الذي يرى أن الثبات الحقيقي ليس على المواقف، بل على الهدف النهائي: التمكين والسيطرة على المجال العام.

وقد جعل هذا العقل البراغماتي الجماعة قادرة على إعادة تفسير خطابها باستمرار، فتُقدّم نفسها مرة كحركة وسطية ديمقراطية، ومرة كحارس للهوية الإسلامية، ومرة كقوة ثورية معارضة للاستبداد، بحسب الجمهور المستهدف والسياق السياسي.

 وفي كل مرة، يتم تطويع النصوص، وإعادة تأويل المفاهيم الدينية، لتبرير هذا التموضع الجديد ومنحه شرعية أخلاقية ودينية. ومن هنا، يظهر أن الجماعة، رغم خطابها الدعوي التقليدي، تمتلك القدرة على الابتعاد عن الثوابت العقائدية عندما يتطلب الأمر تحقيق مصالحها السياسية، وهو ما يجعل فهم تحركاتها السياسية معقدًا ويحتاج إلى قراءة تحليلية دقيقة لكل مرحلة من مراحل تاريخها.

بهذا المعنى، لم يعد الدين إطارًا يقيّد السياسة، بل أصبحت السياسة هي التي تعيد تشكيل الدين داخل خطاب الجماعة. وهذا ما يفسر قدرتها على الدخول في تحالفات تبدو من الخارج متناقضة مع خطابها المعلن، لكنها من الداخل منسجمة تمامًا مع منطقها القائم على أولوية المصلحة التنظيمية واستغلال الفرص المتاحة.

 

 التحالفات العابرة للعقيدة… منطق المصالح لا منطق المذهب

 

أحد أبرز تجليات هذه البراغماتية يتمثل في استعداد الجماعة للتحالف أو التقارب مع أطراف تختلف معها جذريًا على المستوى العقدي أو المذهبي، طالما أن هذا التقارب يحقق لها مكاسب سياسية أو يوفر لها حماية أو نفوذًا. 

هذا السلوك يكشف أن الانتماء المذهبي، الذي يُقدَّم في الخطاب العام كخط فاصل بين "نحن" و"هم"، يمكن تجاوزه بسهولة حين تفرض السياسة منطقها.

في هذا السياق، أشارت عدة تقارير إخبارية إلى نماذج من هذا النوع من التقاطعات التي جمعت الإخوان مع قوى لا تشترك معهم لا في المذهب ولا في المرجعية الدينية، لكنها تشترك معهم في خصومة أطراف أخرى، أو في الرغبة في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية.

 هذا النوع من التحالفات لا يُبنى على قناعة فكرية، بل على تقاطع مؤقت في المصالح، وغالبًا ما يكون الهدف منه تأمين مواقع نفوذ، أو حماية قيادات، أو بناء شبكة علاقات إقليمية تدعم المشروع الإخواني.

اللافت في هذه التحالفات أنها غالبًا ما تُسوّق داخليًا وخارجيًا بخطاب ديني انتقائي، يُبرز المشتركات العامة، مثل "نصرة المستضعفين" أو "مواجهة الهيمنة" أو "الدفاع عن الأمة"، بينما يتم تجاهل التناقضات العميقة في الرؤية للعقيدة، والدولة، والمجتمع. 

وهكذا يصبح الدين لغة تبرير، لا منطلق توجيه، وتتحول المقولات الشرعية إلى أدوات خطابية أكثر منها مرجعيات حاكمة. هذه الاستراتيجية ساعدت الجماعة على توسيع حضورها السياسي بشكل كبير، خصوصًا في الفترات التي شهدت فيها البلاد فراغًا سياسيًا أو تصدعات في السلطة الرسمية، كما يظهر في حالات عدة عبر العالم العربي.

ويفسر الاستخدام الأداتي للدين والمذهب لماذا تستطيع الجماعة الانتقال من خطاب طائفي حاد في سياق معين، إلى خطاب وحدوي عابر للطوائف في سياق آخر، دون أن ترى في ذلك تناقضًا أخلاقيًا. فالمعيار ليس صدقية الخطاب، بل جدواه السياسية وقدرته على تحقيق أهداف محددة على الأرض.

 

 الدين كغطاء تعبوي… وتداعيات ذلك على المصداقية والفاعلية

 

تحويل الدين إلى أداة سياسية لا يمر دون كلفة. فعلى المدى الطويل، يؤدي هذا السلوك إلى تآكل مصداقية الخطاب الديني نفسه، وإلى اهتزاز الثقة بين الجماعة وقواعدها الاجتماعية، التي تكتشف تدريجيًا أن الشعارات التي رُفعت باسم العقيدة لم تكن سوى أدوات تعبئة ظرفية. 

وهذا ما يفسر جزءًا من حالة الانفصال التي نشأت في السنوات الأخيرة بين قطاعات من القواعد الشعبية وبعض الحركات الإسلامية، بعدما بدا أن الممارسة السياسية تناقض الخطاب الأخلاقي المعلن.

كما أن هذا السلوك يضعف قدرة الجماعة على تقديم نفسها كبديل أخلاقي أو حضاري للنظم القائمة، لأنها تبدو، في نهاية المطاف، نسخة أخرى من الفاعلين السياسيين الذين تحكمهم الحسابات نفسها، لكن بلغة دينية مختلفة. وبذلك تفقد الميزة الرمزية التي طالما استثمرت فيها: الادعاء بأنها تمثل "مشروعًا أخلاقيًا" لا مجرد مشروع سلطة.

في المحصلة، تكشف تجربة تحالفات الإخوان أن الدين، حين يُنزَع من سياقه القيمي ويُدخَل بالكامل في لعبة المصالح، يتحول من مصدر إلهام أخلاقي إلى مجرد أداة خطابية. 

وهذا لا يضر فقط بصورة الجماعة، بل يضر كذلك بصورة الدين في المجال العام، لأنه يربطه في أذهان الناس بالازدواجية والانتهازية بدل أن يربطه بالقيم والمعايير.

 

ما تكشفه هذه التحالفات ليس فقط مرونة سياسية، بل أزمة مرجعية عميقة داخل المشروع الإخواني نفسه. فحين تصبح المصلحة التنظيمية هي الثابت الوحيد، ويتحول الدين إلى متغير قابل لإعادة التوظيف، نكون أمام حركة سياسية تستخدم العقيدة، لا تتحرك بها. وهذا ما يجعل تحالفات الإخوان تبدو، في جوهرها، تحالفات بلا عقيدة، حتى وإن غُلّفت دائمًا بلغة دينية كثيفة.

إضافة إلى ذلك، تطرح هذه التحالفات تحديات كبرى للباحثين والمهتمين بالشأن الإسلامي السياسي، إذ تجعل فهم القرارات والتحركات الإخوانية مسألة دقيقة تتطلب تحليلًا مستفيضًا للسياق، والبحث في مصالح الأطراف المتعددة، ودراسة العلاقة بين الدين والسياسة بوصفها أداة متغيرة وليست ثابتة. 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية