
لم تكن هزيمة تنظيم داعش عسكريًا في العراق وسوريا نهاية فعلية للتنظيم بقدر ما كانت بداية طور جديد من وجوده. فالتنظيم الذي بُني أساسًا ككيان مسلح يسيطر على الأرض والسكان، وجد نفسه فجأة بلا جغرافيا، وبلا قدرة على إعادة إنتاج نموذج “الدولة” الذي سوّق له سابقًا.
وهذا التحول القسري دفعه إلى البحث عن مجال بديل يستطيع من خلاله الحفاظ على وجوده وتأثيره وقدرته على الاستقطاب. ذلك المجال كان الفضاء الرقمي، إذ لم يعد الإنترنت مجرد وسيلة تواصل بالنسبة للتنظيم، بل تحوّل تدريجيًا إلى بيئة حيوية بديلة أعاد فيها داعش تشكيل نفسه من تنظيم هرمي إلى شبكة مرنة من الخطابات والسرديات والتفاعلات العابرة للحدود، أي أن التنظيم لم ينتقل من مكان إلى آخر، بل انتقل من منطق السيطرة المادية إلى منطق التأثير الرمزي.
في هذا السياق، وردت دراسة المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات بعنوان «الجهاديون – قراءة استشرافية لاستراتيجيات تنظيم داعش في الفضاء الرقمي» لتفكك هذا التحول، وتقدّم قراءة معمقة في كيفية إعادة تموضع التنظيم وأدواته الجديدة وحدود هذا النموذج من الإرهاب الذي لم يعد يحتاج إلى أرض لكي يعمل.
من التنظيم المركزي إلى الشبكة السائلة
تُظهر الدراسة أن التحول الأهم في بنية داعش لم يكن تقنيًا فقط، بل بنيويًا. فالتنظيم الذي كان قائمًا على قيادة مركزية وولايات واضحة وسلسلة أوامر صارمة، تحوّل إلى كيان شبكي مرن لا يعتمد على المركز بقدر اعتماده على الانتشار.
ولم يعد هناك مقر قيادة بقدر ما هناك منظومة خطابية تنتقل من مستخدم إلى آخر ومن منصة إلى أخرى، وقد منح هذا التحول التنظيم قدرة عالية على التكيّف مع الضربات الأمنية. فإغلاق حساب أو منصة لا يعني نهاية النشاط، بل مجرد انتقاله إلى مساحة أخرى.
ومع كل انتقال يصبح التنظيم أقل قابلية للرصد وأكثر قدرة على التخفي داخل الضجيج الرقمي العام، ما يُفقد أدوات المكافحة التقليدية فعاليتها لأنها صُممت لمواجهة تنظيمات واضحة البنية لا شبكات سائلة بلا مركز.
كما غيّر هذا التحول طبيعة العلاقة بين التنظيم وأفراده؛ فلم يعد الفرد “عضوًا” بالمعنى التنظيمي الصارم، بل حاملًا للسردية وناشرًا لها وربما منفذًا لها دون ارتباط مباشر، وهو ما يجعل الحدود بين التعاطف والترويج والتنفيذ حدودًا ضبابية يصعب ضبطها.
من القوة المادية إلى القوة السردية
بحسب الدراسة، انتقل داعش من الاستثمار في القوة العسكرية إلى الاستثمار في السردية. فبعد أن كان يعتمد على استعراض العنف لبناء الهيبة، أصبح يعتمد على بناء خطاب طويل النفس يعيد تفسير الهزيمة بوصفها ابتلاء، والانكسار بوصفه مرحلة مؤقتة، والغياب بوصفه كمونًا استراتيجيًا.
الفضاء الرقمي سمح للتنظيم بإعادة كتابة قصته باستمرار دون الالتزام بالوقائع الميدانية. ويمكن للتنظيم أن يبدو قويًا وهو ضعيف، وأن يبدو حاضرًا وهو غائب، لأن ما يُستهلك هو الصورة لا الواقع. وهذا يمنح السردية قوة مستقلة عن الوضع الحقيقي للتنظيم على الأرض.
كما أصبح الخطاب أكثر تنوعًا وأقل صدامية ظاهريًا في بعض الأحيان، إذ يتسلل عبر مظالم سياسية أو قضايا هوية أو خطاب ديني مشحون عاطفيًا، بما يسمح له باختراق مساحات أوسع من الجمهور.
الدعاية الرقمية وسياسات السرد الاستراتيجي
تشير الدراسة إلى أن استراتيجية داعش الرقمية تقوم على ثلاث طبقات مترابطة: نشر المحتوى الأيديولوجي، خلق بيئات دعم نفسي وتفاعلي بين المتعاطفين، ثم ترويج نموذج عمل فردي ذاتي التفعيل.
هذه الطبقات لا تعمل بشكل منفصل بل ضمن منظومة متكاملة تُحوّل الاستهلاك إلى تفاعل، والتفاعل إلى التزام نفسي.
ولا تُنتج المواد الدعائية بوصفها رسائل معزولة، بل كسرديات متواصلة يعاد إنتاجها وتداولها باستمرار. وهكذا تتحول الجماهير نفسها إلى وسطاء نشر، ما يمنح التنظيم قدرة على الاستمرار رغم إغلاق حساباته الرسمية. وتلعب هنا إعادة تدوير المحتوى المؤرشف دورًا مهمًا في إبقاء الخطاب حاضرًا بأقل تكلفة تشغيلية ممكنة.
كما أن تنوع المنصات واللغات يسمح للتنظيم بتكييف رسائله حسب السياق الثقافي والجغرافي، ما يوسع دائرة التأثير ويجعل الخطاب يبدو محليًا رغم كونه جزءًا من منظومة عالمية واحدة.
التجنيد الرقمي وذوبان الحدود بين التعاطف والتنفيذ
تؤكد الدراسة أن الاستقطاب لم يعد يتم عبر قنوات تنظيمية مباشرة، بل عبر مسار نفسي تدريجي يبدأ بالاستهلاك ثم التفاعل ثم إعادة الإنتاج ثم الانتقال إلى مستويات أعمق من الانغماس. الفرد لا يُجند دفعة واحدة، بل يُعاد تشكيل وعيه تدريجيًا داخل بيئة رقمية مغلقة نفسيًا.
هذا المسار يجعل من ما يُعرف بـ “الذئاب المنفردة” نتاجًا طبيعيًا لهذا النمط من الاستقطاب، حيث يمكن للفرد أن يتحول إلى منفذ دون أن يمر عبر بنية تنظيمية قابلة للرصد. وهنا يصبح التهديد أكثر تعقيدًا لأن الخطر لم يعد فقط في التنظيم ككيان بل في آلاف الذوات المحتملة.
قياس هذا التأثير بالغ الصعوبة بسبب تعدد المنصات واللغات وتداخل الفضاءات المفتوحة والمغلقة، ما يجعل تتبع الانتقال من التعاطف إلى التنفيذ مسألة تحليلية معقدة تتجاوز المؤشرات الرقمية السطحية.
مأزق المواجهة في عصر الشبكات
هذا وتشير الدراسة إلى أن هذا النموذج يضع الدول أمام مأزق مزدوج: فلا يمكن ترك الفضاء الرقمي دون رقابة، ولا يمكن ضبطه بأدوات تقليدية دون الاصطدام بحرية التعبير والخصوصية. كما أن الاكتفاء بإزالة المحتوى يعالج العرض لا الجذر.
وتتطلب المواجهة الفعالة فهماً عميقًا للسياقات النفسية والاجتماعية التي تجعل السرديات قابلة للتأثير، إلى جانب تعاون بين الدولة والمجتمع المدني والمنصات الرقمية لإعادة بناء مناعة فكرية طويلة الأمد.
كما أن ما تكشفه الدراسة ليس فقط تحوّل داعش، بل تحوّل الإرهاب ذاته من ظاهرة مادية إلى ظاهرة رمزية، من تنظيم يُقاتَل إلى خطاب يُقاوَم. وهذا يجعل المواجهة مسألة ثقافية ونفسية وسياسية بقدر ما هي أمنية.
كذلك تخلص الدراسة إلى أن داعش لم يعد يحتاج إلى أرض ليحكم، بل إلى عقول ليؤثر فيها. وهذا أخطر أشكال الوجود، لأنه أقل وضوحًا وأكثر قدرة على التسلل وأصعب في الاحتواء.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_12.jpg.webp?itok=qwniu-QO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B4%D8%A7%D9%84_5.jpg.webp?itok=T4nm0oxH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_41.jpg.webp?itok=On1h3rLn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_137.jpg.webp?itok=HnhMzQlS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_29.jpg.webp?itok=jjxltkfu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%AF%D9%89_3.jpg.webp?itok=GzVSVcLb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1_6.jpg.webp?itok=21uKhHnT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%860_5.png.webp?itok=uy9-QkPN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_9.jpg.webp?itok=cJkeDBI8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_2.png.webp?itok=KvwDNfyu)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A72_1.png.webp?itok=YYGzHrYP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%88%D9%8A_1.jpg.webp?itok=PG4F23Pr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%8A%D9%86_13.jpg.webp?itok=yRHQ2GxB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_102.jpg.webp?itok=8kyi51xo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%831.png.webp?itok=pqRItlwk)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%AC%D8%AF.png.webp?itok=UXF0wEpY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%832.jpg.webp?itok=AQjEmokX)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_11.jpg.webp?itok=XKFZ_04A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_7.jpg.webp?itok=wRDX_4Wm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_3.jpg.webp?itok=nAqwYt3Q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_21.jpg.webp?itok=7QoqemGI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D8%A7%D9%8A_0.jpg.webp?itok=SXMpXSdR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
